رئيس المجلس الأعلى للجالية المغربية المقيمة بالخارج في منتدى 90 دقيقة للإقناع

إدريس اليزمي: الهجرة مخترقة بالإرهاب والتهريب

الإثنين 10 مارس 2008 - 22:23

يشكل المهاجرون المغاربة في الخارج نسبة 10 في المائة من سكان المغرب، ويساهمون بـنسبة 37 في المائة من ادخار البنوك المغربية، ويتوزعون على بلدان العالم، وعددهم ارتفع من 1 مليون و200 ألف سنة 1994.

إلى 3 ملايين و400 ألف مهاجر ومهاجرة سنة 2007، دون احتساب الأطفال، الذين تقل أعمارهم عن 16 سنة.

بهذه الأرقام، عبر إدريس اليزمي، رئيس المجلس الأعلى للجالية المغربية المقيمة بالخارج، عن مكانة وحجم المهاجرين المغاربة، الذين يقيمون في الدول الأجنبية. وأشار اليزمي، الذي حل ضيفا على منتدى مجموعة ماروك سوار "90 دقيق للإقناع"، مساء الثلاثاء المنصرم، إلى أن 50 في المائة من المهاجرين المغاربة نساء، وأنهم ينتشرون جميعا في رقعة واسعة عبر العالم، ويشكلون امتدادا لطاقات وكفاءات تبقى على اتصال دائم بوطنها الأم.

وقال اليزمي إن التنظيمات الإرهابية وشبكات تهريب المخدرات والسلاح والبشر دخلت على خط الهجرة، واستغلت حركة المهاجرين السريين والشرعيين على حد سواء، وحدث تورط مغاربة في مثل هذه الأعمال، مبرزا أن نقاشات فتحت بشأن هذا الموضوع في فرنسا وإسبانيا، من أجل وضع إجراءات تقنن الهجرة الشرعية، وتقيد حركة المهاجرين. وزاد اليزمي قوله، في هذا الصدد، إن هناك لقاءات تعقد بين عدة جهات في بلدان الإقامة والبلدان المصدرة للهجرة، مثل اللقاء الذي عقد الأسبوع الماضي، تحت إشراف وزير التشغيل، جمال أغماني، والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل، بتعاون مع برنامج أوروبي، وهناك في المستقبل لقاءات مشابهة على مستوى وزارة الخارجية بالتنسيق مع جهات إفريقية وأوروبية، تتعلق تحديدا بالهجرة والمشاكل التي تنجم عنها.

وأبرز اليزمي أن المغرب كان يتوفر على سياسة تجاه جاليته أيام جلالة المغفور له الحسن الثاني، لكنها سياسة كانت ضد اندماج المغاربة في المجتمعات الأجنبية، وأضاف أن الوقت الراهن يفرض على المغرب أن يستفيد من اندماج جاليته في المهجر، مع دعمها ثقافيا ودينيا لإشباع ميولها وتشبثها بوطنها الأصلي. وكشف اليزمي أن الدعم الذي قدمته الحكومة للتأطير الديني في الخارج بلغ 120 مليون درهم. وهي المرة الأولى التي يجري فيها الاعتناء بإشكالية التأطير الديني للجاليات الإسلامية.

كما تطرق اليزمي إلى عدة مواضيع ترتبط بالمجلس وتشكيلته ودوره والتحديات التي تواجه الجالية المغربية في الخارج، وطرق الاستفادة من عائداتها وكفاءاتها واستثمارها في مسيرة التنمية داخل المغرب.

شبكات الإرهاب وتهريب المخدرات والسلاح والبشر دخلت على خط الهجرة

*** نرحب بكم في منتدى "90 دقيقة للإقناع"، ونبدأ نقاشنا بالحديث عن مسيرتكم في درب حقوق الإنسان، ماذا تقولون بهذا الشأن؟

- مسيرتي في هذا الإطار تشبه مسيرة أي شاب مغربي انخرط في النضال الديمقراطي بعد حصول المغرب على الاستقلال. حصلت على الباكالوريا عام 1970، أنتمي إلى عائلة متواضعة، ذهبت إلى فرنسا لمتابعة دراستي، وعدت إلى المغرب عام 1975، ثم عدت إلى فرنسا، ومكث هناك حتى عام 1995، ثم عدت إلى المغرب من جديد. مارست العمل الصحافي في فرنسا، ثم أسست هيئة لتوثيق ودراسة أوضاع المهاجرين، وقمنا بإنجاز عدة تقارير، منها تقرير لفائدة ليونيل جوسبان، ونظمنا عدة لقاءات ومعارض خاصة بالهجرة والمهاجرين، خاصة في ما يتعلق بتاريخ المغاربيين في فرنسا.
على مستوى النضال الحقوقي، أشغل حاليا منصب كاتب عام الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، وأترأس المؤسسة الأورومتوسطية للدفاع عن حقوق الإنسان، كما أتولى بعض المسؤوليات في مجال حقوق الإنسان في هيئات فرنسية وأوروبية.


