فضلا عن التعاون المؤسساتي القائم مع عدد من الدول الإفريقية، يعمل المغرب منذ بضع سنوات على تنمية شراكة من نوع جديد ذات بعدين اجتماعي وإنساني، جرى إطلاقها بمبادرة من جلالة الملك محمد السادس.
وتجسدت هذه الشراكة الجديدة التي تعتبر، نوعا ما، شكلا من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالخارج، على أرض الواقع من خلال مضاعفة الجولات الملكية بإفريقيا منذ اعتلاء جلالته العرش، والتي قادته إلى العديد من الدول الإفريقية.
إضافة إلى الجانب الثنائي المؤسساتي، أطلق جلالة الملك عددا من المشاريع ذات الطابع الاجتماعي، توخت التخفيف من الصعوبات التي يعانيها السكان، لا سيما حملات التلقيح و الاستمطار لتقليص آثار الجفاف، وتقوية التجهيزات والمعدات الصحية.
ويتعلق الأمر بعمليات تكفل بها المغرب خارج إطار التعاون المؤسساتي الرسمي، تستهدف السكان بشكل مباشر.
وتميزت هذه العمليات، على الخصوص، بتعبئة فرق طبية وشبه طبية مهمة، تابعة للقوات المسلحة الملكية، قامت على مدى عدة أسابيع بحملات خاصة للتلقيح، والكشف الطبي لفائدة السكان. وخلفت هذه العمليات، التي أنجزت بعدة دول إفريقية، أصداء إيجابية واسعة في صفوف السكان المستفيدين.
ويتوخى المغرب عبر هذه المبادرات توجيه رسالة قوية إلى إفريقيا، مفادها أن التضامن الفعال مع إفريقيا صار يحتل المرتبة الأولى ضمن أولويات سلم السياسية الخارجية للمملكة.
ويكتسي هذا التضامن أحيانا طابعا استعجاليا، إذ يستهدف بشكل مباشر السكان، القرويين في بعض الأحيان، الذين غالبا ما تنقصهم أو تبعد عنهم البنيات التحتية الاجتماعية.
هكذا، وعندما قام جلالة الملك في يوليوز2005، بزيارة بلدة مارادي، الواقعة على بعد حوالي 550 كلم جنوب شرق العاصمة النيجيرية نيامي، التي عانت بشدة من الجفاف، كان جلالته أول رئيس دولة أجنبية يزور هذه المنطقة.
وبالفعل اكتست المبادرة الملكية بعدها ودلالتها الكاملين من خلال الاطلاع على وضعية السكان بعين المكان، وتقييم حاجاتهم، خاصة الغذائية. واستجاب جلالته شخصيا لنداء المساعدة الذي أطلقته السلطات في هذا البلد الإفريقي، الذي كان يواجه جفافا غير مسبوق كان يهدد مليون مواطن بالمجاعة.
وكان المغرب أرسل مساعدة غذائية مستعجلة إلى نيامي، وأقام مستشفى عسكريا متنقلا بمارادي.
وبتقديم دعم جلالته الشخصي ودعم المغرب الفوري لهذا البلد، أراد جلالة الملك إطلاق إنذار دولي بخصوص المأساة التي كانت تتهدد عشرات الآلاف من السكان، بغية تفعيل مبادئ التضامن التي يدافع عنها جلالة الملك في كافة المحافل.
ومن المؤكد أن الانتقال إلى عين المكان للوقوف على وضعية آلاف الأشخاص المهددين بالمجاعة للتخفيف من معاناتهم، ينم عن التزام راسخ لجلالة الملك لصالح القضايا الأولى للقارة، التي تتمثل في الفقر، وسوء التغذية والأمراض، وهي القضايا التي تستلزم قدرا كبيرا من السخاء والإنسانية والتضامن.
وتحمل المبادرات الملكية الموجهة لفائدة سكان القارة السمراء رسائل قوية الدلالة، فجلالة الملك ما فتئ يعمل من أجل إضفاء بعد إنساني على مبادرات المغرب التضامنية مع البلدان الإفريقية، وعلى التعاون جنوب - جنوب، من خلال إطلاق عدة برامج لمساعدة السكان المعوزين بإفريقيا.
فكلما واجه أحد البلدان الإفريقية أزمة ما، إلا وهب المغرب، تماشيا مع المسعى الملكي، لتقديم المساعدة والدعم الضروريين، كما تشهد على ذلك مساهمة المملكة على أرض الواقع في عمليات حفظ السلام (كوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديموقراطية)، والمساهمة في تسوية النزاعات الإقليمية (تجربة بلدان نهر مانو)، فضلا عن المساعدة المادية واللوجستية في حالة الكوارث الطبيعية، كما حدث عندما اجتاحت أسراب الجراد عددا من البلدان الإفريقية.
أما قطاع الصحة، فيحتل مكانة متميزة ضمن مبادرات التضامن التي تتخذها المملكة تجاه هذه الدول قصد تمكينها من مكافحة الأوبئة، وتحسين شروط عيش الفئات الهشة.
ذلك أنه خلال كل جولاته بإفريقيا، يأبى جلالة الملك إلا أن يطلع على أحوال السكان في وضعية صعبة، حيث يقدم لهم دعم ومؤازرة المغرب الدائمين.
وتعد هذه العناية التي يحظى بها الأفارقة امتدادا لسياسة القرب التي ينهجها جلالة الملك بالمغرب، ولفائدة الشعب المغربي، لاسيما من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تروم تحسين مستوى عيش مختلف الطبقات الاجتماعية، وتطوير الخدمات الاجتماعية على مستوى الصحة والتعليم والتشغيل والسكن.
وعلى جانب آخر، يولي المسعى الملكي اهتماما خاصا لتقوية الروابط الثقافية بين المغرب وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء، فالمملكة كانت لها دوما علاقات عريقة مع هذا الجزء من القارة السمراء، عبر طرق القوافل، التي أسهمت في نشر تعاليم الدين الإسلامي في هذه المناطق، وهي الروابط التي مازال المغرب يحرص على المحافظة عليها، وفاء منه للتاريخ والإرث المشتركين.
فبمناسبة زياراته للعديد من البلدان الإفريقية، يحرص جلالة الملك محمد السادس أمير المؤمين، على أداء صلاة الجمعة بمساجدها، وهو ما يعكس عمق الروابط الروحية والحضارية مع شعوب هذه القارة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن ضريح الشيخ سيدي أحمد التيجاني بفاس كان احتضن في يوليوز الماضي، تحت الرعاية السامية لجلالة الملك، الجمع العام للطريقة التيجانية، التي تضم ملايين المريدين عبر العالم، والتي توجد زاويتها الأم بالعاصمة الروحية للمملكة.