فاطمة تكسب 100 درهم تدفع منها 40 درهما رشوة

التهريب عبر حدود سبتة رحلة عذاب يومية

السبت 23 فبراير 2008 - 08:05

يوم آخر من السب والضرب والتنكيل ينتظر فاطمة المسنة، على حدود مدينة سبتة المحتلة، حيث اعتادت، منذ أكثر من أربعين سنة، على تهريب بضائع معيشية، للمتاجرة وربح بضع دريهمات، لإعالة نفسها وأسرتها.

تقول فاطمة الزغارية، التي تقدر عمرها بنحو 70 سنة، وقد تحالف الزمن والسلع التي دأبت على حملها على تحديب ظهرها "منذ نحو 45 سنة، وأنا أشتغل في التهريب ولم أستفد شيئا. مرة يحتجزون سلعتي، ومرة أضرب، وينكل بي، وحتى عندما ادفع رشوة أضرب وأشتم".

وتتابع، بملامحها الباهتة المجعدة، وقد غلبها الحزن "أحيانا أعود إلى أبنائي مدمية ومعنفة، وأحيانا صفر اليدين، ومرات قليلة بربح ضئيل". وتقول إنها تكسب 100 درهم في المرة، وفي أحسن الأحوال تدفع ما بين 30 إلى 40 درهما رشوة "الرشوة هنا شيء عاد، لا يخفى على أحد، ندفع رشاوى لنتمكن من العبور بسلعنا".

ويتوجه الآلاف من المغاربة، من سكان المناطق القريبة من سبتة، إلى داخل المدينة المحتلة، للاشتغال في التهريب طوال الأسبوع، باستثناء أيام الجمعة والسبت والأحد.
وتشمل السلع المهربة مواد غذائية بسيطة، ومواد تجميل، وعطورا، وملابس، وهي في الغالب ذات جودة متدنية.

وتعيش المئات من الأسر المغربية الفقيرة، في تطوان والمناطق القريبة، من هذه التجارة المعيشية، لمواجهة متطلبات الحياة اليومية، بينما تستفيد مدينة سبتة اقتصاديا من هذه التجارة، خاصة أنها لا تتوفر على أنشطة اقتصادية مهمة مثل السياحة أو الصناعة، بينما يقول المغرب إن تجارة التهريب، تكلفه خسائر تقدر بنحو 1.75 مليار درهم (227 مليون دولار) سنويا.

ونقلت وكالاة رويترز عن جمركي مغربي قوله "نحن نغض الطرف في كثير من الأحيان عن المهربين الصغار، لأنهم فقراء جدا، يعيشون من هذه التجارة، لكن عندما يتعلق الأمر بعمليات تهريب كبيرة، فإننا لا نتساهل مع ما يضر باقتصاد بلدنا".

وفي الممر الحدودي، عادة ما يصيح عناصر الشرطة الإسبانية تصيح في وجوه المهربين، ويدفعونهم بقوة "فويرا... فويرا"، أي إلى الخارج.

يقول عبد القادر (32 سنة)، الذي يشتغل حمال سلع لمهرب لا يكلف نفسه مشقة التبضع "لا بديل لي عن هذا الشغل، لدي طفلان، وزوجتي عاطلة، ماذا سأشتغل؟ أبيع أكياس البلاستيك؟ أم أتاجر في المخدرات؟ ليس هناك مصانع في تطوان، ولا مستواي الدراسي يؤهلني لأحصل على وظيفة محترمة". ويضيف "أشتغل حمالا، أنا وعدد من الأشخاص، لحساب الشخص نفسه، أربح نحو 100 درهم في اليوم. صاحب السلع يغتني، ونحن نحصل على الشتائم والضرب".

وتطالب جمعيات المجتمع المدني المغربية بتنمية منطقة الشمال المغربي اقتصاديا لمساعدة العائلات الفقيرة على التنمية، بدلا من الاتجاه نحو تجارة التهريب والمخدرات، التي تنشط في المنطقة.

وتسمح السلطات الإسبانية فقط للمغاربة المقيمين في المناطق الشمالية القريبة، مثل تطوان ونواحيها، بالدخول إلى سبتة. لكن عدد المهربين تضاعف في السنوات الأخيرة، وبدأ يتوجه حتى مغاربة من داخل المغرب إلى سبتة لمزاولة هذا النشاط.

تقول سيدة قدمت نفسها باسمها الأول فقط ،عائشة (45 سنة) "هناك مشاكل الاكتظاظ، وما نتعرض له من تنكيل نتيجة كثرة الضغط، ومسؤولية أعوان السلطة المغربية، الذين يتلقون رشاوى، ويمنحون مغاربة قادمين من داخل المغرب شهادات إقامة في تطوان مزورة، ليتمكنوا من الدخول إلى سبتة".

ورغم أن المحلات التجارية في سبتة هي المستفيد الأول من هذه التجارة، فإن عددا من التجار باتوا يشتكون من المهربين المغاربة. يقول عبدالله، وهو تاجر إسباني من أصل مغربي، قدم نفسه باسمه الأول فقط "المهربون المغاربة يضايقوننا بسلعهم الرخيصة، 99 في المائة منها سلع صينية غير ذات جودة، وبحكم تزايد أعداد المهربين في الأعوام الأخيرة، أصبحوا يسدون الطريق أمام الزبائن القادمين ليشتروا منا".

لكن لويس مورينو، رئيس غرفة التجارة في سبتة، نفى وجود التهريب بين سبتة والمغرب قائلا "التهريب لا يوجد في سبتة، البضائع تباع بطريقة مشروعة، وتدخل إلى المغرب بطريقة مشروعة، حيث تراقبها السلطات المغربية". إلا أنه أضاف "آلاف الأسر المغربية في شمال المغرب تعيش من هذه التجارة، وللأسف الدولة المغربية تخسر العديد من الضرائب على المداخيل بسبب هذه التجارة.. نتمنى أن يتغير الوضع".

ويقول محمد علي اللماغ، وهو إسباني من أصل مغربي، ورئيس حزب الاتحاد الديموقراطي الشعبي المحلي في سبتة، إن "سبتة عاشت دائما من تجارة من نوع خاص، لا أسميها تهريبا". وأضاف "هذه التجارة بدأت تتراجع بسبب مشاكل تشديد الرقابة على الجمارك، خوفا من تنامي الهجرة غير الشرعية والإرهاب والتهريب. إذن، لا بد من أن نضع خطة عمل بالنسبة للمستقبل، لأن هذا النوع من التجارة لا يمكن أن يكون هو محرك اقتصاد المدينة".

(عن "رويترز" بتصرف من "المغربية")




تابعونا على فيسبوك