*** أصدرتم مجموعة من الكتب، ما هو أهمها في نظركم؟

- يسرني أنني كنت خلف عمل مهم يتمثل في أربعة أجزاء من 4 آلاف صفحة، سيكون أول عمل على الصعيد الدولي يتضمن تاريخ الجاليات الأجنبية في فرنسا منذ سنة 1862، ساهم في إعداده مجموعة من الباحثين الشباب. ولدي أيضا في عام 1989 كتاب حول حقوق الإنسان، وقبل عامين أصدرت كذلك كتابا تحت عنوان "الرهان العربي"، وأنا الآن بصدد إعداد دراسة حول تاريخ المغاربيين في فرنسا.

*** أنتم من الذين يقولون إن قراءة التاريخ تنير الحاضر، ألا ترون أن الماضي يتضمن بعض الأمور المقلقة، التي لا تساعد على التعامل الإيجابي في المستقبل؟

- دخلنا اليوم في مرحلة الانتماء المتعدد، والأمر لا يتعلق فقط بالمغاربة، هناك عدة جنسيات من القارات الخمس، وفي اعتقادي أن أهم وسيلة لمواجهة التحديات هي تحديد سبل الاندماج، عندما نتحدث عن الجاليات المغربية يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن المغاربة يتطبعون بسهولة، فنحن أول الجاليات التي تتأقلم بسهولة في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وكافة بلدان المهجر، وتحصل على جنسيات هذه الدول. وأخص بالذكر المرأة المغربية أكثر من الرجل المغربي. ولا بد من الإشارة إلى أنه، رغم سرعة الاندماج لدى المغربيات والمغاربة، فإنهم يحافظون على ارتباطهم بوطنهم الأصلي، وهذا الأمر أصبح يطرح تحديا على مستوى بلدان الاستقبال، إذ أضحت المشكلة تتعلق بمدى تحديد هوية هذا المواطن، هل هو مغربي أم بلجيكي، مغربي أم فرنسي، مغربي أم هولندي، وهذه إشكالية أساسية.

*** كم هو عدد الجالية المغربية المقيمة حاليا في المهجر؟

- لقد تطور عدد المغاربة المقيمين في الخارج في ظرف وجيز، ففي 1993 – 1994 كان عددهم يبلغ 1 مليون و200 ألف مغربي ومغربية في الخارج، أما اليوم، فقد وصل العدد إلى 3 ملايين و400 ألف مهاجر ومهاجرة. وهذا الرقم لا يتضمن الأطفال، الذين تقل أعمارهم عن 16 سنة، إننا إذن بصدد توسع ديموغرافي جد مهم للجالية المغربية في المهجر، خلال فترة قصيرة لا تتجاوز 16 سنة، وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوسع مهم بالنسبة للمغرب على ثلاثة مستويات، الأول أن 50 في المائة نساء، والثاني أنه انتشار على رقعة واسعة عبر العالم، وثالثا أنه امتداد لطاقات وكفاءات تبقى على اتصال بوطنها الأم، فنحن نتكلم دائما عن العقول المهاجرة، ولا نتحدث عن العقول المغربية، التي تكونت في المهجر والتحقت بالمغرب.
إنه انتشار ديموغرافي مهم، ليس لدي دراسة مدققة بشأن هذا الموضوع، ولكن ما أود الإشارة إليه هو أن لدينا حظا في المغرب بالمقارنة مع دول جنوب الضفة المتوسطية، وكذا بلدان جنوب الصحراء، ويتمثل في خاصيتنا المغربية، فلدينا قدرة هائلة على البحث في مجال الكفاءات البشرية في ميدان الهجرة، ولدينا اليوم فرق بحث في جامعات كل من الرباط وطنجة ومراكش ووجدة ومكناس، وإنني بصدد الالتقاء بهذه الفرق الواحدة بعد الأخرى، ونحن بحاجة إلى تعزيز نطاق البحث في هذا المجال، ولا يمكن أن نتجاوب مع حاجيات وتطورات الفئات المهاجرة دون أن تتوفر لدينا كافة المعطيات، ومن أجل تكوين فرق بحث جيدة، أرى أنه لابد أولا من التوفر على عمل توثيقي جاد، ولابد كذلك من تمويل لإنجاح عمليات البحث والدراسة، ويلزم كذلك الاطلاع المستمر على نتائج وجهود البحث التي تبذل على المستوى الدولي في هذا المجال، إذ هناك إمكانات معرفية كبيرة لدى جهات دولية تجمعت لها بفضل سنوات من البحث والدراسة، وعلينا استغلالها بشكل جيد، ولابد من الإشارة إلى أن إحدى مهام المجلس هي كيفية تدبير الوسائل المالية للمجلس ووضعها رهن إشارة فرق البحث. نحن الآن بصدد التحضير لتوقيع اتفاق شراكة بين المجلس الأعلى للجالية المغربية المقيمة بالخارج وفرق البحث في الدارالبيضاء والرباط وأكادير ومكناس، وأسعى جاهدا لأجعل هذه الاتفاقية أحد طموحات المجلس.

