كشفت الدورة السادسة للجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية، المنعقدة أول أمس الأحد بالرباط، الخلاف الذي يعيشه رفاق إسماعيل العلوي، الأمين العام للحزب. فما كادت أشغال اللجنة تنطلق حتى تعالت الأصوات المنادية بعدم قانونيتها، محتجة بعدم اكتمال النصاب القانوني
وأدت الأصوات المحتجة على خرق هذا القانون إلى تأخير انطلاق أشغال الدورة، المنعقدة تحت شعار "من أجل تعاقد سياسي جديد"، عن موعدها بحوالي ساعة ونصف.
ولم تتردد اللجنة المركزية في رفض المقترح، الذي قدمه العلوي، المتمثل في إحداث لجنة إدارية لتدارس أوضاع الحزب، مفضلة التصويت على لجنة وظيفية تجتمع باستمرار، بدل انتظار الدورات العادية للحزب.
كما طغت الأصوات المطالبة بعقد مؤتمر استثنائي، والداعية إلى إعادة انتخاب الديوان السياسي على أساس مهام محددة، لتنضاف إلى الأصوات المنتقدة لأشكال التنظيم الخاصة بالندوة الوطنية، المنعقدة أخيرا في بوزنيقة.
وأثارت التدخلات والمناقشات المتعلقة بالتشخيص وطرح المشاكل، قضايا انسجام الديوان السياسي الحالي، وضعف الأداء التنظيمي للحزب، والحاجة إلى تغييره بممارسة تنظيمية جديدة، علاوة على العلاقة بين الهياكل الحزبية وبين المنتخبين، وتفعيل المقتضيات ذات الصلة بالجزاءات، وفرض الانضباط الحزبي، والصرامة أكثر في التعامل مع كل خروج عن خط الحزب.
وطالب المحتجون، أيضا،بالوضوح أكثر في أسلوب التعبير عن موقف الحزب، والالتصاق أكثر بالحركية الاجتماعية والنضالية للشعب المغربي في القضايا المرتبطة بالحياة اليومية، فضلا عن ضرورة إعادة الاعتبار للنضال الإيديولوجي والفكري، ومكافحة السلوكات الانتهازية داخل هياكل الحزب.
وصادقت اللجنة المركزية، في آخر أشغالها، على التوصيات التي تضمنها التقرير الختامي، رغم الأصوات المحتجة. وهمت هذه التوصيات تعزيز الارتباط بين هياكل الحزب وجميع أعضائه، وإعمال التسيير الديمقراطي في مختلف هياكله وتنظيماته ، وتحسين نجاعة وفاعلية التنظيم الحزبي، وتحسين العلاقات "الرفاقية" داخل هذه التنظيمات ، علاوة على تفعيل عمل الهياكل المحلية والإقليمية والجهوية والقطاعية للحزب، بالإضافة إلى خلق تنظيمات جديدة مفتوحة وموازية، تقوي الارتباط بين الحزب والمجتمع، بما فيها خلق جمعية وطنية تعنى بالعمل الاجتماعي وبرامج القرب في المدن، وتنظيم الأعضاء المهتمين بهذا العمل في هذا المجال ضمن لجنة حزبية وطنية، مع استمرار إمكانيات عمل القرب المتاحة على مستوى النصوص المنظمة للامركزية.
وشملت التوصيات أيضا التشبث بالديمقراطية لتدبير مختلف الأمور الداخلية للحزب، علاوة على بلورة عقودـ برامج بين الديوان السياسي للحزب ومختلف الهياكل، على قاعدة أهداف وبرامج واضحة، وتفعيل أداء واجب الانخراط، وضرورة الاهتمام أكثر بمسألة التكوين الحزبي لكل الأعضاء، وكذا تعزيز وعصرنة التواصل داخل الحزب، والتفكير في وضع نظام متكامل لمصاحبة المرشحين للانتدابات الانتخابية، ينطلق من تأهيل منخرطي الحزب الراغبين في ولوج الانتداب الانتخابي.
