دعا عدد من المسؤولين الصحراويين المرافقين للوفد المغربي المشارك في الجولة الرابعة لمفاوضات مانهاست، التي تجري حاليا بضواحي نيويورك، الجزائر إلى تحمل مسؤوليتها.
والكف عن وضع العراقيل أمام الجهود الأممية الرامية إلى إيجاد حل سياسي للنزاع المفتعل حول الصحراء.
وندد هؤلاء المسؤولون، في تصريحات لوكالة المغرب العربي للأنباء بنيويورك، بالمواقف الجامدة والمتعنتة التي يتشبث بها "البوليساريو"، بإيعاز من صنيعته الجزائر، وبالاستفزازات الأخيرة التي أقدم عليها الانفصاليون، والتي ترمي إلى التغطية على فشلهم في التجاوب مع مساعي المجتمع الدولي، الذي تبنى المقترح المغربي حول نظام الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية، الذي يعد فرصة تاريخية لإنهاء هذا المشكل المفتعل.
كما فضحت هذه الشخصيات الصحراوية في تصريحاتها، الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها السكان المحتجزون في مخيمات تندوف، في الوقت الذي تشهد فيه هذه المخيمات عمليات هروب ومغادرة جماعية لمئات الصحراويين، الذين يعودون تباعا إلى المغرب وطنهم الأم.
وفي هذا الصدد، أعرب سفير المغرب في بلغاريا، الغيلاني الدليمي، عن أسفه لكون الجزائر و"البوليساريو" لم يبديا أي التزام في مسلسل المفاوضات حول الصحراء، معربا عن الأمل في أن تغير الجزائر و"البوليساريو" موقفهما الحالي، وينخرطا خلال هذه الجولة الرابعة "بإرادة حسنة ورؤية واضحة، ورغبة في إيجاد حل لهذا المشكل الذي طال أمده".
كما أعرب عن الأمل في أن تعي الجزائر أن هذا النزاع يخلق مشاكل أكثر خطورة، كالإرهاب الذي يشكل تهديدا حقيقيا لمنطقة المغرب العربي، وكذا بالنسبة لأوروبا والبحر الأبيض المتوسط.
وأشار في هذا الصدد إلى أن المقترح المغربي للحكم الذاتي، الذي خلق دينامية جديدة على مستوى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، يوفر إطارا واقعيا للتوصل إلى حل نهائي، وبالتالي تجنيب المنطقة مختلف الأخطار التي تهددها.
ومن جهة أخرى، وصف الدبلوماسي الاستفزازات الأخيرة "للبوليساريو" في تيفاريتي بـ "الاعتداءات الحقيرة"، باعتبارها تشكل انتهاكا للقانون الدولي والاتفاقات المبرمة تحت رعاية الأمم المتحدة.
وأكد أن مثل هذه التصرفات لا يمكنها إلا أن توثر سلبا على مسلسل المحادثات، وعلى العلاقات بين المغرب والجزائر، مشددا على أن المملكة، رغم كونها مسؤولة وتحترم التزاماتها، فإنها لن تسمح لا للبوليساريو ولا للجزائر بتهديد وحدتها الترابية أو بفرض الأمر الواقع.
ولاحظ أن هذه الاستفزازات، التي تأتي عشية جولة جديدة من المفاوضات، أصبحت معتادة، لأنها تهدف إلى الضغط على المجتمع الدولي، وتقويض المسلسل الجاري، الذي انخرط فيه المغرب والأمم المتحدة.
وعلى صعيد آخر، تحدث سفير المغرب في صوفيا، المتحدر من منطقة الصحراء، والذي عانى أقاربه من ممارسات "البوليساريو"، عن الوضعية المأساوية لحالة حقوق الإنسان في مخيمات تندوف، مشيرا إلى أن العديد من الأطفال جرى تهجيرهم إلى كوبا، كما أن حقوق المحتجزين تتعرض للانتهاك من خلال الاختفاءات القسرية، والانتهاكات اليومية لحقوقهم في التعبير والتنقل.
من جانبه، ندد محمد ماء العينين، سفير المغرب بالأردن، بالانتهاكات التي تعرفها وضعية حقوق الإنسان في مخيمات تندوف، مبرزا أن "حقوق الإنسان ربما تحترم في أي مكان في العالم إلا في مخيمات تندوف بالجزائر".
ووصف محمد ماء العينين مخيمات تندوف بأنها "سجن كبير والعائدون منه يوميا يعدون بالعشرات، كلهم يبكون دما بسبب ما يتعرضون له من أشكال التنكيل والتعذيب والإهانة"، مذكرا في هذا الصدد بالتحاق حوالي مائة صحراوي أخيرا بأرض الوطن.
