يخلد الشعب المغربي، من طنجة إلى الكويرة، وفي طليعته أسرة المقاومة وجيش التحرير وسكان الأقاليم الجنوبية، اليوم الخميس (28 فبراير)، الذكرى 50 لمعركة الدشيرة الخالدة، والذكرى 32 لجلاء آخر جندي أجنبي عن الأقاليم الجنوبية للمملكة.
وجاء في مقال.
للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، أنه بحلول هذه الذكرى العطرة، المفعمة بعبق الوطنية وأريج الروح الوحدوية، تكون قد مرت خمسون سنة تستدعي وقفة تأمل وتدبر لاستخلاص الدروس والعبر من هذا الحدث التاريخي المجيد.
لقد ناضل الشعب المغربي بقيادة العرش العلوي المجاهد، نضالا بطوليا موصولا، من أجل استكمال الاستقلال وتحقيق الوحدة الترابية، فبعد عودة بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه من المنفى، في 16 نونبر 1955، معلنا انتصار إرادة العرش والشعب في ملحمة التحرير، ظلت الصحراء المغربية تحت نير الاحتلال الإسباني ضدا على الحق والقانون والشرعية، الأمر الذي وقف له المغرب وقفة التصدي، فكانت انطلاقة ملحمة جديدة لتحقيق الوحدة الترابية بقيادة العرش العلوي المنيف.
إن معركة الدشيرة التي خاضها جيش التحرير سنة 1958، تعد ضمن معارك كثيرة لتحرير الأقاليم الجنوبية، تلك المعارك التي شهدتها ربوع الصحراء ما بين 1956 – 1960، وسجلت بمداد الفخر والاعتزاز مدى بطولة أبناء القبائل الصحراوية وطلائع المجاهدين في الدفاع عن وحدة الوطن والذود عن مقدساته وثوابته والتمسك بمغربيتهم في ظل الدوحة العلوية الشريفة.
فمنذ تمركز قيادة جيش التحرير بكلميم في منتصف سنة 1956، انطلقت معارك ضارية بأرجاء الصحراء المغربية بالتحام وترابط بين أبناء مختلف القبائل التي هب أبناؤها لتجديد بيعة الرضى والرضوان للعرش العلوي المجيد، وإعلان تمسكهم بمغربيتهم، وإقدامهم رفقة إخوانهم من جيش التحرير من أجل هدف واحد، هو تحرير الصحراء من قبضة المحتل الأجنبي، ومن بين هذه المعارك معركة مركالة وأم العشار والرغيوة والعيون والمسيد البلايا وفم الواد ومعركة الدشيرة، التي تخلد المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ذكراها الخمسينية، متوخية إبراز صفحات مشرقة من أمجاد العرش والشعب في سبيل استكمال الوحدة الوطنية وتعريف الأجيال بها.
لقد واجه جيش التحرير المغربي في هذه المعركة قوات الاحتلال المدججة بأحدث الأسلحة والعتاد بأسلحة تقليدية وعدد قليل، لكن الإيمان بعدالة القضية والتشبع بالروح الوطنية الصادقة والاستشهاد في سبيل الوطن، عوامل غلبت كفة جيش التحرير ليندحر معها المستعمر الأجنبي.
لقد نهجت قوات جيش التحرير أسلوبا تكتيكيا ساعدها على الصمود في التصدي لجيش الاحتلال، حيث لازمت موقع "الكوشة"، وهو حصن حصين وقلعة وعرة صعبة، أشرف منها أبطال جيش التحرير على توجيه الضربات المركزة صوب قوات المستعمر وآلياته، وتواصلت المعركة دون أن تتمكن فلول جيش الاحتلال من عبور منطقة الكوشة متكبدة خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد، وغنم جيش التحرير الأسلحة والذخيرة.
إن ملامح الكفاح الوطني من أجل استكمال الاستقلال وتحقيق الوحدة الترابية، بنضالاتها الشعبية والدبلوماسية، وبالمواقف البطولية، وأعمال المقاومة والتحرير، لتجسد ترابط المغاربة أجمعين، وصمودهم في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة المغربية، ورفضهم للمخططات الاستعمارية الرامية إلى المس بهذه الوحدة.
هكذا، كان استرجاع مدينة طرفاية سنة 1958، بفضل حكمة بطل التحرير، جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، واسترجاع سيدي إفني سنة 1969، بفضل حنكة رفيقه في الكفاح والمنفى، جلالة المغفور له الحسن الثاني قدس الله روحه، وتكللت هذه الخطوات بمعجزة القرن، التي أبدعها موحد الأمة ورائد المسيرة الخضراء المظفرة، في 6 نونبر1975، مسيرة شعبية سلاحها القرآن والإيمان لاستعادة الحق المسلوب.
جاء جلاء آخر جندي أجنبي عن الأقاليم الجنوبية يوم 28 فبراير1976، ليسجل حدثا كبيرا في سجل تاريخ المغرب الحديث، ولترفرف الراية المغربية خفاقة في ربوعها الأصيلة والعريقة في مغربيتها، وولائها للعرش العلوي المجيد، كان ذلك احتفالا كبيرا توج جهاد العرش والشعب من أجل استكمال الاستقلال، وتحقيق وحدة التراب الوطني من طنجة إلى الكويرة.
إن أسرة المقاومة وجيش التحرير، وهي تخلد الذكرى 32 لجلاء آخر جندي أجنبي عن الأقاليم الجنوبية، بموازاة مع الذكرى 50 لمعركة الدشيرة، في غمرة الحماس الوطني والتعبئة الشاملة تحت القيادة الرشيدة لرائد الأمة جلالة الملك محمد السادس، لتؤكد تجندها التام في ملاحم صيانة الوحدة الترابية، وانخراطها في مشروع البناء الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، مستلهمة عبر ودروس وعظات ومعاني الجهاد العظيم الذي قاده أب الوطنية جلالة المغفور له محمد الخامس، رفقة وارث سره ورفيقه في الكفاح جلالة المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراهما، بالتحام وثيق مع الشعب المغربي الوفي من أجل عزة الوطن وسؤدده وصيانة وحدته.
إنها مسيرة يواصلها المغرب اليوم بإرادة قوية وعزيمة راسخة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي يحمل لواء استشراف عهد جديد، بسياسة حكيمة، وتبصر وبعد نظر، ونهج محكم وقويم، لتوطيد دعائم المغرب على درب الحداثة والتنمية الشاملة، وخوض غمار تحديات القرن 21، وتعزيز المسار الديمقراطي، وفقا لما ينشده جلالته من مقاصد سامية وغايات نبيلة، إعلاء لصروح المغرب وارتقائه الموصول في مدارج التقدم والازدهار، وأداء دوره الحضاري كبلد أصيل عريق في التمسك بقيم السلام والاعتدال، متشبع بمبادئ التعاون والتضامن والفضائل الإنسانية المثلى.