ماسحو الأحذية بالبيضاء أطفال تأبطوا علب السراج بذل المحافظ

الثلاثاء 25 مارس 2008 - 21:24

بأجساد نحيلة بالكاد تحاول المشي, وظهور مقوسة, وعيون ذابلة من شدة الإعياء وقلة النوم, تنطق المعاناة والقهر، والاستسلام لسلطة القدر, يرتدون ملابس خفيفة ورثة في فصل بارد, ويحملون علبهم الخشبية المحتوية على معدات مسح الأحذية.

يتجولون في الشوارع يطرقون أبواب المقاهي، يتحملون استفزازات مسيريها، على أهبة الانحناء على أقدام العامة، لتحصيل دريهمات بالكاد لا تشفع حتى لسد رمق جوعهم.

أطفال في عمر الزهور، ومراهقون رغما عنهم، أعلنوا القطيعة مع المدرسة, وتأبطوا علبا بدل المحافظ، يلونون طفولتهم بالسواد، بحيث وجدوا أنفسهم مشردين في فضاءات مدينة البيضاء مجبرين تحت سلطة الفقر، ليعلنوا الصراع مع الواقع من أجل البقاء, وآخرون من أبناء هوامش العاصمة الاقتصادية، وجدوا في مسح الأحذية مورد الرزق الوحيد الذي يعيل عائلاتهم.

معاناة مشتركة، وهم واحد لماسحي الأحذية, أعلنوا الصراع مع الواقع من أجل البقاء.
بجانب علبته الخشبية الصغيرة المتآكلة، يظهر من بعيد، جالسا أمام باب عمارة بشارع أنفا بمدينة البيضاء, شارد الفكر، في غياهب الأحلام ربما, أو في المسؤوليات الجسام التي حملها مبكرا على عاتقه المنهك. وأحيانا أخرى يبدأ في ملاعبة ممسحة الأحذية بين يديه المتسختين بـ "السيراج", أو يضربها برفق على صندوقه الخشبي, وعيناه تلاحقان أحذية المارة حينا، وأعينهم حينا آخر, متوسلا إياهم مسح أحذيتهم.

"سيرور سيرور" بهذه الكلمات وأخرى، يستعطف المارة لمسح أحذيتهم، عسى أن يجودوا عليه ببعض الدريهمات، التي لا تغني ولا تسمن من جوع. يقول عثمان ذو الثالثة عشر ربيعا بنبرة هادئة تحمل أثقالا من الهموم، بعد أن ظفر للتو بـ 3 دراهم من فتاة مقابل مسح حذائها ذي الكعب العالي، "هاذ الحرفة الله يعفو عليا منها, اليوم بكامله وأنا أتسكع في الشوارع, وأمام المحلات التجارية, وداخل المقاهي أنحني على أقدام الناس، لأحصل على دريهمات بالكاد تعيلني بعضها للبقاء على قيد الحياة, والآخر أوفره لحين عودتي لأهلي".

واسترسل قائلا، إن "هذا المكان ليس خاصا بي، إنما اتخذته محطة لالتقاط أنفاسي، بعدما شعرت بالإعياء بعد طول تجوال". وأضاف ابن مدينة العونات، قبل أن يهم بمغادرة المكان، كاشفا عن رجليه كان حاضنا إياهما لحمايتهما من قسوة برد، منتعلا حذاء بلاستيكيا شفافا "حلومة" يستر به قدميه، وجوارب متآكلة كل فردة لا تشبه الأخرى، "نكتري بيتا لا يتسع لنا نحن الخمسة أفراد بمبلغ 300 درهما في الشهر, أحاول أن أدخر كل يوم على الأقل 20 درهما، لأوفر مبلغا أعيل به والدي، عندما أذهب في كل عيد ديني إلى مسقط رأسي بالعونات". إذ لا تتجاوز عطلته في مسقط رأسه، على حد تعبيره، ثلاثة أو أربعة أيام، و"أعود لمواصلة هذا العمل الحقير لأنه ما عندي ماندير الله يفرج".