وأضاف أن المحتجزين بهذه المخيمات لا ينطبق عليهم اسم "لاجئين" لأنهم لا يتمتعون داخل دولة الإيواء، التي هي الجزائر، بأبسط حقوق اللاجئ التي تكفلها له المواثيق الدولية، مشددا على أن هؤلاء "هم رهائن وسجناء في مخيمات تنعدم فيها وسائل العيش".
وعن الاستفزازات المتكررة لـ "البوليساريو" داخل المنطقة العازلة بتيفاريتي، قال إن الطرف الآخر، ومنذ عام 1991، تاريخ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، بدأ يستغل هذا الاتفاق لإدخال مدنيين إلى المنطقة العازلة، علما أن المغرب، يضيف ماء العينين، "قرر طواعية أن تبقى هذه المنطقة عازلة، صونا للمستقبل بيننا والجزائر".
وأكد أن المغرب لا يعبأ بهذه التهديدات، لأنه يعي أنه دخل في مسلسل سلمي تبنته منظمة الأمم المتحدة، التي تسعى للحلول السلمية لا العسكرية، معربا عن الأمل في أن "تفهم الرسالة التي نوجهها إلى الانفصاليين وإلى الجزائر".
وذكر بأن مقترح الحكم الذاتي الذي حياه المنتظم الدولي، وتوصيات الأمم المتحدة، ولاسيما قراري مجلس الأمن 1754 و1783، تولدت عنه هذه الدينامية الجديدة التي يعرفها الملف، المتمثلة في المفاوضات، معربا عن الأمل في أن يلقى مضمونه تجاوبا من لدن "البوليساريو"، وبالخصوص الجزائر التي تعد "المحرك الحقيقي لهذه الحركة الانفصالية".
من جهة أخرى، أكد سفير المغرب بفنزويلا، إبراهيم حسين موسى، في تصريحات مماثلة أن "البوليساريو" يعيش حاليا مرحلة تفكك متقدمة، تؤشر على نهاية تلك الفكرة الوهمية التي كانت وراء قيامه، موضحا أن هذا التفكك هو في الأصل نتيجة لنشوء هذا الكيان، الذي لم يخضع في الأساس لأي منطق، سواء كان اجتماعيا أو سياسيا أو إثنيا، أو حتى ثقافيا.
وبعد أن أكد أن "البوليساريو سيلقى في النهاية المصير الذي يستحقه"، أبرز أن المغرب كان دائما على صواب، وأن المجتمع الدولي أعرب عن تأييده للمقترح المغربي الرامي إلى منح الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا، عندما وصفه بـ "الجاد والواقعي وذي مصداقية".
وأكد الدبلوماسي المغربي أن هذا المقترح يعد ثمرة مبادرة منسجمة وقوية تقدم به جلالة الملك، والحكومة والشعب المغربي بما فيه غالبية السكان الصحراويين، عقب مشاورات ديمقراطية مع مختلف شرائح المجتمع المغربي.
وقال إن الحكم الذاتي يعد نموذجا نبيلا لم يسبق أن شهدته الساحتان الإفريقية والعربية، برهن المغرب من خلاله للعالم على أن النزاعات المفتعلة مثل قضية الصحراء، تستدعي إرادة حقيقية لتجاوز قصر نظر بعض الأطراف التي رسمت لنفسها مخططا وهميا، لتجد في النهاية أنها كانت على خطأ.
ووجه إبراهيم موسى نداء إلى صحراويي مخيمات تندوف لاغتنام هذه الفرصة التاريخية التي يقدمها المقترح المغربي، والكف عن السماح باستغلالهم من قبل جهة لا تبحث إلا عن مصالحها الشخصية، مؤكدا أنه "سنشهد في يوم من الأيام أحد أخطر الكوارث الإنسانية، لأن الجزائر هي من ستسعى في النهاية إلى التضحية بالصحراويين".
وفي السياق ذاته، حث الدبلوماسي المغربي الجزائر على العودة إلى العقل والمنطق، والحفاظ على روح علاقات الجوار والثقافة والدم، التي توحد الشعبين المغربي والجزائري، مستنكرا كل محاولة لعرقلة مسلسل المفاوضات، الرامي إلى تسوية هذا النزاع، الذي كانت هي نفسها من ورائه.
من جهة أخرى، وصف إبراهيم موسى الاستفزازات الأخيرة لـ"البوليساريو" في المنطقة العازلة بتفاريتي في الصحراء المغربية، بـ"الصبيانية"، معتبرا أن الهدف من ورائها هو تسميم الرأي العام الدولي، في الوقت الذي كانت تستعد فيه الأطراف للدخول في جولة رابعة من المفاوضات حول هذا النزاع.