*** يحفل تاريخ الجالية المغربية المقيمة بالخارج بعدة أسماء، كنا في البداية نسميهم "عمالنا المقيمون بالخارج"، ثم اصطلح عليهم في ما بعد "المغاربة المهاجرون بالخارج"، والآن يحملون صفة "الجالية". في الوقت الذي دأب المغرب على إطلاق المصطلحات، كانت الدول الأوروبية تتوفر على سياسات واضحة للتعامل مع المهاجرين. هل تجاوزنا مرحلة التسميات، وأصبحنا نتوفر على سياسة للتعامل مع هذه الجالية، والارتقاء بها إلى مستوى لوبيات تجسد مصالح وطنها الأم، أم مازلنا في طور إطلاق الأسماء والمصطلحات؟

- في البداية لابد من طرح سؤال حول ما إذا كان هدفنا هو خلق لوبيات، وبخصوص المصطلحات، التي نستعملها بشأن هذه الجاليات، نحن نعتبرها داخل المجلس، بمثابة جسر للتعاون مع دول الإقامة، لأنها، في نهاية المآل، جزء من هذه الدول بسبب التجنس، فالأمر لم يعد يتعلق فقط بكونهم مواطنين مغاربة مقيمين في الخارج، بل هم أيضا مواطنون بلجيكيون وفرنسيون وهولنديون. إذن التفكير الاستراتيجي للمغرب يجب أن ينصب في هذا الاتجاه، لكي تصبح هذه الجاليات جسرا للتعاون والتفاهم مع دول الإقامة، وفي اعتقادي أنه ليس من مصلحة المغرب إعاقة اندماج هذه الجاليات في المجتمعات الأوروبية، كما ليس من مصلحته بتر العلاقات القائمة معها على أساس الانتماء والهوية. وكل ما يجب أن نقوم به هو دعم مسلسل اندماج هذه الجاليات، والحفاظ في الوقت نفسه على تقوية الصلات الوطنية بها.

وإجابة عن سؤالكم، هل كانت للمغرب سياسات خلال الثلاثين سنة الماضية؟ شخصيا أعتبر أن المغرب كانت له سياسة، وخلال فترة الراحل الحسن الثاني، كان المغرب يصر على أن أفراد جاليته المقيمة في الخارج، هم مغاربة، ولا يجب أن يندمجوا في مجتمعات دول الإقامة. وأذكر أنه خلال الانتخابات البلدية في هولندا التي أعطت للأجانب الحق للمشاركة في هذا الاستحقاق، كان الحسن الثاني رحمه الله ألقى خطابا رسميا قال فيه لا يجب أن تكون هناك مشاركة للمغاربة في هذه الانتخابات، وقال إنه يجب أن تكون لنا آليات مغربية للمشاركة السياسية، وهي الآليات التي تأسست نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات. وظهرت وزارة للجالية، ثم مؤسسة الحسن الثاني للجالية المغربية المقيمة في الخارج المكلفة بالتواصل الثقافي والاجتماعي، وبنك العمل، الذي كان الهدف منه أن يصبح البنك الثاني في المغرب بفضل تحويلات الجالية المغربية.

إذن هذه المؤسسات مازالت نفسها تعمل إلى حد الآن، في بعض المراحل لم تكن هناك وزارة، ولكن كانت لجنة وزارية، خلال فترة الوزير الأول الأسبق، عبد الرحمن اليوسفي، كانت تجتمع مرة كل شهرين تحت رئاسته.