حكاية عثمان، واحدة من بين حكايات عشرات الأطفال في عمر الزهور، كما هو الشأن بالنسبة لمراهقين قدموا إلى مدينة البيضاء من مدن بعيدة وقرى نائية, حولتهم ظروف الحياة القاسية إلى رجال قبل الأوان، بعد أن غادروا المدرسة مكرهين، يحملون على عاتقهم مسؤوليات إعانة ذويهم المعوزين. "الوالد الله يرحمو, وأمي مريضة كدير الدياليز، وماكينش اللي عاونها". الكلام هنا لرشيد في ربيعه الـ 16، يرتدي ملابس لا تقي جسمه النحيف من البرد القارس. "هاد الحوايج ديما لابسهم في الصيف والشتاء". عادة ما يجلس رفقة بعض أصدقائه في الحرفة، من جيله، أمام إحدى بوابات المحطة الطرقية أولاد زيان. يضيف رشيد قائلا " كنت أتمنى أن أتمم دراستي, انقطعت عنها وأنا في الرابع ابتدائي.

المدرسة كانت بعيدة جدا عن قريتنا في منطقة الشياضمة، ضواحي الصويرة, إضافة إلى أنه لم يكن بإمكاني أو بإمكان والدتي المريضة، شراء مستلزمات الدراسة". صديقه سعيد، في سن الخامسة عشر، يدخن سيجارة من نوع التبغ الأسود الرديء، قال، بعدما نفث من بين شفتيه دخانها، وبدأ وكأنه يرمي معه كل همومه، "إيييه، أقسم أنني، وكل من آل مآله إلى ما أنا عليه، لو أكملنا دراستنا لتمكنا من بلوغ الأهداف المرجوة, إذ لا يعرف قيمة المدرسة والدراسة، إلا من هم في حالة وضعنا الاجتماعي".

إنه الحنين إلى المدرسة, الذي اغتالته سلطة الفقر، ودفعت بالمئات من الأطفال في عمر الزهور إلى التشرد، والمبيت على أرصفة الشوارع, وخلف أبواب العمارات، يغالبون قسوة البرد وخيوط الأمطار المتهاطلة، بنوم مشاكس يأبى أن يأخذهم إلى عوالم الأحلام. "النوم، يا سلام، كم هو جميل بالنسبة للذين يستمتعون بحلاوته في تلك الليالي العاصفة الممطرة، التي نكون فيها نحن في الشوارع نغالبه حتى يأخذنا في دفئه ولو للحظات". بنبرة مليئة بالحزن والأسى, وعيون غائرة، تنطق بالقهر والمعاناة، قال حميد ذو الرابعة عشر ربيعا، وهو مازال يجوب شوارع العاصمة الاقتصادية، قبيل الساعة التاسعة ليلا, ليس بحثا عن زبائن آخرين، فالنهار قد ولى ولم يعد هناك من راغب في مسح حذائه, إنما للبحث عن ركن ملائم يلقي فيه جسده النحيل، إلى حين أن يلقي الفجر بخيوطه الأولى، ليستأنف عمله الروتيني في يوم جديد، لا يعلم حجم المعاناة التي يخبئها له فيه القدر.

لا يقتصر مسح الأحذية بالعاصمة الاقتصادية على فئة الأطفال، القادمين من مناطق نائية, بل يشمل أيضا أبناء العاصمة الاقتصادية, حيث يزاولون هذه المهنة الهامشية شباب راشدين ورجال وأرباب أسر، وجدوا في مسح الأحذية منذ سنوات ليست بالقليلة مورد رزق, وإن كان لا يسمن ولا يغني من جوع، فإنه بالكاد يسد رمق الجوع، ويحصل نسبيا قوت عائلاتهم اليومي, إذ يضعون لنشاطهم اليومي نظاما خاصا اعتادوا على نهجه بشكل روتيني. بعضهم يبدأه منذ الساعات الأولى للصباح في التجوال في الشوارع والمقاهي والمحطات الطرقية, بصفة منتظمة حتى أصبحوا يلقون إقبالا خاصا من طرف العديدين, باتوا على معرفة جيدة بنشاط هذا "السيرور" وذاك.

