منذ طرحه مبادرة الحكم الذاتي، استطاع المغرب أن يجلب مزيدا من التأييد الدولي لمشروعه بإقامة حكم ذاتي في الصحراء.
مع اقتراب عقد الجولة السابقة من المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو، عمدت جماعة محمد عبد العزيز إلى تكثيف تحركاتها على عدة أصعدة, كان أبرزها قرار الجبهة بعقد مؤتمرها الثاني عشر في منطقة تيفارتي التي تعتبر منطقة عازلة بموجب قرار وقف إطلاق النار عام 1991، وهي منطقة تابعة للتراب المغربي. وحسب مراقبين سياسيين وفاعلين صحراويين استقت "المغربية" آراءهم ومواقفهم على خلفية الأزمة التي حاولت البوليساريو افتعالها، فإن الجبهة تمر بمرحلة يأس حقيقي، لم يسبق لها أن عرفته.
وبالتالي فهي تحاول إثارة انتباه الرأي العام الإقليمي والدولي بعد النكسة التي منيت بها وحليفتها الجزائر بسبب التأييد الدولي الواسع لمشروع المغرب بإقامة حكم ذاتي في الصحراء المغربية. وهو المشروع الذي صدر بشأنه قراران عن مجلس الأمن 1754 و1783.
كما أن الدعوة التي أطلقتها الجبهة في بيانها الختامي بتجديد القتال والعودة إلى العمل المسلح، لم تكن سوى رفسة بغل يحتضر. لأن الدخول في حرب جديدة، كما قال خليهن ولد الرشيد رئيس, المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، مجرد فرقعة للاستهلاك الإعلامي. وأضاف أنها "تعلم أنه ليس لها القدرة على فعل ذلك".
من جهتها وجهت اللجنة الخاصة المكلفة بالصحراء المغربية، رسالة مفتوحة إلى وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، إثر انعقاد مؤتمر انفصاليي "البوليساريو" بتيفاريتي، "الذي يشكل تحديا لمجلس الأمن الذي كان دعا في الفقرة الثانية من قراره 1783 في أكتوبر2007، إلى مبشارة المفاوضات بين المغرب والبوليساريو تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة، مع الالتزام بتوفير أجواء الثقة المتبادلة.
ومن جهته أكد خط الشهيد، وهو فصيل منشق عن (البوليساريو)، أن القيادة الحالية لـ(البوليساريو) "غير شرعية"، و"لا يحق لها التفاوض" مع المغرب باسم الصحراويين. وهو ما اعتبره المراقبون طعنا إضافيا في شرعية الجبهة.
كما كشف عدد من شيوخ القبائل وفاعلون جمعويون ومنتخبون في إقليم السمارة, عن الحالة المتدهورة التي آل إليها الانفصاليون. وأن التهديدات الأخيرة التي لوح بها "البوليساريو"ضد المغرب ليست سوى بوقا دعائيا واستفزازا كلاميا، ينم عن تخبط جماعة عبد العزيز في مأزق سياسي لم يسبق له نظير.
يجمع المراقبون الدوليون والإقليميون المهتمون بقضية الصحراء، على أن أهم حدث عرفه ملف "الصحراء المغربية"، خلال الثلاثة عقود الماضية، منذ عام 1975، تاريخ استعادة الأقاليم الجنوبية، هو صدور القرار 1754، عن مجلس الأمن بتاريخ 30 أبريل 2007، ينص على دعم المبادرة المغربية بإقامة حكم ذاتي في الصحراء، واعتبار هذا القرار فرصة لإنهاء الأزمة المفتعلة التي دامت أزيد من ثلاثة عقود. كما صدر قرار آخر بأغلبية الأصوات عن اللجنة الرابعة التابعة لأمم المتحدة في أكتوبر الماضي يدعو إلى تبني قرار مجلس الأمن, وهي المرة الأولى التي تمنى فيها الجزائر بهزيمة داخل هذه اللجنة التي اعتبرت في السنوات السابقة ميدانا رحبا للدبلوماسية الجزائرية. ولم تمض أيام قليلة حتى صدر القرار الثاني عن مجلس الأمن يحمل رقم 1783 يدعو إلى تطبيق القرار السالف الذكر واستئناف المفاوضات بين طرفي النزاع. وهو القرار الذي صوت عليه أعضاء مجلس الأمن بإجماع بعد أن عارضته جنوب إفريقيا وعادت لتصوت عليه. وهو القرار الذي اعتبره المغرب أمرا يعزز المسار التفاوضي الذي يهدف إلى إيجاد حل سياسي متفاوض في شأنه لملف الصحراء الذي عمر طويلا.
