إمكانيات محدودة لكن الأمل كبير في الإدماج والتوعية

السبت 08 مارس 2008 - 11:52

لجمعية القصبة للأطفال في وضعية صعبة هدف كبير بحجم المعضلة التي تتبناها من أجل فئة هشة من المجتمع. وهو خلق "بيت" يجمع شتات أطفال يكاد القدر يلعب لعبته معهم.

ليذوقوا كل أنواع التشرد والتهميش ويتجرعوا مرارة الإدمان والشذوذ. وربما بعد شهور قليلة سيتحقق الحلم الذي سيكون بمثابة ملجأ يأوي إليه عدد من الأطفال، يحتمون بجدرانه من الشارع ومن وضعية لا تساعد على التمدرس.

يقول الطاهر الصقلي، أمين مال الجمعية: "نريد تطوير عملنا في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولهذا فكرنا في صغار السن الذين يكونون عرضة للشارع بسبب وضعية متردية اجتماعيا واقتصاديا، ولهذا سيكون المركز أحد وسائل هذه الوقاية بحيث لن يتوفر لهم الأكل والتمدرس فقط، بل حتى المبيت". وهو المشروع الذي تقدمت به الجمعية إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لاستكمال بنائه، بهدف استقبال 100 إلى 110 أطفال، ذكورا وإناثا، حيث سيتوفر لهم المأكل والمبيت ومتابعة الدراسة إلى حين يصبحون قادرين على الاعتماد على أنفسهم.

تأسست جمعية القصبة للأطفال في وضعية صعبة، في نوفمبر من سنة 1998، حينها وقفت على أن هناك معاناة كبيرة وراء الكثير من الحالات: الفقر العائلي، الفشل المدرسي، غياب الأب على الخصوص، وخلافات زوجية كثيرة... لتشكل كلها أسبابا رئيسية للخروج إلى الشارع ومعانقة المصير المجهول.

هذه الظروف الاجتماعية الصعبة لم تدفعهم إلى الشارع فحسب، بل إلى متاهات أخرى، وعوالم المخدرات."وهذا ما جعل مهمتنا صعبة وربما مستحيلة في البداية، لأننا كنا نستهدف الشباب الذي يدمن على المخدرات، لكنهم كانوا يشكلون حالات ميؤوس منها لم تتجاوب قط مع أهدافنا" يشرح الصقلي.

ولهذا، اختارت الجمعية العمل على الوقاية كأسلوب في التعامل مع الأطفال الذين لم تفتهم الفرصة بعد، من أجل تحقيق الاندماج المدرسي وبعده المهني و الاجتماعي.
الجمعية ترصد الحالات المستهدفة من خلال عمل يقوم به أعضاؤها مع فريق يتكون من مربين ومساعدة اجتماعية.

"إننا نقوم ببحث ميداني بالأحياء الفقيرة والمهمشة خاصة، حيث يغيب الوالدان طيلة اليوم عن أبنائهم، وهنا يبقى الطفل عرضة للتشرد بجميع مظاهره. وغالبا ما وقفنا على حالات استغلال لهؤلاء الأطفال من قبل الكبار الذين يجعلونهم يجمعون القمامة لفائدتهم" تقول حليمة المساعدة الاجتماعية. وهنا تتحدث الجمعية إلى الأم بالخصوص "لأن الوالد غائب دائما"، وتقوم بدراسة على الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الطفل قبل استقطابه من أجل العمل معه على إعادة إدماجه مدرسيا بالخصوص".

تعمل الجمعية مع ثلاث فئات من الأطفال، فهي تتكفل بأطفال في سن ما قبل التمدرس، وتحيلهم على بعض أقسام التهييئي، بمدارس تؤدي عنهم ثمنا رمزيا شهريا، ثم فئة ثانية تدمجها إما في المدارس العمومية أو بعض المؤسسات الخصوصية، وكلها فئات تستفيد من أدوات مدرسية وملابس ومن التطبيب، إذا استدعيت بعض الحالات ذلك. أما الفئة الثالثة، فهي"التي نعمل على إدماجها في مجال الشغل، فاليوم، هناك شباب من يعمل حلاقا ومن يعمل في التلحيم وآخر في البستنة، وكلهم أصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم ماديا".

وهكذا، استطاعت الجمعية أن تدمج مدرسيا لحد الآن حوالي 32 طفلا، تسهر على دعمهم ومتابعة مجهوداتهم، كما تبقي على التواصل مع الأم من أجل مناقشة المشاكل التي تعترضهم.

يقول الطاهر الصقلي، بهذا الصدد: "إن الأساسي بالنسبة إلينا هو إنجاح المشروع الذي نبدأه مع الطفل، ولهذا لا يدخر كل من المساعدة الاجتماعية والمربي، جهدا من أجل تتبع الحالات التي نرى أنها قابلة للانزلاق" هذا الفريق يقوم بدور توعوي يوميا، وفي كل مرة استدعى الأمر ذلك، إذ يحاول الوقوف على مسببات هذا الانزلاق بالتحدث إلى الطفل والأم معا.

"الأطفال يرفضون كلمة (شمكارة)، وبالتالي غالبا ما يكون هذا النعت، سببا في الإقلاع عن التدخين أو تناول المخدرات أو شيء من هذا القبيل، وغالبا ما نعطيهم أمثلة لبعض (الشمكارة) والمدمنين الميؤوس من حالاتهم، الذين يلتقونهم يوميا في الشارع العام، وهذا يكون له بعض التأثير فيهم، ويهمنا كثيرا كسب ثقة هؤلاء الأطفال، منذ البداية، حتى نتمكن من العمل معهم لأنه لا يمكننا القيام بأي شيء لفائدتهم دون كسب هذه الثقة والاطمئنان لنا" توضح حليمة.