الآن حان الوقت لتقييم هذه السياسة، وأعتقد أن عملية التقييم بدأت فعلا، ولكن نحن بحاجة إلى دراسة معمقة تمكننا من معرفة الأمور التي نجحنا فيها، والأمور التي فشلنا فيها. بالنسبة للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، يعتبر أن خلق مجلس أعلى للجالية المغربية المقيمة بالخارج، يجب أن يواكب مسألتين مهمتين على الأقل، أولاهما إعادة التفكير في المشهد المؤسساتي القائم. وفي هذا الإطار، يجب أن أشير إلى أن تعيين محمد عامر، وزيرا منتدبا لدى الوزير الأول هو في حد ذاته خطوة إيجابية أولى في اتجاه تغيير المشهد المؤسساتي، لأن قضية الجالية مسألة أفقية، وتهم كل القطاعات، وبالتالي تقتضي التنسيق على مستوى الوزير الأول، لقد تقدمنا نسبيا.

وثانيتهما وضع سياسات عمومية تهتم بوضعية الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وهنا أشير إلى أنه للمرة الأولى، في ميزانية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، يجري تخصيص غلاف مالي لفائدة الجالية، قدره 120 مليون درهم. وهي المرة الأولى التي يجري فيها الاعتناء بإشكالية التأطير الديني للجاليات الإسلامية، التي أصبحت تطرح بحدة في دول الإقامة.


*** هناك ردود أفعال تتهمكم بتحقير أفراد الجالية المغربية المقيمة بإيطاليا، مقارنة مع نظيرتها في فرنسا، وتقول إنكم خصصتم لها نسبة كبيرة من المقاعد داخل المجلس، ما هو تعقيبكم على هذه الردود؟


- هذا كلام غير صحيح، وكما سبقت الإشارة، أن عدد أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج يقدر بنحو 3 ملايين و400 ألف مهاجر ومهاجرة، فإن 50 مقعدا للمغاربة المقيمين في فرنسا، وهي أكبر جالية مغربية في الخارج، لا يمثل سوى مقعد واحد لنحو 65 ألف شخص، إذن هناك عدة بلدان لا يوجد فيها 65 ألف مهاجر مغربي، إضافة إلى ذلك، وهذا ليس سرا، فإن جلالة الملك طلب إجراء بعض التصحيحات، ويلاحظ أن هناك دولا تستحق تمثيلية أكثر، ولكن لا يتعلق الأمر بإيطاليا، وهناك 13 مقعدا إضافيا في الأفق.

*** لا شك أنكم واعون بعدد من المشاكل التي رافقت ميلاد المجلس، ما هي الهياكل والآليات التي ستعتمدونها لتجاوز معيقات النشأة؟

- ليس هذه المرة الأولى التي يجري فيها تأسيس هيئة عليا موازية لمؤسسات الدولة، التي تهتم بشؤون الجالية، لقد سبقتنا دول عدة، مثل ألمانيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، وانطلاقا من تجارب هذه الدول، مررنا بعدد من الصيغ التي تعاملنا معها. ومقارنة بهذه الدول، أجزم بأنه لا يوجد بلد قام بالمجهودات نفسها التي قام بها المغرب، ودون مبالغة نحن في المقدمة، لقد حضر أزيد من 850 مهاجرا ومهاجرة مغاربة من مختلف بلدان العالم، إلى الرباط، وجرت زيارة 20 بلدا، واستجواب أزيد من 2400 شخص عبر الإنترنت، ولا وجود لدولة بين هذه الدول فتحت نقاشا موسعا وصريحا مع جاليتها كما فعل المغرب.
تعتبر الانتخابات أفضل وسيلة من أجل تشكيلة ديمقراطية، وهنا لابد من الإشارة إلى ضرورة تحديد أشكال التصويت، وطريقة الاقتراع، وخريطة الانتخابات، وهناك أربع صيغ، أولا التعيين، ثانيا الانتخاب عبر النسيج الجمعوي، وهنا لابد من وضع معايير لتحديد هذه الجمعيات، وثالثا التعيين والانتخاب عبر النسيج الجمعوي، رابعا التعيين والانتخاب المباشر.

يبقى الأمر مفتوحا على خيارات ندرسها ونتباحث في شأنها، ونحن مستعدون لمناقشة كل الاقتراحات في إطار نقاش مفتوح، ولحد الآن لم أتلق اقتراحات كثيرة، وأضيف أنه إلى جانب هذه الاقتراحات لابد من إجراء دراسة دقيقة لتحديد الخيار الأكثر نجاعة، آخذين بعين الاعتبار أن عددا من المهاجرين يتوفرون على جنسيات مزدوجة، لابد من طرح هذه الحالة لمعرفة ما إذا كان يجوز أن يتحملوا مسؤوليات مزدوجة.

