حلت ماروك سوار، مساء يوم الجمعة المنصرم، ضيفة على المجلس الأعلى للحسابات، التي توكل إليه مهمة مراقبة الأموال العمومية وطريقة تدبيرها في وزارات ومؤسسات الدولة، ومدى تحقيقها للصالح العام، فيما حل أحمد الميداوي، رئيس المجلس، ضيفا على منتدى "90 دقيقة للإقنا
الذي شكل مناسبة لكشف النقاب عن عدد من المحطات، التي مر بها المجلس، منذ أن انبثق عن اللجنة الوطنية للحسابات، في أبريل 1960، وإلى حين صدور قانون 2002، وكذا الأشواط التي قطعها قبل أن يصبح مؤسسة دستورية تتمتع باستقلالية تامة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.
قال رئيس المجلس إن "مهمتنا هي إنجاز عمل هادف وموضوعي وعادل، ينشد قول الحقيقة دون محاباة". وبلهجة صارمة، أكد الميداوي أن المجلس يعمل وفق استراتيجية محددة، جرى توضيح معالمها خلال التقارير السابقة الصادرة، التي تضمنت أيضا إعادة هيكلة المجلس الأعلى للحسابات (2003 – 2004)، وكذا وضع آليات تنفيذ المجلس للمهام والأعمال المنوطة به (2004 – 2005).
وبشأن تقرير 2006، الذي كشف النقاب عن تدبير المالية العامة في عدد من المؤسسات، وسلط الضوء على الخلل في عدد من المؤسسات، مثل الصندوق الوطني للتقاعد، قال الميداوي بلغة القاضي "إننا بصدد حسابات، وإنجاز الحسابات ينبني على قواعد، خذوا مثلا لو أنني توصلت بغلاف مالي من 9 ملايير درهم، وتوجهت إلى البورصة، وفقدتها دفعة واحدة، خصني نحشم على عرضي".
كما تطرق إلى عدد من القضايا التقنية المرتبطة بآليات مراقبة المالية العامة، وانتقالها من مرحلة مراقبة حسابات المحاسبين، إلى مراقبة حسابات الآمرين بالصرف، ومراقبة حسابات التسيير، وهي مرحلة تمكن المجلس من المساهمة في تقييم التدبير والتنقيب عن الجدوى وتقديم الملاحظات.
*** في البداية أتوجه إليكم بالشكر على قبولكم استضافتنا في مقر المجلس الأعلى للحسابات، من أجل فتح النقاش، الذي تعودنا على إجرائه مع ضيوف منتدى "90 دقيقة للإقناع"، بشأن عدد من القضايا المرتبطة بعمل المجلس، خاصة بعد أيام قليلة على صدور تقرير المجلس الأعلى للحسابات للموسم 2006. ونأمل كذلك إطلاع الرأي العام، من خلال منشورات مؤسسة ماروك سوار، على دور المجلس، وعلاقته بالمتدخلين الآخرين، ومراقبي المالية العمومية، ونود كذلك التطرق للأوراش، التي فتحها المجلس الأعلى للحسابات.
سؤالنا الأول، ما هي قراءتكم لردود فعل مختلف الأطراف، التي شملها تقرير المجلس لسنة 2006؟
- بداية، اسمحوا لي أن أجدد الترحاب بكم، وأشكركم على استضافتكم لي في هذا المنتدى. في ما يتعلق بسؤالكم، كنا منذ الخطوة الأولى قررنا أن ننخرط في عمل هادف وموضوعي مطابق للقانون، وكذلك للمعايير المهنية المتعارف عليها دوليا في المجال، وهنا أود الإشارة إلى أننا لا نقيم عملنا أو مشاريعنا، بناء على ردود الفعل الصادرة عن المحيط، الذي يشكل نطاق التحقيق والبحث والمراقبة لعمل المجلس، لأننا لا نبحث عن رضى هذا المحيط، ولكننا نبحث عن تحقيق المصلحة العامة، وفق القانون، وطبقا للمعايير القانونية المعمول بها على الصعيد الدولي، وعندما تكون ردود فعل المحيط، في نظرنا، غير متطابقة مع العمل الذي قمنا به، عندها نقدم التوضيحات اللازمة، لأن هدفنا هو رهن خدمة جلالة الملك، والشعب المغربي، والدولة المغربية، والمصلحة العامة. مهمتنا هي إنجاز عمل هادف وموضوعي وعادل، ينشد قول الحقيقة دون محاباة، ولأن هدفنا كذلك هو العمل على تقدم هذا البلد، وليس مجرد الإيحاء بأننا نعمل، بل يجب أن نعمل.