كما شكلت سنة 2007 بالنسبة للمغرب محطة سجل خلالها اكتساحا دبلوماسيا لفائدة قضيته، حاصدا بذلك مزيدا من المواقف الإقليمية والدولية، إذ حصد تأييدا أوروبيا لم يسبق له نظير، أثنى على المبادرة المغربية واعتبرها فرصة لإنهاء نزاع الصحراء الذي طال أمده، وعبرت 27 دولة من أوربا عن موقفها المؤيد للمبادرة مجددة دعمها. كما وقع121 نائبا بمجلس العموم البريطاني، العام الماضي، ملتمسا لدعم المبادرة المغربية. وسلكت دول في أميركا اللاتينية وفي إفريقيا بالإضافة إلى البلدان العربية الاتجاه نفسه، وساندت المقترح المغربي قبل وبعد صدور قراري مجلس الأمن.
ثم جاء دور الولايات المتحدة الأميركية، التي قدم العديد من مسؤوليها ونحو 180 عضوا في مجلس الشيوخ الأميركي دعما لا لبس فيه لهذا المقترح، واعتبروه "جديا"، و"ذا مصداقية"، و"واقعيا"، و"قابلا للتحقق"، ويفتح طريقا واعدا لحل هذا النزاع، الذي طال أكثر من اللازم.
هذه القرارات والمواقف تعتبر أيضا دعما لمسلسل المفاوضات التي انطلقت بين المغرب وجبهة البولسياريو في شهري يونيو وغشت من السنة الماضية بمنهاست بالولايات المتحدة الأميركية، في أفق التوصل إلى حل ضمن المقترح المغربي الذي يوصف بإجماع القوى الدولية على أنه مقترح يتسم بالجدية والمصداقية ويرمي إلى حل هذا النزاع بشكل نهائي.
وعلى هذا الأساس كان الأمين العام للأمم المتحدة, بان كي مون, أنجز تقريره المؤرخ في 13 أبريل من السنة الماضية يصف فيه أيضا المساعي المغربية بالجدية وذات المصداقية والرامية إلى المضي قدما بالعملية صوب التسوية.
وللإشارة فإن مجلس الأمن في إطار قرار 1783 طلب من الأمين العام للأمم المتحدة أن يرفع إليه "بحلول31 يناير 2008 تقريرا عن مدى تقدم هذه المفاوضات التي تجري تحت رعايته، ويعرب عن عزمه عقد اجتماع لاستلام هذا التقرير ومناقشته". كما قرر تمديد ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 30 أبريل 2008.
مقابل التقدم الذي أحرزه المغرب في قضية صحرائه خلال هذه السنة، بدت الجزائر أكثر انطوائية وعدوانية. ففي الوقت الذي كان مجلس الأمن يتدارس فيه الوضع مباشرة بعد إصداره القرار 1754، كانت الجزائر تنسج خطة تضليل إعلامي قوية، للتأثير على الرأي العام الدولي، وربما أيضا التأثير على ما كان يجري من نقاشات داخل المجلس.
وإلى حدود صدور القرار كانت الآلة الإعلامية والدبلوماسية الجزائرية ما تزالان تروجان لأخبار كاذبة عن نجاح البوليساريو وأصدقائها في إقناع أعضاء مجلس الأمن بعدم صلاحية المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء المغربية، حتى لا تجري الإشارة إليها بإيجابية، أو بشكل يجعلها ذات أسبقية على مقترح البوليساريو الذي ولد في الوقت الميت مفاجئا العالم بمولده لا بمضامينه.