لا وجود لدولة فتحت نقاشا موسعا وصريحا مع جاليتها كما فعل المغرب

*** تثير مسألة عدم إشراك المغاربة المقيمين بالخارج في الشأن السياسي، الكثير من الأسئلة، هل يتعلق السبب بانعدام آليات لوجيستيكية أم هناك أسباب أخرى؟


- لا يجب أن نطرح المسألة بالسهولة التي تبدو، وأفضل أن أنظر إلى الأمر من الزاوية التالية، هناك تحولات جذرية، طرأت على المغاربة المهاجرين، هناك مغاربة إرلنديون ومغاربة بلجيكيون، بالنسبة للمغربي البلجيكي ماذا يمكن اعتباره، بلجيكيا فلاميا أو بلجيكيا ولونيا، لقد ازداد هناك، ونحن اليوم بصدد الجيل الثالث، وسيبقى هذا المواطن مغربيا، لأن التشريع المغربي يفرض ذلك، ثم علينا أن ننظر إلى أي جهة ينتمي إليها في المغرب؟ هل من طنجة أم من سوس، هل هو ذكر أم أنثى؟ وأي نظام تعليمي تلقى، وأي نوع من الموسيقى يستمع؟

هناك دراسة صدرت قبل ثلاثة أشهر، توضح الأمور التالية، لقد درسنا مسائل كثيرة في العلوم الإنسانية، في السوسيولوجيا والأنتربولوجيا وعلم النفس، تكشف السياسات المتبعة في مجال الهجرة، وبالنظر إلى أن الحكومة المغربية لم يكن بإمكانها حسب السياق التاريخي أن تتبنى سياسات أخرى، إننا لم نتعامل بشكل جيد مع هذه المسألة، لقد أعطى جلالة الملك تعليماته السامية بضرورة فتح نقاش وطني موسع وحقيقي، بخصوص قضية الهجرة، إن الأمر يتعلق بنسبة 10 في المائة من عدد السكان الإجمالي للبلاد، كما أن هناك المزيد من أبنائنا يموتون غرقا في طريقهم إلى أوروبا. وكما في علمكم أن المسألة تتعلق برغبة الإنسان في الانتقال من بلد إلى آخر، كظاهرة عالمية، وهي مسألة قد تتسبب في أزمات دبلوماسية دولية، فعندما أعلن النائب المعارض المتطرف، فيل ديف في هولندا، أنه سيقوم بإنتاج برنامج يحدد فيه مخاطر القرآن، كان لهذا التصريح انعكاسات خطيرة على مستوى الجاليات الإسلامية في هولندا، وعندما نبحث عمن يشكل النسبة الأكبر في هذه الجاليات، نجد أنها من أصول مغربية، وهذا من شأنه أن يخلق أزمة دبلوماسية.

دعني أقول لكم إنه بعد تخطي مرحلة الاندماج بالنسبة لعدد كبير من أبناء المغرب في بلدان الإقامة، فإن همهم الوحيد الآن، هو مساعدتهم على تنمية بلدهم الأصلي، وتقدر العائدات، التي يضخونها في البنوك المغربية بأعلى نسبة، وهي 37 في المائة من مجموع الإيداعات البنكية، وهي مساهمة تحتل المرتبة الأولى على صعيد ميزانية الدولة.
إذن المسألة تتطلب نقاشا وطنيا حقيقيا على عدة مستويات، وليس بالبساطة التي يعتبرها البعض "أنا مادرونيش في المجلس". وعلينا أن نأخذ الإشكاليات التالية بعين الاعتبار، أولا كيف يجب علينا أن ندافع عن مصالح هذه الشريحة من المهاجرين؟ وهنا تطرح مسألة الاستجابة إلى حاجياتهم الثقافية والدينية والاجتماعية.

إنهم يريدون الاستماع إلى الأغاني المغربية، والتعرف على تراث بلادهم. وهناك أيضا اهتمام لدى هذه الجاليات بتنمية الجهات التي تنتمي إليها، هناك المئات من الجمعيات الناشطة في هذا المجال، وسيكون لنا في 5 يوليوز المقبل، لقاء حول هذا الموضوع، للتعرف على سبل دعم هذه الجمعيات من قبل الحكومة المغربية والسلطات الجهوية في كل منطقة. وهناك أيضا مسألة تدبير عائدات المهاجرين، وإمكانية إحداث أنظمة بنكية لتمكين عائلاتهم من الاستفادة منها بشكل ممنهج وبسيط، يسمح لها بالاستفادة من منتوجات بنكية جديدة تتميز بالمرونة والنجاعة.

