معارضون للاتفاق مع الوزارة وحديث عن انقسامات جديدة

البحارة يستأنفون الصيد الساحلي وسط خلافات حول المكتسبات المحققة

الإثنين 25 فبراير 2008 - 08:25

تنفس بحارة الصعداء بعد استئناف الصيد عشية الاثنين، فيما بدت وجوه البعض الآخر حزينة. بين السرور والحزن انطلقت عملية الصيد، وعادت الحركة إلى الميناء مجددا، بعد فترة جمود لمدة ليست بالقصيرة.

على بعد أمتار من مدخل ميناء الصيد بالدارالبيضاء، تنبعث رائحة نتنة تزكم الأنوف رغم أن عملية الصيد لم تنطلق بعد، لكن مع ذلك يهرول العشرات من الربابنة "الرياس"، والمجهزين، والبحارة نحو الباب في اتجاه الرصيف، حيث ترسو المراكب، التي بدأت تتناوب لاقتناء الغازوال والثلج والماء، قبل الإبحار.

عاد الأمل من جديد للقطط التي بدأت تتحرك بين الصناديق الفارغة، كما تحركت الطيور التي تقتات من البحر، بعد أن تجمعت في مكان متسمرة في انتظار حل البحارة إضرابهم.
حوالي الرابعة والنصف عصرا، من يوم الاثنين، عند بوابة الميناء توقفت سيارة، قبل الولوج لتحية رجال الأمن، تحية تعتبر في الوقت نفسه، جواز مرور (ليسي باسي) لولوج الميناء، دون الحاجة إلى إبرازه، وقبل أن يستأنف صاحب السيارة الانطلاق نحو وسط الميناء، قابله "معارض" بكلام مستفز، "صافي بعتونا، صحابك قرروا يدخلوا البحر، فين القسم بعدم استئناف العمل إلا بتخفيض ثمن الغازوال إلى 5 آلاف درهم للطن".
لم يبال "ع" بهذا الكلام، واعتبره "استفزازا"، وتحرك نحو مجموعة من الربابنة والمجهزين، الذين تجمعوا في نقاش هامشي، ينتظرون وصول ممثلي بحارة الدارالبيضاء في لجنة الحوار مع وزارة الفلاحة والصيد البحري.

عادت الحركة إلى الميناء، لكن صاحبتها حركة جديدة، تجمعات هنا وهناك، "لتقييم حصيلة الإضراب ونتائجه"، وفي الوقت الذي لم يكترث "ع" بما اعتبره "استفزاز الخصوم" الذين كان "ضد الإضراب"، كان الرايس بلعيد كئيبا، أو في "جنازة"، على حد تعبير زميل له. إذ ظهر معارضون للاتفاق مع الوزارة، وهناك حديث عن انقسامات جديدة.

قال رشيد مجهز وربان، إن الحاج بلعيد "مصاب بإحباط"، وقاطعه عبد الكريم، "إنه شعور بالمسؤولية التي أوكلها له مجموعة من البحارة والربابنة لثقتهم في شخصه" لتمثيلهم في لجنة الحوار.

أما بلعيد، الذي فضل الصمت في البداية لإحساسه بـ "الشمتة"، أوضح أن "المشكل هو تهميشه وعدم إخباره بمواعيد الاجتماعات مع المسؤولين"، مشيرا إلى أن "المسؤولية تقع على المحاورين لكن بدوري أتحمل جزءا منها للثقة التي حظيت بها في أوساط البحارة والربابنة، كان من المفروض أن أدافع عن رأيهم".

وتساءل بلعيد عن "النتائج التي خلص إليها المتحاورون"، و"عن مصير من أقسم أن لا يدخل البحر إلا حين يخفض ثمن الغازوال إلى 5 آلاف درهم".

واعتبر مصدر من الربابنة أن معاناة بحارة مراكب الصيد بالجر الأكثر تضررا من الزيادة في ثمن الغازوال، مقارنة مع باقي بحارة مراكب الصيد الساحلي الآخرين.

وأوضح أن مركب الصيد بالجر يتطلب مواد "استهلاكية" قبيل الإبحار، تعرف في أوساط المهنيين بـ "الكاشطي"، وتتضمن بالإضافة إلى المحروقات ولوازم المحرك من زيت وشحم ومصفاة، مواد أخرى يتطلبها المطبخ، لمد الإبحار، ووصناديق السمك، أو ما يصطلح عليه بـ "الخاوي"، وثلج، ولوازم أخرى تدخل في باب مصاريف المجهز.