وتعكس مختلف التصريحات والمناورات الجزائرية منذ صدور القرار وإلى الآن، وقوع كل من جبهة البوليساريو والجزائر في ارتباك كبير، لأن ميزان القوى مال في الاتجاه الذي لا ترغبان فيه، خاصة مع دفاع قوي عن المبادرة المغربية من قبل فرنسا والولايات المتحدة، وإسبانيا التي حاولت الجزائر الضغط عليها برفع سعر الغاز بنسبة 10 في المائة أخيرا، حتى أن وزير الخارجية الإسبانية, قال في أحد تصريحاته "إننا لسنا ملزمون بدعم البوليساريو ضد المغرب".
من جهة أخرى تميزت الجولة الأولى من المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو بعزل الجزائر تدريجيا عن التأثير في مجريات الأحداث. وهي خطة رصينة تنبه إليها مجلس الأمن وإن لم يكن أشار إليها في القرارين 1754 أو 1783. إلا أنه ألح على أن تجري المفاوضات بين الطرفين تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة. لكن ليس من السهولة بمكان توقع خفض الضغط الجزائري على جبهة البوليساريو. إذ تظهر التصريحات الجزائرية التي سبقت عقد الجولة الثانية من المفاوضات، مدى صعوبة التوصل إلى نتائج إيجابية مرجوة من المجموعة الدولية. فالجزائر تعطي تأويلات لقرار مجلس الأمن وتحاول تفسيره من منطلق رغبتها في أن تؤدي المفاوضات إلى الاستفتاء ثم إلى الانفصال. وهذا مجرد افتراء وحلم يرتبط بمشاريع سبق أن أثبتت فشلها. وهذه التصريحات تتناقض وروح نص قرار 1754 الذي رفض أي شروط مسبقة للمفاوضات.
ومن جهته اعتبر المغرب التصريحات الجزائرية بمثابة بوصلة يحاول من خلالها المسؤولون الجزائريون توجيه المفاوضات حسب أهوائهم. وهي إشارات تعتبر غير مشجعة، وتوجه مصير المفاوضات نحو طريق مسدود.
وهو المشروع ذاته الذي تبنى على إثره مجلس الأمن دعوة المغرب وجبهة البوليساريو، إلى إجراء مفاوضات مباشرة، تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، في قرار تحت رقم 1754، وعاد المجلس للتأكيد عليه في قرار ثان تحت رقم 1783.
المغرب يحظى بدعم دولي متزايد لمشروع الحكم الذاتي
وبرأي المراقبين استطاع المغرب أن يجر جبهة البوليساريو إلى طاولة المفاوضات في إطار مبادرة الحكم الذاتي، التي تقدم بها، وليس في إطار مخطط الاستفتاء، الذي ما تزال البوليساريو تتمسك به، مصرة على إقصاء آلاف الصحراويين من خارطة المشاركة في ذلك الاستفتاء.
وردا على أزمة تيفارتي، التي خلقتها جبهة البوليساريو، أثارت الخارجية المغربية القضية بشكل رسمي داخل الأمم المتحدة، ووضع المندوب المغربي الدائم في الهيئة الأممية، مصطفى الساهل، مذكرة احتجاج ضد تصرف الجبهة، خصوصا أن المنطقة التي اقتحمتها البوليساريو، توجد ضمن الحدود المغربية، وأنها تقع تحت مسؤولية الأمم المتحدة، بسبب طلب هذه الأخيرة توفير منطقة عازلة لتثبيت وقف إطلاق النار بين الجانبين منذ عام 1991. ولفت المغرب انتباه المنتظم الدولي إلى أن الهجوم على تيفارتي يهدد أجواء الثقة التي نص عليها قرار مجلس الأمن 1783، الذي دعا الأطراف المباشرة وغير المباشرة إلى التحلي بحسن النية والتزام التعقل، وتجنب كل الاستفزازات التي تعرقل المفاوضات.