"يجب التغاضي عن الانتماءات السياسة، أو عن كوننا معارضة أو أغلبية، لأن الأمر يهم أمن البلاد وسلامة المواطنين"، جملة أجمع مختلف نواب الأمة، المتدخلين في اجتماع لجنة الداخلية واللامركزية والبنيات الأساسية.
التي عقدها مجلس النواب، مساء يوم الجمعة الماضي، على التأكيد عليها، قبل تقديم عروضهم.
وأبرز النواب المتدخلون خطورة وخصوصية شبكة بلعيرج، والمخططات، التي كانت تستعد لتنفيذها، مؤكدين أن هذه الشبكة، حسب ما أبانت عنه التحقيقات، "تختلف عن الشبكات التي نجحت مصالح الأمن في تفكيكها في الماضي، خاصة من حيث استراتيجيتها، وعلاقتها داخل وخارج المغرب، وأبعادها الفكرية والسياسية، ومصادر تمويلها، والمتورطون فيها".
ويرى النواب، في الجلسة ذاتها، التي عرفت منع وسائل الإعلام المكتوبة من حضورها في بداية الأمر، بحجة أنها جلسة سرية ولا يسمح إلا لوسائل الإعلام السمعي والمرئي بأخذ صورها، أن "مواجهة ظاهرة الإرهاب والتصدي لها بالشكل المطلوب، لن تتأتى دون اعتماد مقاربة شمولية، لا ترتكز على البعد الأمني فقط، بل تشمل الأبعاد الدينية والتربوية والإعلامية".
وطالب النواب، في الجلسة التي انعقدت بطلب منهم للاطلاع على آخر تطورات تفكيك شبكة "بلعيرج" الإرهابية، بإشراك كافة القوى الوطنية، من أحزاب سياسية ومجتمع مدني وإعلام، في تفعيل هذه المقاربة، كل من موقعه، مبرزين أن هذه المخططات تستهدف ضرب المشروع الديمقراطي الحداثي، الذي ارتضاه المغرب، والذي يتوخى تحقيق التنمية الشاملة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في جو من التوافق والالتفاف على الثوابت الوطنية الكبرى.
ونوه المتدخلون بأداء أجهزة الأمن واليقظة التي أبانت عنها خلال هذه العملية، معتبرين أن "تفكيك شبكة من هذا النوع يعد ضربة استباقية، جنبت المملكة عملا تخريبيا كان يستهدف أمنه واستقراره"، مطالبين بتأهيل المصالح والأجهزة الأمنية، من خلال دعمها بكافة الوسائل المادية واللوجستية والبشرية اللازمة، بما يمكنها من مسايرة التطورات المتسارعة لهذه الظاهرة.
ودعا النواب أيضا إلى ضرورة تمتيع المتهمين في "شبكة بلعيرج" الإرهابية بكامل الضمانات القانونية وبمحاكمة عادلة، مؤكدين على أهمية الحفاظ على المكتسبات، التي حققها المغرب في مجال تعزيز دولة الحق والقانون.
وتساءل المتدخلون أيضا عن سبب سكوت أجهزة الأمن عن هذه الشبكة إلى حين توقيفها، رغم تأكيدها أنها كانت تترقبها منذ التسعينيات. كما لم يفت النواب الاستفسار عن الاستراتيجية الأمنية، التي تسطرها وزارة الداخلية، خاصة أن العمليات الإرهابية المستهدفة للمغرب "أبانت عن أنه بلد مستهدف"، كما تساءل النواب عن الكيفية التي فككت بها مصالح الأمن خلية بلعيرج.
وفي معرض رده على تساؤلات النواب، الذين حضروا الجلسة بكثافة، أكد وزير الداخلية، شكيب بنموسى، أن عمل السلطات المختصة تميز، خلال مختلف مراحل تفكيك شبكة "بلعيرج" الإرهابية، بالاحترام التام للقوانين الجاري بها العمل، وأن تدخلاتها تظل دائما خاضعة لرقابة القضاء، ضمانا للتوازن المطلوب بين احترام ممارسة الحريات العامة والمحافظة على النظام العام.
وأبرز بنموسى أن المغرب يوجد، في الوقت الراهن، أمام "شبكة إرهابية خطيرة، كانت وصلت إلى مراحل متقدمة من الاستعداد لتنفيذ عملياتها، اتسمت بتحديد أهدافها بدقة، وبتنظيمها السياسي والتخريبي، وخططت لاغتيالات، سنوات 1992 و1996 و2002 و2004 و2005".
وذكر بأهم خصوصيات هذه الشبكة، التي كانت تخطط لتهديد أمن واستقرار البلاد، ولاسيما اعتمادها على أرضية فكرية ونظرية، تجمع ما بين العمل السري والعلني، وقدرتها على الحفاظ على سرية مخططاتها وأنشطتها لمدة طويلة تتجاوز 15 سنة، وعلى اختراق جمعيات المجتمع المدني،والحقل الحزبي، ومؤسسات الدولة، وعلى استقطاب أطر ذات كفاءات عالية، تنتمي إلى أوساط اجتماعية ومهنية متنوعة.