وأكد أن المعدل اليومي لـ "الكاشطي" يتراوح ما بين 8 آلاف و9 آلاف درهم، على اعتبار أن جل مراكب الصيد الساحلي في الدارالبيضاء تتراوح محركاتها ما بين 450 و600 خيل، مادام أن مراكب 215 خيلا شبه منعدمة في ميناء العاصمة الاقتصادية، وميزانية "الكاشطي" اليومي لهذه المراكب الأخيرة 6 آلاف و500 درهم في اليوم.
وتبحر مراكب 215 خيلا ما بين يوم ويومين في البحر، عكس مراكب 415 خيل التي تبحر على الأقل ثلاثة أيام، وقد تصل مدة إبحارها إلى سبعة أيام، أما المتوسط فهو خمسة أيام، ما يتطلب مصروفا إجماليا يقدر بـ 32 ألف درهم.

وأرجع مصدر بقاء هذا النوع من المراكب في البحر لمدة تصل إلى أسبوع، إلى غلاء الغازوال، وأوضح أن الربابنة والمجهزين يفضلون الصيد لمدة أطول لتغطية العجز الذي قد يحصل في حالة الإبحار في مدة أقصر.

وأضاف أن مصاريف إضافية يتطلبها مركب الجر، لتفادي استهلاك أكبر لمادة الغازوال، منها إعادة تجديد شبكة الصيد، وتغيير البابين الخلفيين للمركب وتخفيض وزنهما.

وأوضح المصدر أن مبيعات مراكب الصيد من السمك تقل أحيانا على المصاريف، إذ تتراوح ما بين 28 ألفا و60 ألف درهم، وتخصم المكوس والضرائب من مجموع المبيعات، ليس من الأرباح كما باقي القطاعات الإنتاجية الأخرى.

ولشرح خسارة مراكب الصيد بالجر، أكد مصدر من الربابنة أن معدل مبيعات السمك محدد في 28 ألف درهم، تقتطع منه ما بين 13.37 و18.37 في المائة من الضرائب والمكوس والمستحقات الاجتماعية الخاصة بالتأمين أحيانا.

وأضاف أن معدل الاقتطاع 16.37 في المائة من مجموع مبيعات السمك المحددة في 28 ألف درهم، تخلف 23 ألفا و520 درهما، وهو لا يغطي حتى مصاريف "الكاشطي" المحددة في 32 ألف درهم.

وأكد أن البحار وكل طاقم المركب، في مثل هذه الحالات، لا يتقاضون أي شيء، مادام أن البحار شريك المجهز لا عامل عنده، كما باقي القطاعات الإنتاجية الأخرى، مشيرا إلى أن توالي هذا العجز قد يدفع المجهز إلى اللجوء إلى الأبناك للاقتراض.

وحدد المصدر نسب الرسوم والاقتطاعات الاجتماعية والضريبية في 4.65 في المائة لصندوق الضمان الاجتماعي، و1.2 في المائة للصندوق ذاته، تتعلق برسوم التأمين الصحي الإجباري، و5 زائد واحد في المائة للمكتب الوطني للصيد البحري، 5 في المائة كباقي موانئ المغرب، و1 في المائة إضافية بالنسبة لميناء الدارالبيضاء، وما بين 3 و5 في المائة تؤدى عن التأمين عن حوادث الشغل، و1 في المائة للإغاثة.

وعلق ربان مركب ساخرا، تقتطع نسبة مائوية من المبيعات البحار يكون في أمس الحاجة لها، مثل التأمين، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والإغاثة والمكتب الوطني للصيد البحري دون أن يستفيد هذا البحار، لا من الإغاثة، ولا من التأمين الصحي الإجباري، ولا من نظافة ميناء وحماية اجتماعية وصحية، وأمن الميناء.

وقال إن الشراكة التي تربط بين المجهز والبحار والربان، وكل طاقم المركب تفرض الاقتطاع على مصدر المبيعات وبالتالي يتأثر مدخول البحار الشهري.

وأردف المصدر موضحا، أن المبلغ الذي يتحصله المجهز من مبيعات السمك المصطاد، تقتطع منه الرسوم والضرائب، كما تقتطع مصاريف الإبحار "الكاشطي"، ويقسم على اثنين، نصف لفائدة المجهز، والنصف الثاني لفائدة طاقم المركب.

واستدرك قائلا "لنفرض أن المركب اصطاد ما قيمته 60 ألف درهم من السمك، مع العلم أنه الحد الأقصى، الذي من الممكن اصطياده في مثل هذه الظروف، فإن مجموع الاقتطاعات تصل إلى 9 آلاف و600 درهم، ويقتسم المبلغ المتبقي، 150 ألفا و400 درهم على اثنين، ثم تقتطع منه مصاريف الإبحار "الكاشطي"، أي 32 ألف درهم، والباقي 19 ألف درهم، يوزع على قسمين، 9 آلاف و900 درهم نصيب أو قسمة المجهز، ومثلها نصيب طاقم المركب".

