حلقة بارزة في مسلسل التحرير والوحدة

الذكرى 50 للزيارة الملكية التاريخية إلى محاميد الغزلان

الإثنين 25 فبراير 2008 - 21:30
جلالة المغفور له محمد الخامس خلال استقباله أبناء القبائل الصحراوية

يخلد الشعب المغربي، وفي طليعته رجال الحركة الوطنية وأسرة المقاومة وجيش التحرير، اليوم الاثنين (25 فبراير)، الذكرى الخمسين للزيارة التاريخية التي قام بها بطل التحرير، جلالة المغفور له محمد الخامس إلى محاميد الغزلان سنة 1958.

حيث استقبل جلالته في مثل هذا اليوم ممثلي وشيوخ وأبناء القبائل الصحراوية، وتلقى بيعتهم وولاءهم، وجسد في خطابه التاريخي بالمناسبة، مواقف المغرب ونضاله وتحقيق وحدته الترابية.

وجاء في مقال للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، توصلت "المغربية" بنسخة منه، أن هذه الزيارة أتت بعد ملاحم الكفاح الوطني المرير ضد الاحتلال الأجنبي، وكانت تعبيرا واضح المعالم عن عزم الشعب المغربي الأبي بقيادة العرش العلوي المجيد على استكمال استقلاله، وحرصه على استرجاع أراضيه المغتصبة.
ويضيف المقال أن هذا ما أكده بشكل صريح، فقيد العروبة والإسلام، جلالة المغفور له محمد الخامس، في خطابه السامي أمام سكان محاميد الغزلان، ومن خلالهم إلى الأمة المغربية والعالم أجمع، حيث قال: «...سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا، وكل ما هو ثابت لمملكتنا بحكم التاريخ ورغبات السكان، وهكذا نحافظ على الأمانة التي أخذنا أنفسنا بتأديتها كاملة غير ناقصة..».

وكشف قائد المسيرة الخضراء المظفرة، جلالة المغفور له الحسن الثاني، إبان زيارته الميمونة إلى محاميد الغزلان بتاريخ 11 أبريل1981، في خطابه السامي بالمناسبة، عن المضامين السياسية لزيارة والده المنعم، وعن الدلالات التاريخية العميقة التي يرمز إليها هذا الحدث الوطني المجيد، حيث قال جلالته مخاطبا سكان محاميد الغزلان: «إن الذاكرة ترجع بنا إلى الوراء، ترجع بنا إلى سنة 1958، حينما زاركم والدنا المنعم محمد الخامس، وإننا لنذكر تلك الزيارة باعتزاز وتأثر، نذكرها باعتزاز، لأن من هنا انطلق صوته رحمة الله عليه مطالبا باسترجاع الأراضي المغربية حتى تتم الوحدة الوطنية، ونذكرها بتأثر لأنها لم تكن صيحة في واد بل كانت نداء وجد أعظم صدى، وكان عرسا له أكبر نماء، وكان درسا في السياسة والصبر والمصابرة ها نحن اليوم نجني ثماره».

لقد أعلن جلالة المغفور له محمد الخامس فور عودته منتصرا من المنفى السحيق، يوم 16 نونبر 1955، يحمل إلى الشعب المغربي الأبي بشرى الاستقلال والحرية، حرصه على إعادة بناء الكيان الوطني وفق قاعدة الاندماج بين مناطقه وأقاليمه، وتحطيم الحدود الوهمية المصطنعة الموروثة عن العهد الاستعماري، فقبل أيام من زيارته لربوع ورزازات وزاكورة، ألقى الملك محمد الخامس خطابا بعرباوة يوم 16 فبراير 1958، جاء فيه: «..وإن مجيئنا الرمزي إلى هذا المكان ليؤذن بأنه لن يبقى بعده شمال وجنوب إلا في الاصطلاح الجغرافي العادي، وسيكون هناك فقط المغرب الموحد".

في غمرة هذه الأجواء الوطنية، توجه الموكب الملكي إلى هذه المنطقة المجاهدة لصلة الرحم بأبنائها، فهب المواطنون عن بكرة أبيهم لاستقباله، كما توافد العديد من المواطنين من الأقاليم الجنوبية، وأعضاء جيش التحرير لاستقبال جلالته، وهو الاستقبال الذي أوردت جريدة (العهد الجديد) وصفا رائعا له، جاء فيه: «كان الموكب يمر وسط آلاف المواطنين الذين هبوا من مختلف النواحي لتحيته والهتاف بحياته، وكان جلالته ينزل من سيارته كلما وصل قرية من القرى ليرد على تحية سكانها».

