التحاق حوالي 100 صحراوي بأرض الوطن مرفوقين بعشرين طفلا وطفلة

ضربة موجعة جديدة للانفصاليين

الخميس 28 فبراير 2008 - 11:02

شكل التحاق حوالي مائة صحراوي بأرض الوطن، خلال الأربع وعشرين ساعة الأخيرة، قادمين من مخيمات تندوف بالجزائر، ضربة موجعة جديدة للانفصاليين، ودليلا ساطعا آخر على النزيف الذي يمس صفوفهم يوما بعد يوم.

وهو النزيف الذي لم تنفع معه المسكنات، التي برع قادة "البوليساريو" في صنعها وتقديمها لمحتجزي مخيمات تندوف.

كما أن وجود عدد كبير من الشيوخ البارزين وأطر "البوليساريو"، ضمن هؤلاء الصحراويين الذين التحقوا بأرض الوطن في ثلاث مجموعات، تلبية للنداء الملكي السامي "إن الوطن غفور رحيم"، ليعكس بجلاء التذمر المنتشر بشكل واسع في مخيمات تندوف، كما ينم عن الجرح العميق الذي أصاب كيان "البوليساريو" لا سيما إذا علمنا ما يمثله الشيوخ في المجتمع الصحراوي، سواء بصفتهم كحكماء أو كوسطاء أو كعنصر توازن وكذاكرة للقبائل، مما يجعلهم يتمتعون بنفوذ قوي لدى أعضاء هذه القبائل.

والواقع أن هذا النزيف ما هو إلا نتيجة منطقية لمسلسل الانشقاقات الطويل، الذي عرفه ويعرفه "البوليساريو" منذ نشأته، وكان من بين تجلياته انتفاضة 1988، عودة العديد من قياديه إلى أرض الوطن، اختيار عدد كبير من المسؤولين (لاسيما المثقفين منهم) المنفى بدول أخرى في انتظار حل للمشكل، انتفاضة قبيلة العيايشة في يونيو 2006، ظهور حركة "خط الشهيد"، مؤتمر قبيلة اكجيجيمات المنشقة المنعقد في دجنبر 2007، وتأسيس "المجموعة الصحراوية المستقلة" في فبراير 2008 بجزر الكناري.

ولعل ما زاد في تفاقم البلبلة بصفوف الانفصاليين، هو أن العديد من العائلات الصحراوية بادرت بتنظيم مؤتمر في دجنبر2007، بهدف التنديد بالموقف المتصلب والمتطرف "للبوليساريو" من جهة، ودعم المبادرة المغربية المتمثلة في الحكم الذاتي من جهة أخرى. وشكل هذا المؤتمر، بحق، تحديا كبيرا لانفصاليي "البوليساريو" لا سيما وأنه نظم باكجيجيمات غير بعيد عن تيفاريتي، حيث كان الانفصاليون يحبكون "مؤتمرهم" عفوا "مهزلتهم".

إن هذا النزيف يعود في جزء منه أيضا، إلى ذلك الأمل، والنبراس الذي تمثله المبادرة المغربية، التي طالما انتظرها محتجزو مخيمات تندوف أمام الإحباط واليأس اللذين زرعهما في نفوسهم ذلك الموقف المتعنت "للبوليساريو"، وهذا تحديدا ما حذا بالعديد من الشيوخ والشخصيات المرموقة إلى الالتحاق بالمغرب، حيث يمكنهم أن يمارسوا بكل حرية وكامل الكرامة، النضال من بلدهم والتصدي للموقف السلبي "للبوليساريو" الذي يعمل جاهدا على تقويض أي مبادرة لحل هذا النزاع المفتعل.

وفي هذا الصدد، لا يخفى على كل ذي حجة الطابع الاستعجالي لهذا الحل، في الوقت الذي تعد منطقة الصحراء الكبرى برمتها مهددة بكابوس الإرهاب، وبشبح الجريمة المنظمة، وبالحركات الانفصالية التي تهدد الوحدة الترابية لبعض دول المنطقة.
تجدر الإشارة هنا، إلى الدور المحفز الكبير لمبادرة المغرب تخويل الصحراء حكما ذاتيا، لا سيما وأنه استنهض سلسلة من ردود الفعل لدى عدد كبير من التيارات المنشقة التي ظلت إلى عهد قريب منعزلة وملتزمة الصمت المطلق. فمنذ الإعلان عن هذه المبادرة ارتفعت الأصوات المنادية بدعم بصيص الأمل الذي تمثله هذه المبادرة، باعتبارها مقترحا ديمقراطيا وجادا، يخول الصحراء حكما ذاتيا موسعا، ويحترم خصوصيات سكانها.