يجب أن تعلموا أن 40 في المائة من الاستثمارات المباشرة في الصين، مصدرها تحويلات الجالية الصينية، ونحن لدينا 17 في المائة.

هناك دراسة صدرت أخيرا، تتضمن ترتيبا لجاليات بعض الدول على مستوى التحويلات، وعلى المستوى الدولي، تمثل هذه التحويلات ثلاثة أضعاف الدعم العمومي للتنمية، وتقدر بنحو 150 مليار دولار. وهناك تقديرات تشير إلى أن حجم المبلغ نفسه يمر عن طريق التحويلات غير المهيكلة.

*** خلال مرحلة تشكيلة المجلس، هل أخذتم بعين الحيطة احتمال تسرب عناصر مغربية ذات توجهات دينية متطرفة، خاصة أننا نعلم أن نسبة كبيرة من المغاربة المهاجرين تعرضوا للاستقطاب من طرف جماعات وهابية وشيعية وغيرها؟


- بكل صراحة، سوف ننظم لقاءات مع الصحافة الوطنية على هامش اجتماع المجلس الأول، الذي سيعقد خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وسوف تطلعون على تركيبة المجلس عن قرب، وتتعرفون على أولئك الأعضاء، إنهم شخصيات عمومية معروفة في كل البلدان بأفكارها ومساهماتها ومشاريعها داخل المغرب أو في بلدان الإقامة، كما أن الإخوان الذين أشرفوا على الاستشارة، يعرفون جيدا تلك الشخصيات. ولكن المطروح، هو أن مئات آلاف المغاربة الذين هم في أمس الحاجة إلى التأطير الديني بمستوى المتطلبات، خصوصا أن ثمة مناخا في أوروبا يسمح بحرية العقيدة، وهناك أيضا انفتاح على الممارسات الدينية للمسلمين، وهناك أيضا في الوقت نفسه تطور ما يسمى بـ"إسلاموفوبيا". لا يمكن أن ننفي وجود مجهودات من قبل دول الإقامة في بناء مساجد، فمثلا في فرنسا توجد عشرات البلديات من اليمين واليسار تساهم في بناء دور العبادة للمسلمين. بينما في السبعينيات كانت هناك حركات مناهضة لتأسيس الجوامع والمراكز الإسلامية.

الآن هناك حاجة ماسة للتأطير الديني، خاصة في ضوء التطلعات الجديدة للشباب المغربي المهاجر، الذي لا يتوقف عن طرح أسئلة تلو الأخرى بشأن الهوية، وفي اعتقادي أنه لابد من توفير الأجوبة الصحيحة لها.

*** البعض عاب عليكم، أثناء تشكيل المجلس، تحيزكم لليساريين والاشتراكيين، فيما أهملتم الأطراف الأخرى، ما هو ردكم على هذا الاتهام؟

- خارج هذا الاستجواب نأخذ الأسماء، واحدا بعد آخر، وننظر في ما إذا كان هناك أصدقاء يساريون كما تدعون. وللإشارة فإن المجلس سيستقبل 13 آخرين.