وبقدر ما كانت هذه الزيارة الملكية الميمونة تجسيدا للعلاقات القائمة على امتداد قرون بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الأبي، بقدر ما كانت تأكيدا وتثمينا لنضال وجهاد مواطني المناطق الجنوبية من أجل التحرير والوحدة، لقد أظهر أبناء الأقاليم الجنوبية تعلقا متينا وراسخا بوطنهم وملكهم ودينهم، كما أبدوا اعتزازا عميقا بانتمائهم إلى الرصيد الكفاحي التاريخي الذي جمع سكان الصحراء بإخوانهم في باقي مناطق البلاد خلال فترات تاريخية وجهادية ضد الاحتلال الأجنبي.

وتظل المعارك التي خاضها جيش التحرير بالجنوب، الذي شكل أبناء الأقاليم الصحراوية عموده الفقري منقوشة في سجل ملاحم هذه الأمة بمداد الفخر والاعتزاز والإكبار والإجلال، وهي المعارك التي أظهر فيها سكان الجنوب قدرة فائقة على الجهاد والتضحية والفداء، مكرسين بذلك تقاليد الكفاح الوطني التي أسسها أسلافهم عبر الحقب والعصور، والتي لم تكن ملحمة معارك بوغافر، بجبل صاغرو سنة 1933 إلا واحدة منها.
نعم، لقد جنى المغرب ثمار كفاحه المستميت والمتواصل، حيث جرى استرجاع مدينة طرفاية في سنة 1958 ومدينة سيدي إيفني سنة 1969، وكان ذلك بفضل السياسة الحكيمة التي نهجها فقيد الأمة جلالة المغفور له الحسن الثاني، الذي عمل جاهدا من أجل توحيد البلاد، وتخليص مناطقها الجنوبية من الوجود الأجنبي، ومكنته عبقريته الفذة، وحنكته السياسية، من تحقيق ذلك عبر المسيرة الخضراء المظفرة التي نادى بها يوم 16 أكتوبر1975، داعيا شعبه الوفي للتوجه إلى الصحراء المغربية في مسيرة شعبية، سلمية سلاحها القرآن لاسترجاع الحق المسلوب، ولصلة الرحم بإخواننا هناك، حيث كان في مقدمة طلائع المتطوعين أبناء الأقاليم الجنوبية وضمنهم أبناء منطقة محاميد الغزلان وإقليم زاكورة المجاهد.

هكذا كانت المسيرة الخضراء تجسيدا فعليا لمضامين الخطاب السامي الذي وجهه بطل التحرير، جلالة المغفور له محمد الخامس إلى سكان محاميد الغزلان، ومحطة بارزة في مسار استكمال الوحدة الترابية.

وعلى هذا النهج الثابت، يواصل صاحب الجلالة الملك محمد السادس ملحمة الدفاع عن الوحدة الترابية وصيانتها، وتثبيت مغربية الأقاليم الصحراوية التي كانت وستبقى جزءا لا يتجزأ من أركان الوطن في ظل السيادة الوطنية.

إن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تخلد هذه الذكرى المجيدة، لتسعى من وراء ذلك إلى ربط الحاضر بالماضي، وتلقين الأجيال الصاعدة تاريخ الكفاح الوطني الزاخر بالملاحم والأمجاد، تمشيا مع التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الرامية إلى الاعتزاز بأمجادنا وذكرياتنا الوطنية الخالدة، واستحضار تضحيات شهدائنا الأبرار، شهداء الحرية والاستقلال والوحدة الترابية، لاستلهام دلالات كفاحهم وجهادهم، والتذكير بتضحياتهم الجسام في سبيل إعلاء راية الوطن وإذكاء الروح الوطنية الخالصة والأصيلة، ومواقف المواطنة الإيجابية والفاعلة، والمسؤولة في ملاحم الجهاد الأكبر لبناء المغرب الجديد، وتوطيد دعائم ارتقائه الموصول على درب الحداثة والديموقراطية والنهضة الشاملة والمستدامة.




تابعونا على فيسبوك