وأضاف أن الشراكة بين المجهز والطاقم تفرض القسمة، موضحا أن النصف الخاص بطاقم المركب يوزع على الشكل التالي، إذ يتقاضى الربان الرئيسي، أو الرايس 3 قسمات أو نصيب من مجموع نصيب الطاقم، (القسمة بلغة البحارة تسمى "الباي")، فيما يتقاضى الربان المساعد نصيبين، وهو النصيب ذاته الذي يتقاضاه الميكانيكي وكذا خليفة المركب، المسؤول عن البحارة، أما مساعد الميكانيكي والطباخ فيتقاضيان لكل واحد منهما 1.5 قسمة، ويتقاضى البحار الذي يشتغل في "العنبر"، ويطلق عليهم "العنابرية" 1.25 قسمة، وأما البحارة "كوبيرتة"، الذين يشتغلون بين "العنبر" والسطح، فيتقاضى الواحد منهم 1.125 قسمة.

وأضاف أن هناك عناصر أخرى تدخل في إطار هذه القسمة أو النصيب، مثل خياط الشباك الذي يتقاضى 0.75 قسمة من نصيب البحارة، ومثلها من نصيب المجهز، أي ما مجموعه 1.5 قسمة، وهناك أيضا حارس المركب الذي يتقاضى أجره بالقسمة، وآخرون بالصندوق، موضحا أن الحارس الذي يتقاضى أجرته بما يصطلح عليه "الصندوق"، يتقاضى 40 درهما في اليوم بما يعرف بـ "الفقيرة"، و60 درهما في الأسبوع، إضافة إلى مساعدات المجهز وطاقم المركب. وحدد المصدر المدخول الدوري للحارس ما بين 2500 درهم و4 آلاف درهم في الأحوال الجيدة.

وهناك أيضا، يضيف المصدر، الحارس المساعد، وطالب معاشو، ويتراوح عددهم ما بين 4 و5 أفراد، يتقاضون حوالي 50 درهما في كل عملية بيع للسمك، عبارة عن سمك، أو "الصندوق" كما يصطلح عليه في عالم الميناء.

ويجلس بالتناوب بحار، يطلق عليه "سكانسو"، يتقاضى إضافة إلى نصيبه المعتاد 50 درهما، من المجهز، يصطلح عليها "الرونشو"، إضافة إلى حقه من السمك مثله مثل باقي طاقم المركب والمجهز.

واستغرب المصدر إقحام بعض المجهزين ما يعرف بـ "المقابل"، أي الذي يراقب السمك وعملية البيع نيابة عن المجهز، ضمن قسمة البحارة، والمفروض أن يتكلف المجهز بأداء راتبه، لأنه يقوم بعمل من اختصاص المجهز.

وأكد المصدر أن أفراد طاقم المركب يتقاضون مبالغ مالية إضافية، تعتمد مصروفا يوميا للبحارة، في انتظار مجموع ما يتحصلونه من القسمات، ويطلق عليها في عالم الميناء مصطلح "الكوبيرتة"، موضحا أن البحارة يستفيدون من البيع المباشر لسمك من الدرجة الثانية، لا تتوفر فيه شروط البيع بالمزاد في سوق الميناء. ويباع هذا الجزء من السمك المصطاد "الكوبيرتة" على سطح المركب، ويقتسم مدخول بيعه، الذي لا يتجاوز 4 آلاف درهم في أحسن الأحوال، بين الطاقم والمجهز، تضاف إليه "فقيرة السوق"، التي تحدد في 350 درهما توزع على الشكل التالي، 100 درهم للطاقم، و60 درهما توزع على مجموع "طالب معاشو"، و10 دراهم للخياط.

وأشار المصدر إلى أن المجهز بدأ من متاعب مالية مع الزيادات المتتالية في الغازوال، ما أدى بالبعض إلى الإفلاس، موضحا أن المجهز مطالب في غالب الأحيان بأداء أقساط السلف البنكي والمكوس والضرائب والرسوم، وما تتطلبه صيانة محرك المركب، والصباغة كل 8 أشهر، حوالي 400 ألف أو 500 ألف درهم، حيث يرسو المركب في ورش الإصلاح لمدة تتجاوز 10 أيام.

