شموع السلاويين محطة سنوية للاحتفال بالمولد النبوي

الخميس 20 مارس 2008 - 22:15

لا يجد الزائر أي صعوبة في الوصول إلى دار صانع الشموع بمدينة سلا، فبمجرد ما يلج باب "بوحاجة" بالسوق الكبير، ويسأل عنها، يرد العديد من الأشخاص "راها، على اليمين".

ذلك أن هذه الدار تحظى بمكانة خاصة لدى السلاويين، خاصة أيام الاحتفال بعيد المولد النبوي.

وسط مناخ مشبع بالعطور والبخور وعلى إيقاع التهاليل، ترتفع إيقاعات الصناع، من نساء ورجال، حتى لا يخلفوا الموعد مع محطتهم السنوية، المتمثلة في "موسم الشموع"، المجسد لطقوس احتفالية عريقة، حافظ عليها السلاويون، في طقس يعكس التعظيم والتقدير، الذي يكنه المغاربة لعيد المولد النبوي الشريف.

"لا يمكن لنا، نحن السلاويين كعادتنا، أن نخلف موعدنا مع موسم الشموع، الذي تنفرد به مدينة سلا منذ القدم، كطريقة للاحتفال بعيد المولد النبوي"، يقول أحد الصناع، من عائلة بلكبير، التي تختص اليوم في صناعة هذه الشموع، بعد عائلة بنشقرون.

وتعتمد عائلة بلكبير في صناعة هذه الشموع، وهي تختلف كثيرا عن الشموع العادية، المستعملة في الإنارة، على هياكل من خشب سميك، مكسو بالورق الأبيض الناصع والملون بأزهار الشمع، ذات الألوان الجميلة المتنوعة، من أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، في شكل هندسي يعتمد على الفن الإسلامي البديع. كما تتميز شموع دار الصانع بأحجامها، إذ يتعدى طولها مترين أو أكثر، في حين تتراوح أوزانها بين 15 و50 كيلوغراما.

ويضيف الصانع نفسه، خلال زيارة "المغربية" لدار الصانع، أول أمس، الثلاثاء، قوله "نحن نخرج أولا هياكل الشموع، التي احتفظ بها طيلة السنة في ضريح مولاي عبد الله بن حسون، شهرا قبل حلول العيد، لزخرفتها من جديد وتلوينها، كما دأبنا على ذلك منذ أزيد من خمسة قرون"، مبرزا أن أصل الشموع يعود إلى عهد الملك السعدي، أحمد المنصور الذهبي، الذي تأثر خلال زيارته إلى إسطنبول بالحفلات التركية، التي كانت تنظم بمناسبة المولد النبوي الشريف. وعند تربعه على العرش بعد معركة وادي المخازن، عام 1578، استدعى صناع فاس ومراكش وسلا، قصد صنع هذه الهياكل الشمعية. ليكون أول احتفال بعيد المولد النبوي الشريف بموكب الشموع سنة 986هـ.

ويشير نقيب الشرفاء الحسونيين إلى أن الاحتفالات بعيد المولد النبوي عند السلاويين، لا تتجلى في موسم الشموع فقط، بل تمتد على طيلة أسبوع تسحب خلاله هياكل الشموع من ضريح مولاي عبد الله بن حسون، لترسل إلى دار الصانع، من أجل زخرفتها من جديد، وإعادة تلوينها، مبرزا أن الاحتفال ينطلق بعد صلاة عصر يوم 11 ربيع الأول، إذ يجتمع الموكب، المكون من الشرفاء الحسونيين وأتباع الزاوية الحسونية ، في السوق الكبير، قرب دار صانع الشموع، قبل أن يتوجه عبر أهم شوارع المدينة إلى ساحة باب المريسة.

ويضيف نقيب الشرفاء الحسونيين أن حمل الشموع يتكلف به رجال يسمون "الطبجية"، وهذه كلمة تركية، يرتدون زيا تقليديا، ويحملون الشموع على أكتافهم، ليطوفوا أهم شوارع المدينة، مصحوبين بأجواق الموسيقى، وقرع الطبول، وتصفيقات المعجبين والسياح، الذين يحضرون بكثرة لهذا الموعد السنوي.

ثم يمضي الموكب في طريقه، مخترقا أهم شوارع المدينة، ليتوقف في ساحة الشهداء، أمام المنصة الرسمية للاحتفال،حيث تؤدى رقصات الشموع، فيواصل الموكب سيره في اتجاه «دار الشرفاء»، التي تشهد، هي الأخرى، حفلة تقليدية تساهم فيها النسوة والأطفال، في مناخ مشبع بالعطور والبخور والفرح.

ويفيد نقيب الشرفاء "بدار الشرفاء، ينظم حفل تقليدي تحضره النساء والأطفال، بأزيائهم التقليدية، لينتقل بعد ذلك إلى ضريح سيدي ابن حسون، الذي تعلق به الشموع". ويعتبر النقيب أن "الاحتفال بعيد الولد النبوي لا يتوقف بمجرد إنهاء استعراض موكب الشموع، إذ بعد الطواف، يدعى جميع المشاركين إلى حفل عشاء في دار الشرفاء، ثم يلتحق الحضور، بعد ذلك، بزاوية مولاي عبد الله بن حسون، لمتابعة رقصة الشمعة، على نغمات الموسيقى الأندلسية والأمداح النبوية".

ويضيف أن طقوس تخليد ذكرى المولد النبوي، تتواصل يوم العيد، بحفلة خاصة بطرب الملحون، يشارك فيها شعراء وشيوخ الملحون من مختلف مدن المغرب، لإلقاء قصائد بالمناسبة. أما ثاني يوم العيد فيخصص لتنظيم مسابقة في تجويد وحفظ القرآن الكريم، تمنح فيها للفائزين جوائز مالية، ثم تليها محاضرة دينية، يلقيها أحد العلماء.

وفي اليوم السادس للمولد، ينظم حفل خاص بالذكر الصوفي، وقراءة كتاب "دلائل الخيرات"، للإمام الجزولي، وأوراد مولاي عبد الله بن حسون، في حين يخصص صباح اليوم السابع للمولد لحفل إعذار الأطفال اليتامى والمحتاجين، في دار الشرفاء، كما تنظم بالزاوية الحسونية حفلة "الصبوحي"، وهي خاصة بقراءة البردة والهمزية، للإمام البوصيري، كما يلقي أحد العلماء درسا، يبرز فيه فضائل وشمائل النبي المختار (صلى الله عليه وسلم)، وتلقى أيضا قصائد شعرية بالمناسبة، تختم بجملة "الكصعة التقليدية"، وفي المساء، تشارك الطوائف الدينية بأذكارها وأورادها.




تابعونا على فيسبوك