الصحراويون يكذبون أحلام بوتفليقة

الأربعاء 27 فبراير 2008 - 09:29

لا يترك الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، أي مناسبة تمر دون إطلاق سيل من التضليل السياسي والمغالطات التاريخية في حق المغرب، التي تدخله في دوامة من التناقضات الصارخة.

من قبيل الادعاء بأن موقف الجزائر حيادي، وأنه ليس لها لا ناقة ولا جمل في النزاع، وفي الوقت ذاته، يتحدث عن "الاحتلال المغربي"، ويردد الأسطوانة المشروخة عن "حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال"، في حين كان الأجدى، إذا كان وفيا لمبادئه وشعاراته، أن يسهر على حق الصحراويين، الذين تحاصرهم وتحتجزهم عساكره وميليشيات أذنابه الانفصاليين بتندوف، في تقرير مصيرهم، وممارسة إرادتهم، واختيارهم بين العودة إلى وطنهم المغرب، ومعانقة ذويهم بالأقاليم الجنوبية، وبين أن يرضوا بحياة الذل والمهانة والإكراه والاستعباد والعسف والظلم في المخيمات.

يعود الرئيس الجزائري، من جديد، أول أمس الاثنين، في برقية وجهها إلى زعيم البوليساريو محمد عبد العزيز، بمناسبة ما سموه الذكرى 32 للإعلان عن قيام الجمهورية الوهمية، ليشدد، للمرة كم من المئات، على "حق تقرير المصير للشعب الصحراوي"، وليقول إن "الجزائر تظل متمسكة كل التمسك بنهج الأمم المتحدة في مجال تصفية الاستعمار"، وتؤكد "مساندتها لجهود المجموعة الدولية الرامية إلى تفعيل هذه المبادئ، وتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية تصفية كاملة ونهائية".

لكن المسؤولين الجزائريين، الذين دأبوا على التسوق بالمغالطات والأكاذيب، يصطدمون، مرة أخرى، بحقيقة إضافية، تسقط أسطورة "حق المصير"، حين مارس المشاركون في مؤتمر كجيجيمات، الذي انعقد بضواحي تيفاريتي، حقهم في تقرير مصيرهم بمحض إرادتهم الحرة، وقرروا الانخراط في المبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي، من خلال العودة الجماعية لأزيد من 50 عائلة من المخيمات، مساء أمس الثلاثاء، إلى أرض الوطن الأم، تلبية لنداء "إن الوطن غفور رحيم"، عودة كذب بها الصحراويون بوتفليقة، وقدموا له أبلغ جواب عن انزلاقاته، التي لا تكاد تنتهي.

فلا أحد يدري عن أي تصفية للاستعمار يقصد بوتفليقة، وعن أي مساندة جزائرية للجهود الدولية، فيما تثبت الوقائع تورط الجزائر، حتى العظم، في قضية الصحراء، تورط يتخذ أشكالا متعددة ومتنوعة، بدءا من الالتزام العسكري، إلى الإخلال بالقانون الدولي الإنساني، مرورا بالدعم المالي واللوجيستيكي، والتعبئة والتأطير الديبلوماسيين، فضلا عن التخبطات البئيسة في الأمم المتحدة، حين تقدم الجزائر نفسها مرة كـ"طرف معني"، ومرة كـ"فاعل مهم"، ومرة أخرى كـ"طرف أساسي" في تسوية النزاع.

والواقع أن الجزائر لا تأتي بجديد وهي تردد أسطوانة "تقرير المصير"، من زاوية إصرارها العنيد على معاكسة المغرب في حقه لاستكمال وحدته الترابية. فبعد أزيد من ثلاثين عاما من المناورة المغلفة بشعارات زائفة، انكشفت الدولة الجزائرية كطرف رئيسي في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وفي الوقت نفسه، أظهرت قيادة جبهة البوليساريو افتقادها مقومات الهوية كحركة تحرير، بل برهنت أيضا على افتقارها لمجرد الذكاء المفترض في حركة سياسية.

لعل الدولة الجزائرية، من منظور تعاطيها مع النزاع، الذي دخل عقده الرابع، أخطأت الهدف منذ البداية، عندما برأ الراحل هواري بومدين، في زلة لسان أو بحسابات ظرفية، بلاده من أي أطماع ترابية أو سياسية في الصحراء، وسجل على بلاده التسليم بالقضية كشأن يخص المغرب وموريتانيا، وكانت المنطقة آنذاك ما تزال تحت الاحتلال الإسباني، فيما كان المغرب يجهز لاستعادتها، في إطار مسلسل استكمال وحدته الترابية.

ذاك كان الخطأ الأول، أوالخطيئة الأصلية باستعارة التعبير المسيحي، للدولة الجزائرية، فلو كشفت أوراقها منذ البداية كان النزاع سيأخذ منحى آخر غير مسار الصراع، الذي كلف البلدين كثيرا على امتداد جيل كامل، ورهن طاقتهما في التنمية وعرقل المشروع المغاربي.

لقد جعلت القيادة الجزائرية، التي لم تتغير في الواقع، منذ أزيد من ثلاثة عقود، رغم اختلاف الوجوه في مقدمة الواجهة، إذ جعلت من معاكسة المغرب، والسعي إلى إضعافه، معطى ثابتا في سياستها الإقليمية، وهذا ما يفسر موقفها في الصحراء، وكل ما يتفرع عنه من ممارسات كانت وراء تعطيل انطلاق المشروع المغاربي. والآن وصلت إلى قدم الجدار والطريق المسدود، بعد أن كسب المغرب المعركة عسكريا في الميدان، وانفضحت سياسيا أمام الرغبة المعلنة للمغرب في السلام من خلال مشروع الحكم الذاتي، كحل سياسي ينهي النزاع المفتعل أصلا، دون المس بوحدته الترابية وبسيادته على أقاليمه الصحراوية، ويحرر طاقات البلدان المغاربية وشعوبها من أجل بناء المصير المشترك، في إطار الاحترام المتبادل وتبادل المصالح.




تابعونا على فيسبوك