وكان إسماعيل العلوي دعا رفاقه إلى "الحفاظ على وحدة رأينا، وأن نرص صفوفنا، ونقوي وضعنا، وأن نجعل من هذه الدورة السادسة دورة إجماع، نتفادى من خلالها كل إجراء من شأنه أن يخلق تعثرا، ويضر بمسار حزبنا".
وقال العلوي في الكلمة التي افتتح بها أشغال الدورة، إن "التعاقد السياسي الذي نقترحه ينطلق من كون المسلسل الديمقراطي الذي أصبح ساريا في منتصف السبعينيات والذي كلله في نهاية التسعينات من القرن 20، التوافق بين المؤسسة الملكية والقوى الديمقراطية و التقدمية، أضحى اليوم، بعدما حقق مكتسبات مهمة، سياسيا واقتصاديا وثقافيا وحتى اجتماعيا، أضحى بعد ما حصل من عزوف جماعي في الانتخابات التشريعية لشتنبر الماضي وما تلاها، عند تشكيل الحكومة، من ملابسات وانحراف عن السلوك السياسي العادي، في حاجة إلى تصور متجدد وإلى آليات جديدة تمكنه من الاستمرار الحثيث في السير على درب نظام ديمقراطي نموذجي وتمنح بلادنا القدرة على الخوض في إصلاحات من جيل ثان جديد".
وفي ما يخص الإصلاح المؤسساتي والدستوري، قال العلوي إن اقتراح الحزب على هذين المستويين يتجلى في تدقيق صلاحيات المؤسسة الملكية والوزير الأول والحكومة والبرلمان، بما يسير جدلية الاستقرار الاجتماعي والإصلاح السياسي و يرفع من مستوى نجاعة العمل الحكومي في ميدان تدبير المصالح العمومية، وذلك بإخضاع الهيئات والمؤسسات العمومية لتدبير سليم وشفاف تحت مراقبة الحكومة مع توسيع سلطة المراقبة المخولة للبرلمان.
أما في الإصلاحات السياسية فاقترح العلوي، من بين ما قدم على هذا المستوى، توسيع مجال الحريات الديمقراطية وضمان الأداء السليم والفعال في الممارسة العمومية خدمة للمواطنين بمحاربة جميع أنواع الفساد في الإدارة والقضاء ، علاوة على السير الحثيث نحو إرساء قواعد نظام تمثيلي أكثر مصداقية وأكثر نجاعة يمكن من تفعيل ديمقراطية مشاركاتية ، وإعادة النظر في الميثاق الجماعي حسب الاقتراحات التي قدمت من قبل الأطراف المعنية.
كما شملت اقتراحات العلوي في تعاقده السياسي الجديد، المسألة الاقتصادية والمسألة الاجتماعية والثقافية.
أما في ما يخص مسألة التحالفات، فقال العلوي" إننا في حزب التقدم والاشتراكية، نعتبر تحالف اليسار، في إطار التوافقات الأساسية، لا يقل أهمية عن تحالف الكتلة الديمقراطية باعتبار الدور المتميز لكليهما في المرحلة التاريخية التي نمر منها. فبدون هذه التحالفات لا يمكن أن نستطيع صياغة تعاقد جديد يعمق ما سبق أن وصلنا إليه منذ سنة 1998".
وأكد العلوي في نفس الصدد، بالنسبة للذين طالبوا بعودة الحزب إلى المعارضة، أن هذه العودة تعني "موضوعيا نهاية الحل الوسط التاريخي، وبالتالي إقبار فكرة وضع تعاقد جديد، بل الأخطر في الأمر هو أن ذلك يعني المناداة مباشرة على القوى الرجعية لاستلام السلطة".
وبخصوص تحضير الحزب للانتخابات المحلية والمهنية لسنة 2009، دعا العلوي رفاقه إلى وضع أهداف كمية عددية وأخرى نوعية انطلاقا مما تحقق من نتائج إيجابية سنة 2003، وفي الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أجريت في شتنبر 2007، مقترحا تكوين لجنة وطنية ممن لهم صلة ومعرفة بموضوع الانتخابات للسهر على تنسيق العمل مع الفرق الجهوية والإقليمية والمحلية.