تحولت إقامة غرينثري الهادئة وسط الخضرة، في مانهاست، منذ مساء أول أمس الأحد، إلى قلعة محروسة، تضم وفود المفاوضات حول الصحراء، من المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا.
فبعد ليلة قصيرة، رتب خلالها كل طرف أموره، وعقب الاتصالات الأولية لكل طرف مع الأطراف الأخرى، في ظل إجراءات تنظيمية صارمة فرضها بيتر فان والسوم، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، من أجل ترطيب الأجواء، عاد أعضاء الوفود إلى التخندق في الداخل، إلى غاية مساء أمس الاثنين، وقد يستمر الأمر كذلك حتى يومه الثلاثاء، وهو اليوم الذي ينتظر أن يلتقي فيه الوفد المغربي، برئاسة وزير الداخلية، شكيب بنموسى، مع الصحافة الوطنية، المرابطة أمام مقر المفاوضات منذ البداية.
وعلى غرار الجولات السابقة، ينتظر أن تعرف هذه الجولة الرابعة من مفاوضات مانهاست مسارا ماراطونيا، خاصة في ظل أجواء الحذر السائدة لدى كل الأطراف.
وعلى عادته في هذه اللقاءات، أو الاتصالات، كما يطلق عليها، لأن الأمر لا يتعلق، حتى الآن، بمفاوضات، بقي البوليساريو مخلصا للعبته المفضلة، أي النقض والرفض الجذري، وبذلك لم يكن من السهل أن يتسرب شيء بخصوص تطور محتمل في موقفه.
في هذه الأجواء، ظل الانطباع السائد هنا، إلى حدود مساء الأحد، هو الغموض في المعادلة، إذ تنوي البوليساريو والجزائر زرع الغموض وتحميل المسؤولية للمغرب.
فبينما يسعى الوفد المغربي جاهدا من أجل التقدم، مسلحا بوثائق العمل، من أجل الدخول في صلب الموضوع، والتقدم أكثر في مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي، ظهرت نوايا الطرف الآخر في اتجاه تحويل مجرى الأمور، من خلال المناورة واللف والدوران، وهي الطريقة المعروفة في هدر الوقت، ثم، بعد ذلك، مغادرة مكان اللقاء على إيقاع إطلاق تصريحات مغلوطة في صيغة اتهام ضد المغرب.
والحال أن أعضاء وفد البوليساريو يعطون صورة مغايرة تماما عن المفاوضات، عندما يعودون إلى تندوف، فهناك يقولون لقواعدهم إن "المفاوضات شاقة، إلا أن الحل النهائي يبدو قريبا". ويتعلق الأمر هنا بمحاولة للحفاظ على معنويات القواعد، حتى لا تنفرط كلية، ولذلك لا يترددون في إغراقها بالكذب.
على المستوى الخارجي، يتعلق الأمر بحملة إعلامية عدائية مدبرة ضد المغرب، أما داخليا فهي موجهة لامتصاص غضب المحتجزين وضمان تماسك الجبهة، باستخدام مختلف أساليب الكذب، للحيلولة دون استمرار هروب مزيد من الصحراويين من المخيمات. وهذه لعبة معروفة، ويمكن أن نسأل عن خباياها أعضاء الوفد المغربي والمرافقين له.
الآن نوجد في مفترق الطرق، وأمامنا تساؤلات مهمة، تتعلق بازدواجية الخطاب لدى الطرف الآخر، ففي الوقت الذي نجد المغرب قدم مقترحا عمليا وواضحا، نجد البوليساريو منهمكا في نسف كل المبادرات. إذ أن تكرار اللقاءات التي يأتون إليها، ونحن الآن في الجولة الرابعة، ليس إلا من أجل الإيحاء للرأي العام الدولي، وللصحراويين، بأنهم في الوضع الجيد، بينما عمليات نسف المبادرة المغربية جارية من تحت الطاولة.