وأشار الوزير إلى أن مخططات الشبكة كانت تستهدف شخصيات وازنة، وتنفيذ عمليات سطو، وتبييض للأموال، من خلال اللجوء إلى استعمال أسلحة نارية متنوعة، مذكرا بحجز أكبر كمية من السلاح في تاريخ محاربة ظاهرة الإرهاب بالمغرب، وتفكيك الخلايا الداعمة له.
ويرى وزير الداخلية أن جهود السلطات تبقى رهينة بمدى توفر الوسائل القانونية المؤطرة لعملها، والتي يجب أن تواكب التطورات السريعة، التي تعرفها التنظيمات الإرهابية، متسائلا عن "الإمكانيات القانونية المتوفرة لمحاربة ظاهرة الإرهاب بالمغرب، ووضعها في الميزان، انطلاقا من تشبث السلطات المغربية، عن قناعة وإيمان، بحقوق الإنسان، ومؤسسات دولة الحق والقانون، مع ما تتطلبه مواجهة الإرهاب من فعالية ونجاعة".
وشدد على إرادة الدولة الثابتة، وعزمها الأكيد على مواصلة التصدي بقوة لظاهرة الإرهاب في إطار مقاربة شمولية، تعتمد، بالإضافة إلى الجانب الأمني، على أبعاد أخرى، هي إصلاح الحقل الديني، والتعليم، والعدل، والإعلام، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وقال بنموسى إنه رغم توفر كل المعطيات، التي تبين بجلاء خطورة الوضع، "فإننا نشهد اليوم عملية ممنهجة، تشكك في الوقائع، وفي مسؤولية الأشخاص المتورطين، وكذا في الأهداف المتوخاة من وراء تفكيك هذه الشبكة الإرهابية".
وأوضح بنموسى أن "الأفعال المنسوبة للأشخاص، الذين اعتقلوا في إطار شبكة بلعيرج غير مصطنعة، ولا ملفقة، كما يزعم البعض، ولو أن مخطط الشبكة جرى وضعه سنة 1992، فقد تواصل الحرص من لدن أصحابه على احترامه وتفعيله من طرف أفراد الشبكة، واستمر العمل وفق ذلك المخطط إلى غاية اليوم".
وأضاف أن تزايد عدد الخلايا الإرهابية، التي أمكن تفكيكها في السنين الأخيرة، يبين، بما لا يدع مجالا للشك، أن قوى الإرهاب أضحت تشكل، أكثر من أي وقت مضى، تهديدا حقيقيا ودائما، تتعدد وتتطور باستمرار منابعه، وأشكاله، وتجلياته، واستراتيجيته، وأهدافه، وهو تهديد يجب معه العمل على الحفاظ على روح اليقظة والحذر، لدى السلطات العمومية، ولدى كل مكونات المجتمع، لأن ذلك هو السبيل الوحيد الكفيل بإفشال مخططات أعداء الوطن.
وأبرز بنموسى أن العمل التواصلي، الذي أنجزته الحكومة بشأن تفكيك هذه الشبكة الإرهابية، يندرج، من جهة، في إطار تقيدها ووفائها بواجب إخبار الرأي العام بتطورات قضية مهمة كهذه، ومن جهة ثانية بهدف توعيته وتحسيسه بالمخاطر، التي تتهدد المملكة، وتعبئته للمساهمة في المجهود الجماعي للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة، بعيدا كل البعد عن وجود نية مبيتة للتأثير على سير المساطر القضائية الجارية.
وأضاف أن السلطات العمومية المسؤولة على الحفاظ على أرواح وممتلكات المواطنين، عازمة على اتخاذ كل ما يلزم من تدابير لمواجهة الخلايا الإرهابية، التي تعرف تطورا نوعيا، من حيث تنظيمها واستراتيجية عملها، ومصادر تمويلها، بكل ما يقتضيه ذلك من سرعة في التدخل وتنسيق محكم بين كل المصالح والأجهزة، ومن استغلال جيد للمعلومات المتوفرة.
وأشاد بالنتائج المحققة بفضل يقظة كل مكونات المصالح الأمنية، التي أظهرت، خلال مختلف الأحداث الإرهابية في المغرب، روحا وطنية عالية، وتفانيا في الدفاع عن الوطن في وجه المخططات الإرهابية التي تستهدفه، رغم تعقيد الظاهرة ومحدودية الإمكانات البشرية والمادية والتكنولوجية، مبرزا أن "السلطات المغربية معترف لها عالميا بكفاءتها ومهنيتها في مواجهتها للإرهاب".