*** نريد أن نعرف دور المجلس، الذي ترأسون، والأهداف التي يعمل من أجلها، وكذا الآليات التي يشتغل بها؟

- سيعقد المجلس ثلاث دورات مرة كل سنة، وستتوزع على نحو 13 بلدا، وستجري خطة العمل على الشكل التالي، يطرح جدول الأعمال، وينشر عبر الإدارة الإلكترونية للمجلس على مختلف الأعضاء، ويطلب منهم إبداء رأيهم بشأن المواضيع ذات الأولوية خلال 18 شهرا المقبلة، وإلى حين شهر يونيو 2009، كما يجري تحديد مواضيع التقرير الذي سيرفع إلى جلالة الملك، ثم ما هو تصورهم بخصوص تأسيس مجموعات العمل، وهنا يجب أن أشير إلى أن الظهير أكد على ضرورة أن تنفتح مجموعات العمل حتى على غير أعضاء المجلس. وفي نظري يجب أن تعكس مجموعات العمل هذه، التنوع ذاته، الذي تتميز به الجاليات المغربية المقيمة بالخارج، وهناك آلاف الكفاءات من مهندسين وتجار ورجال علم وأطباء. والهدف من المجلس الحالي، هو أن نوجه مختلف السياسات العمومية للحكومة المغربية باتجاه الجاليات المغربية المقيمة بالخارج، ثم تحديد طرق مشاركة تلك الجاليات في الحياة السياسية والتنموية للمغرب، وكذلك التفكير في آليات وسبل تشكيل المجلس المقبل.
وهناك مجالات عمل كثيرة يجب اقتحامها، من أجل إشباع تطلعات أفراد الجالية المغربية على المستوى الثقافي والديني والمعرفي، فخلال الأيام الماضية مثلا، قمنا بزيارة للمتحف اليهودي المغربي بالدارالبيضاء، واكتشفنا أن ثمة تعددية ثقافية تعكس تنوع المشهد الاجتماعي المغربي، كما سأقوم بمعية وزيرة الثقافة، ثريا جبران، خلال الأيام المقبلة، بزيارة إلى بركان لتكريم الشيخ اليونسي، صاحب أغنية "الباسبور لخضر".
بهذ الطريقة سنعمل، آخذين بعين الاعتبار أن غالبية الكفاءات المغربية توجد خارج المجلس، وأن هذا واقع يفرض علينا أن نعمل جميعا، وأطمح بهذا الصدد إلى عقد اتفاقات شراكة مع المؤسسات المغربية، مثل وزارات الثقافة والتشغيل والشؤون الخارجية والتعاون، وأملنا أن نستثمر كل الكفاءات المغربية الموجودة في الخارج، والاستفادة منها في جميع المجالات. إذا توصلنا إلى عقد اتفاقات شراكة وعمل مثلا بين فرق البحث في الميدان الاجتماعي في المغرب ونظيرتها في الولايات المتحدة، أعتقد أننا سنحصل على نتائج حسنة ومثمرة، وسنساهم في تنمية هذا البلد.

*** أصبحت الهجرة مجالا لارتكاب عدد من الجرائم تتمثل في شبكات تهريب البشر والسلاح والمخدرات والإرهاب، ما هو تصوركم لحماية الهجرة وتحصينها من هذه الظواهر؟


- طبعا دخلت التنظيمات الإرهابية وشبكات تهريب المخدرات والسلاح والبشر، على خط الهجرة، واستغلت حركة المهاجرين السريين والشرعيين على حد سواء، وحدث تورط مغاربة في مثل هذه الأعمال. وقد فتحت بشأن هذا الموضوع نقاشات في فرنسا وإسبانيا من أجل وضع إجراءات تقنن الهجرة الشرعية، وتقيد حركة المهاجرين. وفي هذا الصدد هناك لقاءات تعقد بين عدة جهات في بلدان الإقامة والبلدان المصدرة للهجرة، مثل اللقاء الذي عقد الأسبوع الماضي، تحت إشراف وزير التشغيل، جمال أغماني، والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل، بتعاون مع برنامج أوروبي، وهناك في المستقبل لقاءات مشابهة على مستوى وزارة الخارجية بالتنسيق مع جهات إفريقية وأوروبية، تتعلق تحديدا بالهجرة والمشاكل التي تنجم عنها.

هناك اليوم، وبعيدا عن المصطلحات المستعملة مثل تلك التي يستخدمها ساركوزي من قبيل "الهجرة المنتقاة"، حوار مفتوح، وما يهمنا نحن في النقاش المفتوح، هو كيفية تمكين المغاربة من الهجرة الشرعية، هناك مجالات كثيرة في فرنسا على سبيل المثال في حاجة للكفاءات، والسؤال المطروح هو إمكانية توفير المغرب لهذه الكفاءات.

*** ألا يشكل هذا الموضوع في نظركم استنزافا للعقول المغربية وهجرتها نحو الخارج؟

- لا يجب أن نضع الأمور في هذا الإطار الضيق، فالمسألة لا تتعلق بهجرة الأدمغة، هناك حركية لانتقال الكفاءات من مكان إلى آخر وعودتها إلى نقطة الانطلاق، أعرف شخصيا مغاربة هاجروا بكفاءاتهم إلى بلدان أخرى، ثم عادوا إلى المغرب بكفاءات مضاعفة، وقدموا خدمات بقيمة مضافة. وأعتقد أن الخبرة المتواضعة التي اكتسبتها في المهجر، خلال الثلاثين سنة الماضية، يمكن أن تساهم في خدمة بلدي اليوم. هناك آلاف الكفاءات المغربية يرغب أصحابها في العودة إلى وطنهم.