وأضاف أن المدة تتضاعف لتصل إلى 3 أو 4 أشهر، حين الإصلاح التي تتطلب من 600 ألاف و120 ألف درهما. ناهيك عن رخصة الصيد ومصاريف الجانب الصحي، ورخصة الاتصال، والضريبة السنوية.

أما مشاكل البحارة فتتنوع بدورها من مركب لآخر، لكن تبقى المشتركة بينهم كثيرة، خاصة أن جل العاملين بمراكب الجر في ميناء الدارالبيضاء هم من الوافدين من مدن آسفي وتطوان الجديدة وأكادير وضواحي الدارالبيضاء، ما يضطر معه البحار إلى المبيت في المركب، بدل السفر إلى بيته على بعد مئات الكيلومترات أحيانا.

وأوضح المصدر أن القلة القليلة من يفضل كراء غرفة في إحدى المنازل بالمدينة القديمة، أو النوم في غرفة في فندق من فنادقها الرخيصة، كي يتفادى ضياع الوقت والمال في الآن نفسه حين زيارة أسرته، مؤجلا ذلك إلى المناسبات الدينية التي يتقاضى خلالها مجموع ما كسبه خلال شهرين أو ثلاثة أشهر من الإبحار.

وأسف المصدر لتهميش المسؤولين لهذه الفئة الاجتماعية، وطالب بناء إقامات خاصة بالبحارة تأويهم شر تحولات الطقس حين يعودون من البحر، ومراكز للترفيه، ومقاهي في مستوى رجال البحر وعطائهم ونادي يجمعهم بدل البحث عن فضاء خارج الميناء، لقضاء وقت الفراغ على قلته.

واستغرب المصدر ذاته، لاعتماد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الثلاث سنوات الأخير، قبل بلوغ سن التقاعد، كمعدل يعتمد عليه في صرف تقاعد البحار، مشيرا إلى أن هذه المرحلة يكون البحار في أضعف مراحله ويقل عطاؤه نتيجة عامل الزمن، ودعا إلى ضرورة اعتماد السنوات الأكثر عطاء كمعدل، لأن عالم الصيد والبحار يختلف عن باقي القطاعات الإنتاجية الأخرى، موضحا أن البحار يتراجع مدخوله الشهري مع سنوات العد العكسي للتقاعد، فيما يرتفع أجر الأجير في باقي القطاعات الإنتاجية.

ولم يفت المصدر في توجيه اللوم للبحارة، لما آلوا إليه، "لأنهم لا ينتظمون في إطار يحمي مصالحهم ويدافع عنها".

وفي الختام، عبر مجموعة من البحارة والربابنة عن رغبتهم في الحفاظ على الاقتطاعات الخاصة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من المبيعات الإجمالية، عكس باقي الاقتطاعات الأخرى التي جرى الاتفاق بين المهنيين ووزارة الفلاحة والصيد البحري على التقليص من الاقتطاعات المفروضة على المبيعات، ومع الأخذ بعين الاعتبار التحملات العامة لوحدات الصيد الساحلي.

يذكر أن وزارة الفلاحة والصيد البحري، أعلنت يوم الاثنين الماضي، أنه جرى استئناف أنشطة الصيد الساحلي بمختلف موانئ المملكة إثر الاتفاق الذي جرى الوصل إليه اليوم نفسه، بين الوزارة ومهنيي القطاع.

وأفاد بلاغ للوزارة أنه بعد سلسلة من الاجتماعات، اتفق الطرفان على تخصيص جزء من الموارد المالية، المخصصة لتحديث أسطول الصيد الساحلي، للتخفيف من انعكاس ارتفاع أسعار الغازوال.

ويتضمن الاتفاق أيضا التقليص من الاقتطاعات المفروضة على المبيعات، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار التحملات العامة لوحدات الصيد الساحلي. كما أوصى بتبسيط المساطر الإدارية المطبقة على وحدات الصيد الساحلي.

وأضاف المصدر ذاته، أن الطرفين اتفقا على مواصلة المشاورات مع وزارة الطاقة والمعادن وموزعي المحروقات، من أجل تفعيل إجراء التخفيض من سعر المحروقات الذي أعلنت عنه بعض الشركات، وتعميمه على مختلف موانئ المملكة.

وأشار البلاغ إلى أن الهدف من هذا الإجراء، هو عدم تجاوز ثمن 5 آلاف درهم كسقف أقصى لسعر الطن الواحد من الغازوال؛ بهدف ضمان مردودية وحدات الصيد الساحلي والحد من انعكاسات ارتفاع أسعار الغازوال على تكاليف الاستغلال.

كما قرر الطرفان إحداث لجنتين مختلطتين تتوليان السهر على تفعيل التدابير المعتمدة.




تابعونا على فيسبوك