انخرط المغرب بجدية وبحسن نية في إطار المقترح الذي تقدم به، وجعل منه قاعدة قرارين صادرين عن مجلس الأمن، 1754 و1786، لبدء مفاوضات جادة ومباشرة مع جبهة البوليساريو، تفضي إلى حل سلمي دائم ومقبول من جميع الأطراف، وهو مقترح الحكم الذاتي، الذي من المفروض أن يكون محور النقاش، وليس أي مقترح آخر. فيما يسعى الخبراء الجزائريون إلى إطلاق ادعاءات بئيسة، مفادها أن مفاوضات البوليساريو لن تؤدي إلى أي نتيجة. وكما أكد ذلك رئيس المجلس الملكي للشؤون الصحراوية، خليهنا ولد الرشيد، أول أمس الأحد، فإن المغرب هو مصدر الدينامية الحالية التي يعرفها ملف الصحراء، وهو الذي تقدم بالمبادرة، التي تستجيب لتطلعات الصحراويين، ولانتظارات المنتظم الدولي ومجلس الأمن.
إن حل مشكل الصحراء، وبالإجماع، لا يرتبط إلا بكلمة واحدة: الحكم الذاتي، لا غير، وهذا ما لم يتأخر شكيب بنموسى في تجديد التأكيد عليه، حتى ولو كان على حساب غضب البوليساريو. بيد أن الاضطراب أصاب الطرف الآخر، إذ بدأت قيادة الانفصاليين العسكرية وزعماؤها تتزعزع. فقد أبهرتهم قراءة مخطط الحكم الذاتي، الذي تضمن كل ما يطمح الصحراويون إليه، من حقوق وحريات، ومؤسسات، وتنظيم إداري، واقتصاد، وتجارة، وكل ما يتعلق بتنظيم الحكم الذاتي في تفاعل، ولم يترك شيئا للصدفة.
لكن يبقى أن سوء النية، التي تمليها بعض الاعتبارات وتتجاوز البوليساريو نفسه، لا يمكن أن تتماشى أو تتلاءم مع جدية وصدق المغرب، أو حتى مع إرادة المجتمع الدولي في أن يرى المشكل قد حل إلى الأبد.
ولم يجد الجزائريون ولا البوليساريو أفضل من أن يضعوا في مواجهة مخطط الحكم الذاتي معادلة ثلاثية لا أول لها ولا آخر، أي الاختيار بين الاستقلال، والحكم الذاتي، أو الادماج. ويزيدون من حدة التعقيد والتضييق حين يثيرون تقرير المصير، كخيار لا محيد عنه، في نظرهم، وكأن الحكم الذاتي ليس فعلا نوعا من تقرير المصير، بل هو تجسيد حقيقي له.
وها نحن أمام فكر كان ميز سنة 1975، ما جعل خليهنا ولد الرشيد يصرح بأن "المغرب بذل المجهود الضروري لتقليص الهوة بين الأطراف، في حين أن البوليساريو والجزائر بقيا في نقطة الانطلاقة لعام 1975". وهذا ما يفسر أمل الحكومة الجزائرية في إطلاق ما تسميه "المخطط الثالث لبيكر"، وهو المخطط الذي أقبر قبل ولادته، في سنة 2003.
إن المفاوضات، التي انطلقت أمس الاثنين بمانهاست، بحضور بيتير فان فالسوم، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في الصحراء، بلغت مرحلة من التباعد وأيضا مرحلة اللاعودة، في الوقت نفسه. فالأطراف ملزمة أمام المجتمع الدولي بإنجاح رهان الحوار المباشر. والمغرب، يفصح عن نيته وجديته، مدعوما بمشروع بناء يحظى بمساندة القوى الكبرى من أعضاء مجلس الأمن، ودول أخرى، وهو اليوم أمام جولة صعبة، بإقرار الأعضاء المرافقين للوفد المغربي. وهذا أقل ما يمكن قوله.