*** ماذا يعد المغرب لاستقبال هذه الكفاءات، خاصة أننا نعلم أن بعض المهاجرين عندما يعودون لقضاء عطلتهم الصيفية، يقضون معظم وقتهم بين المحاكم، ويتعرضون لأسوأ التعقيدات الإدارية، ويضطرون للعودة إلى بلد الإقامة حاملين معهم صورة سيئة عن الحياة في بلدهم الأصلي؟

- هناك شكاوي كثيرة، صادرة عن مهاجرين مغاربة، وبكل صراحة هناك حلول للمشاكل التي يطرحونها أو يعانونها، كان هذا الموضوع أول ما ناقشته مع السيد محمد عامر. هناك حلول كما قلت، ولكن ليس هناك نظام لتتبع عمليات الحلول، هناك أشخاص يكاتبون القنصل والسفير ووزارة العدل والوزير المكلف بالجالية والآن يراسلون المجلس، نحن إذن بحاجة لنظام تتبع الشكاوى.

وفي ما يخص تعلق المغربي بوطنه، أعتقد أنه رغم كل ما يقال، ورغم هذه المشاكل، هناك اهتمام كبير من قبل المغربي المهاجر بوطنه، وأنا شخصيا أستنتج هذا الأمر، من خلال أبنائي الذين ولدوا هناك، فرغم أنهم لا يتكلمون العربية، يشعرون أن ثمة أمورا تغيرت في المغرب، هناك المدونة وحقوق الإنسان. وفي اعتقادي يجب أولا الاستمرار في النقاش الذي فتحه المغرب، وألا يكون حوارا موسميا فقط، بل يستمر طيلة العام وينفتح على جميع المواضيع، ويتضمن أوراشا للنقاش حول كيفية المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يشهدها المغرب.

*** هل يمكن اعتبار المجلس برلمان هذه الجاليات يمثل مصالحها ويتيح لها إمكانية المشاركة في الحياة التنموية بالمغرب؟

- يمكن اعتباره شيئا من هذا القبيل، الدستور المغربي يعطي الحق لكل المواطنين في التصويت والترشح، يبقى فقط تحديد بعض الأمور المتعلقة بعددهم وطريقة انتخابهم، ومدى وجود موانع في بلدان الإقامة تمنعهم من المشاركة في الحياة السياسية، مثلا الأتراك في ألمانيا لم يتمكنوا من المشاركة في الانتخابات الأخيرة ببلدهم، لأن ألمانيا ترى أن مشاركتهم سيكون لها انعكاس سلبي على وضعها الداخلي.
بالنسبة للمجلس لا يمكن اعتباره إدارة مغربية جديدة في الخارج، لأن أعضاءه ليسوا هم رؤساء الوداديات المغربية في الخارج، والمجلس يحترم استقلالية كافة هذه المؤسسات والجمعيات، هناك أفكار للتعاون المشترك.

*** في الوقت الذي يجري الاهتمام بالجالية المغربية المقيمة في أوروبا، هناك تجاهل تام للجالية المغربية المقيمة في البلدان العربية، هل سيجري تدارك هذا الميز في المستقبل؟

- بالنسبة لنا، هناك 350 ألفا أو 400 ألف مغربي مقيمون في الدول العربية، يشكلون مركز اهتمامنا، ويحتلون الأولوية عندنا، في ما يتعلق بالصورة التي نأخذها عن الوضع الذي يعانونه، هناك تحركات، وبالمناسبة، خلال الأسبوع الماضي، كان لنا اجتماع مع السي محمد عامر في موضوع أفراد الجالية المغربية في ليبيا. وسوف نصدر في نهاية العام تقريرا يرصد أوضاع كافة أفراد جاليتنا المقيمة في الخارج، سواء في الدول العربية أو الدول الأوروبية.

*** كلمة أخيرة

- ما أريد أن أقوله عبر هذا المنتدى، هو توجيه رسالة إلى الصحافة، لقد عملت صحافيا، أطلقت مجموعة من المجلات العلمية والاجتماعية في موضوع الهجرة، وما أريد أن أتوصل إليه، ليس فقط إيجاد صيغ للتعامل إعلاميا، وبشكل دائم مع قضايا الهجرة، ولكن أن يكون في كل هيئة صحافية مختصون في شؤون الهجرة، ويمكن أن أضع رهن إشارة الصحافيين إمكانيات لتلقي تدريب وتكوين في هذا المجال.




تابعونا على فيسبوك