تحضر جمعية القصبة للأطفال في وضعية صعبة برنامجا واسعا من الأنشطة التي تستهدف الإدماج بكل أبعاده، وتحقيق الاستقلالية الذاتية " وهو الدعم المدرسي بالنسبة للمتمدرسين منهم، والتكوين المهني للبعض الآخر ومحاربة الأمية لمن لم يكن له حظ ولوج المدرسة في يوم من الأيام.

وغير الدروس التي تقدمها الجمعية داخل مقرها لبضعة أطفال لم يتمكنوا من الالتحاق بالتعليم العمومي، هناك حصص رياضية وتداريب في كرة القدم، فضلا عن المسرح الذي يعبر فيه الطفل عن أفكاره ومواهبه.

وتنظم الجمعية فترات تخييم كل سنة، يستفيد منها من 10 إلى 16 طفلا، تتراوح أعمارهم ما بين 9 و15 سنة "هذا التخييم غالبا ما يكون بمثابة مكافأة للأطفال الذين واظبوا على الدراسة وتميزوا بحسن السلوك". كما تقيم الجمعية حفلة سنوية بمناسبة اختتام الموسم الدراسي توزع فيه الجوائز على أطفال الجمعية الذين أحرزوا نتائج دراسية جيدة.

مشاريع الجمعية كبيرة، وكلها تستهدف فئات فقيرة ومهمشة في المجتمع. فهي تطمح لتأسيس مركز للتكوين في مجال الحلاقة، يهم بعض الشباب. وبالفعل، فقد تمكن الشاب هشام، وهو معاق، إثر تعرضه لحادثة قطار، من مزاولة مهنة الحلاقة، بفضل دعم الجمعية له. كما تسعى الجمعية إلى إنشاء مدرسة للأمهات الفقيرات من أجل تكوينهن في المبادئ الأولية للتمريض وحضانة الأطفال، ثم مدرسة أخرى للأطفال المتعثرين دراسيا إما بسبب البعد عن المدرسة لأنهم يقطنون مدن الصفيح في ضواحي المدينة أو بسبب عدم توفر الإمكانيات الضرورية لمتابعتهم الدراسة.

ولتمويل أنشطتها أو مشاريعها، تعتمد الجمعية على إمكانياتها الذاتية، والبحث عن ممونين من المحسنين الذين لا يبخلون بالمساعدة، لكن الموارد تبقى غير كافية في ظل الاحتياجات الكثيرة، "هناك متطوعون أطباء يريدون المساهمة في مشروع تكوين الأمهات الفقيرات، وهناك محسنون يساعدوننا في كثير من الأحيان، لكننا نجد صعوبة في التسيير اليومي للجمعية الذي يحتاج إلى موارد مالية".

وتعتمد الجمعية على شراكة بعض الجمعيات الأجنبية، إذ أنها استطاعت أن تحظى بثقة المركز الفرنسي لحماية الطفولة الذي يحتضن عن طريق اتصال دائم معها حوالي 39 طفلا، وفي المقابل ترسل الجمعية تقارير كل 3 أشهر عن هؤلاء الأطفال، تخبر فيها عن تقدمهم الدراسي وعن حاجياتهم مع رسالة صغيرة يكتبها الطفل بخط يده موجهة لعائلته المحتضنة.

لا تغفل الجمعية المناسبات والأعياد الدينية، لتهيئ لهؤلاء الأطفال جوا عائليا يسعدون به كباقي الأطفال . فتقوم بذبح أضحية العيد كل سنة وتجعل منه يوما مرحا، كما توزع الملابس الجديدة على الأقل مرتين في السنة، في بداية فصل الشتاء وبداية كل صيف.

فريق العمل

ليس هناك أكثر من فريق العمل، الذي يتكون من حليمة المساعدة الاجتماعية وأمينة وعبد اللطيف المربيين الاختصاصيين، من يعرف عن قرب حجم المعاناة وحجم مشاكل الأطفال في وضعية صعبة. وضعية صعبة بسبب فقر الأسرة وتحمل الأم مسؤولية البيت لوحدها في غياب الأب كليا، حتى ولو كان حاضرا جسديا.

عمل هؤلاء يحتاج إلى شجاعة كبيرة حتى يمكن مواجهة خطورتها. وإيمانهم بهؤلاء الأطفال جعلهم يتشبثون بالأمل في وقايتهم من الضياع، وهكذا يخرجون إلى الشارع بحثا عن حالات يجعلون منها نقطة البداية إلى حين التوصل إلى وضع اجتماعي أفضل.
حليمة المجازة في علم النفس وكاتبة القصة، تأكدت أنه يمكنها اليوم كتابة قصص حقيقية من الواقع المعاش، وهي التي ظلت تروي قصصا فقط من وحي الخيال.

في حين يرى الطاهر الصقلي أن صيانة قيمنا الاجتماعية هي أكبر حامي لأبنائنا من مظاهر الشذوذ والانحراف.

جمعية القصبة لمساعدة الأطفال في وضعية صعبة
القصبة المحمدية
صندوق البريد :542
المحمدية المحطة
الهاتف:
068.12.45.98/ 068.24.40.18 / 023.30.24.24




تابعونا على فيسبوك