من جهته، قال عبد الرحمان، (35 سنة) من حي سيدي مومن، متزوج وأب لثلاثة أطفال، "هذه ثماني سنوات وأنا أمسح الأحذية، أصبحت معروفا ومحترما في الأماكن التي أتخذها لنشاطي اليومي, أصبح لدي زبناء"، الكلام هنا يضيف قائلا بنبرة مزاوجة بين التفاؤل والإحباط, "الحمد لله على كل حال, أنا راض بما قسمه لي الله من نصيب, ولو أني أجد مشاكل في بعض الأحيان مع عائلتي الصغيرة في تدبير مصروف البيت, واش غادي ندير اللهم نمسح السبابط أو لا نمشي نذل راسي نطلب في الطوبيسات". وهناك من تفادى التجوال في الأماكن العمومية, ووجد في الاستقرار بصفة منتظمة في أماكن تعج بالحركة، ملاذا رحيما لعمله الروتيني، كما هو الحال بالنسبة لعبد العزيز (45 سنة) رب أسرة تتكون من أمه وزوجته وأربعة أطفال، الذي يتخذ من ركن في ساحة السراغنة في الفداء بعمالة درب السلطان بجانب شقته المتواضعة، منذ سنوات، مقرا هامشيا لعمله, "في عصرنا الحالي إذا لم تكشر عن أنيابك يوميا لتحصيل طرف ديال الخبز ستموت جوعا, كل الأعمال الشريفة بالنسبة لي مباحة في ظل الفقر الذي تعيش عليه غالبية الأسر المغربية, هذه المهنة وإن كانت هامشية أو حقيرة كما يصفها البعض، إلا أن رزقها المتواضع حلال طيب مائة في المائة، وأفضل بكثير من مهن عديدة، لا تظهر خيراتها الكثيرة على أصحابها, وأنا أزاول مسح الأحذية منذ ثماني سنوات وأصبح لي زبناء خاص بي"، بطلاقة في التعبير يضيف عبد العزيز "أحاول أن أحصل على الأقل في اليوم الواحد على أربعين أو خمسين درهما. أتبضع بها حاجيات أسرتي, لا يمكن أن أعود لبيتي في المساء خاوي الوفاض فليس في يومنا هذا من يدق بابك حتى ليحيك. بين الفينة والأخرى أمرض أياما طويلة فتضطر زوجتي إلى الاشتغال عند الجيران في الغسيل والتنظيف".

من منظور العامة، فإن مهنة مسح الأحذية تبدو حقيرة نوعا ما, على اعتبار أن ماسح الأحذية ينحني أو "يركع على أقدام العامة وكأنه يقدم لهم فروض الولاء والطاعة", يقول هنا مصطفى لطفي، طالب جامعي. والأكيد أن هذه المهنة ولو أنها شريفة ورزقها حلال طيب وأفضل بكثير من مهن هامشية أخرى مثل بيع السجائر بالتقسيط, إلا أنها تظل دائما محل رفض, واشمئزاز, وسخط مجتمعي, وهذا الرفض غير مرتبط بالأساس بطبيعة المهنة الهامشية, وإنما بطبيعة الإنسان المغربي الذي يرفض أن يظهر ضعفه, وعجزه أمام الآخر. فما بالك بأن ينحني لتلميع حذاء كل من هب ودب". علاوة على أن المجتمع المغربي كما تقول مريم وردي، طالبة صحافية، "معروف بالنزعة الذاتية، وعزة النفس، إلى غير ذلك من الخصال، التي تميز ليس المجتمع المغربي فقط وإنما الإنساني العربي المسلم".
ومع ذلك، تبقى مهنة مسح الأحذية بالنسبة لبعض الأسر المعوزة التي تعيش تحت عتبة الفقر الملاذ الوحيد لتحصيل قوت اليوم, "الله يحسن العوان كين لي مالاقي ماياكل اللهم يمسحوا الأحذية أولا يمشيو يشفروا", بنبرة مشفقة على ممتهني مسح الأحذية تضيف مريم وردي.




تابعونا على فيسبوك