كما أن جدية المبادرة المغربية، وتصدي الدبلوماسية المغربية بالتنديد والفضح لآلة الدعاية لدى "البوليساريو" والجزائر، التي ساهمت على مدى ثلاثين سنة في إدامة وهم حول المشروع الانفصالي، مكن السكان المحتجزين من الانشقاق والانتفاضة خاصة وأن غالبيتهم، على غرار هذه الأسر، أصبحوا واعين جيدا بأن حل هذا المشكل يمر عبر عودتهم بملء إرادتهم الى بلدهم المغرب، بعيدا عن وصاية الجزائر التي تعرقل إيجاد أي حل للمشكل.

والحقيقة أن التحفظ الذي أبداه السكان المحتجزون إزاء الخطاب العدواني لـ "البوليساريو"، ليعكس تلك القناعة التي أصبحت راسخة لديهم بأنهم سيكونون أولى ضحايا عودة محتملة لحمل السلاح، وأن الحل لا يمكن أن يكون إلا سياسيا عبر حكم ذاتي موسع يضمن لهم جميعا حقوقهم في إطار سيادة المغرب.

ومما جعل قادة المرتزقة في حيص بيص وجعل الأوراق تختلط عليهم، هو ذلك الطابع المكثف لالتحاق المحتجزين بأرض الوطن، الشيء الذي يمثل تطورا مهما، من حيث الكم والكيف، بالنسبة لقضية وحدتنا الترابية، كما يكشف المأزق الخطير الذي يجتازه "البوليساريو"، وهو مأزق زاد من استفحاله وعي السكان المحتجزين، بعد ثلاث جولات من المفاوضات، بأن المغرب منخرط بشكل جدي في هذا المسلسل، بعكس قادة "البوليساريو" الذين يبذلون كل ما بوسعهم لإفشاله.

والتحق حوالي مائة صحراوي بأرض الوطن، ضمن ثلاث مجموعات، تضم عددا من الأشخاص الذين شاركوا في مؤتمر اكجيجيمات، المنعقد في دجنبر الماضي بضواحي تيفاريتي بالصحراء المغربية.

حل أفراد هذه المجموعات، مرفوقين بعشرين طفلا وطفلة، من أبناء عدد منهم، بمنطقة الكركرات الحدودية، الواقعة على بعد 380 كلم جنوب الداخلة، تلبية للنداء الملكي السامي "إن الوطن غفور رحيم"، واقتناعا منهم بما تحمله المبادرة المغربية لتخويل جهة الصحراء حكما ذاتيا، تحت السيادة المغربية، من آفاق تستجيب لتطلعات أبناء المنطقة إلى ترسيخ الوحدة وتعزيز التنمية.

وذكرت مصادر صحراوية أن عائلات أخرى تستعد للعودة إلى المغرب خلال الأيام المقبلة.
وأعرب عدد من هؤلاء العائدين، في تصريحات صحفية، عن سعادتهم بالعودة إلى أرض الوطن، وعن دعمهم لمشروع الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب.

وأكدوا أن عودتهم إلى أرض الوطن تأتي في إطار تجديد البيعة لأمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، البيعة التي ربطت دوما آباءهم وأجدادهم بملوك الدولة العلوية الشريفة، منوهين بحفاوة الاستقبال الذي أقيم على شرفهم.

وبعد أن وصفوا الأوضاع التي يعيشها سكان المخيمات بالقاسية والمزرية، أبرزوا أن غالبية سكان هذه المخيمات يتحينون الفرصة من أجل العودة إلى وطنهم الأم، مطالبين بفك الحصار عن المحتجزين من أهاليهم في مخيمات تندوف بالجنوب الجزائري، لتمكينهم من الإلتحاق بذويهم وأهلهم.

ودعوا في الوقت ذاته جميع الصحراويين المغاربة، أينما وجدوا، إلى الالتحاق بأرض الوطن من أجل العيش الكريم في ظل الوحدة والاستقرار.

وكان مؤتمر اكجيجيمات أعلن عن انخراطه في المقترح المغربي المتعلق بالتفاوض لتخويل حكم ذاتي لمنطقة الصحراء. كما عبر المؤتمرون عن تأييدهم للمقاربة التي يتبعها رئيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، برعاية وتوجيه ومباركة جلالة الملك محمد السادس.




تابعونا على فيسبوك