من جانبه، أكد سفير المغرب بالنرويج، بوشعيب يحضيه، أنه يتعين على الجزائر اغتنام فرصة الجولة الرابعة من المفاوضات حول الصحراء، للسير قدما في البحث عن حل سياسي لهذا النزاع، معتبرا أن المبادرة المغربية لمنح الحكم الذاتي للصحراء تعتبر السبيل الوحيد للتوصل إلى حل سياسي نهائي لمشكل الصحراء، وأن "البوليساريو" "لا يملك حرية القرار".
فالقرار، يقول الدبلوماسي المغربي، بيد الجزائر التي تستخدم كل الوسائل لتعقيد الأمور، والوقوف في وجه تحقيق الهدف الرئيسي للأمم المتحدة، المتمثل في إيجاد مخرج لهذا المشكل الذي يمثل عقبة أمام مجموع المغرب العربي منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وفي هذا السياق، ذكر المسؤول المغربي بتصريح المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بيتر فان فالسوم، الذي قال إنه يتعين بذل كل الجهود لدفع الجزائر إلى الانخراط في المفاوضات.
وقال بوشعيب يحضيه إن "البوليساريو"، الذي يزعم أنه "حركة تحرر"، سبق له أن قبل سنة 2002 ، المقترح "المفاجأة" الذي تقدمت به الجزائر والقاضي بتقسيم الأراضي. وأكد أن هذا التقسيم يشكل إهانة لسكان الصحراء لأنه يعني القضاء على كل الروابط العائلية التي تجمع سكان المنطقة.
وبشأن الاستفزازات الأخيرة لـ "البوليساريو" في المنطقة العازلة في تيفاريتي، أبرز سفير المغرب بأوسلو أنها تشكل انتهاكا حقيقيا لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 1991، تحت إشراف الأمم المتحدة، مذكرا بأن المغرب ترك هذه المنطقة عازلة لسببين، الأول يتعلق بحق التعقب والمطاردة في حال أي تسرب "للبوليساريو" لتفادي عبور الحدود مع الجزائر، وكذا ترك الباب مفتوحا أمام هذه الأخيرة للتوصل إلى حل لمشكل السكان المحتجزين فوق ترابها.
وفي ما يتعلق بتوقيت هذه الاستفزازات، اعتبر الدبلوماسي المغربي أنها تأتي عشية كل جولة من المفاوضات لتقويض المحادثات وإدامة هذه الوضعية، التي لا يتستفيد منها لا السكان المعنيون ولا منطقة المغرب العربي برمتها.
وفي ما يتعلق بالوضع في مخيمات تندوف، أبرز بوشعيب يحضيه الانتهاكات الخطيرة التي يعاني منها المغاربة المحتجزون، مشيرا في هذا الصدد، إلى ترحيل الأطفال إلى كوبا وتمزق العائلات والأسر التي تستغل كرهائن وحرمانها من أبسط الحقوق الإنسانية كالحق في التعبير وحرية التنقل.
وذكر في هذا السياق بالنداءات الملحة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين لتحديد وإحصاء هؤلاء المحتجزين، باعتبارهما عاملين رئيسيين من أجل حماية "اللاجئين"، غير أن الجزائر، الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بوضعية اللاجئين لسنة 1969، لم تحترم قط التزاماتها في هذا المجال، موضحا أن الجزائر امتنعت دوما عن تطبيق مبدأ العودة الحرة التي تعد مكونا أساسيا للميثاق الأممي.
أما عمرالحضرمي، الوالي بالإدارة المركزية بوزارة الداخلية، وأحد مؤسسي "البوليساريو"، فأكد أنه في الوقت الذي يبذل فيه المغرب مساعي حثيثة لتسهيل سير المفاوضات حول الصحراء، والجلوس حول طاولة واحدة مع "البوليساريو"، الذي لا يمثل سكان الصحراء، لبحث مقترح الحكم الذاتي، لا تتوانى الأطراف الأخرى، خاصة الجزائر، في رفض هذا المقترح، وخلق عراقيل وتوترات، مما جعل المجموعة الدولية تتساءل عن الأهداف الحقيقية لهذه الأطراف.
وبعد أن أشار إلى أن الجميع يعلم بأن "البوليساريو" لا يملك استقلالية القرار، أبرز أن المجموعة الدولية بدأت تتجه نحو الجزائر التي تمول وتدعم دبلوماسيا الانفصاليين، للانخراط في هذا المسلسل.