يجب كذلك أن أشير إلى أن المهمة، في حد ذاتها، ليست سهلة، فالميدان معقد، ويرتبط بآليات مالية واقتصادية متشعبة. وفي بعض الأحيان، عندما يجري التعامل مع المجال دون التعمق، يمكن أن نقع في سوء الفهم. وبهذه المناسبة، أود أن أشكركم على تسليط ولو قليل من الضوء على ما نقوم به، طبعا في إطار القانون، وخدمة الصالح العام، بكل موضوعية ودون محاباة.
*** هل عملية التدقيق في الحسابات، التي يقوم بها المجلس قادرة على إصلاح الوضعية والحفاظ على الممتلكات العامة للدولة، وقبل الجواب عن هذا السؤال، ماذا عن السرعة القصوى لإنجاز المجلس لمهامه، إذ بدأنا نلمس بعض التقدم في الآونة الأخيرة؟
- اسمحوا لي أن أقول لكم إننا لم نصل بعد إلى السرعة القصوى، نحن في بداية مسلسل طويل ومعقد، وتتداخل فيه مجموعة من المكونات، والأمر يتطلب صبرا كبيرا، وإرادة قوية، وقرارات عديدة، وخطة عمل استراتيجية، ذات مضامين بيداغوجية وهيكلية، لا تتوقف أبدا عن التطور والتوسع. والمجلس الأعلى للحسابات، بصفته منبثق عن اللجنة الوطنية للحسابات، في أبريل 1960، لم يكن وقتها مؤسسة ذات طابع قانوني، بل كان مجرد مؤسسة إدارية يرأسها قاض، من أجل القيام بفحص خارجي للمالية العامة، وحدث بعد ذلك تطور سنة 1979، ظهرت على إثره، ولأول مرة، مؤسسة ذات طابع قانوني كمجلس للحسابات برسم القانون، مهمتها التدقيق في حسابات المحاسبين وتقييمها، من حيث احترامها لمعايير المحاسبة، ومدى صرف الأرصدة المعتمدة في المشاريع والمهام، بحسب برامج توقعات الدولة.
عندما نأخذ مجموع العمليات، التي يقوم بها المجلس، مثل التدقيق في الحسابات، وفي صرف الميزانيات المعتمدة، وفي نشاط الآمر بالصرف، كلها عمليات تندرج في إطار المراقبة التقليدية. والهدف هو الانتقال إلى مراقبة متطورة للحسابات، تتعلق بتقييم التسيير، في حين أنه لم يكن ممكنا في السابق أن نلقي الضوء على جودة التسيير ومردوديتها. وبحسب قانون 1979، نجد أنه تطرق إلى إمكانية تقييم وتقدير التسيير، واسمحوا لي أن أسوق لكم المثال التالي: عندما نكون مرتبطين بحساب المحاسب، بصفته عون عمومي ينفذ عمليات لفائدة حسابات الدولة، على مستوى الإيرادات والنفقات، يمكنه أن ينفذ مجموعة من العمليات لفائدة عدة آمرين، ولعدة مؤسسات، الأمر الذي يعطيكم فكرة دقيقة عن نوعية وطبيعة العمليات، التي قام بها هذا العون العمومي، تدقيقا في عمل موظف عمومي آخر وهو المحاسب، والهدف بطبيعة الحال هو الحصول على مزيد من الشفافية والوضوح بشأن نشاط مؤسسة قد تكون وزارية أو شركة عمومية، وهو ما يقودنا إلى التأكد من جودة العمل ومهنية الشخص، أكثر من التدقيق في الحسابات، التي تتعلق بأنشطة عمومية.
ثم جاء نص قانون 2002، لتطبيق ما جاء في ديباجة القانون الأساسي للمجلس الأعلى للحسابات لعام 1996، كمؤسسة دستورية مؤهلة للقيام بالأعمال المنوطة بها، أولها لم يعد الأمر فقط يتعلق بقضاء أعلى، مؤسس على قانون الحسابات، فالوضع الإداري لم يكن واضحا، وغالبا ما كان هناك تداخل بين ما يقوم به المجلس الأعلى للحسابات، الذي ظهر كجهاز مكمل للدور، الذي تقوم به وزارة المالية، بينما أنشطتهما تندرج في سياقين مختلفين تماما. عندما أصبح المجلس مؤسسة دستورية، سجلت الإرادة الملكية، وكذا إرادة الدستور، وإرادة المشرع المغربي، بقرار واضح، تأسيس قضاء أعلى لمراقبة المالية العامة، يكون مستقلا تماما عن كل من الحكومة والبرلمان، أي عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، ولا يتعلق الأمر فقط بمبدأ فصل السلط، ولكن بحكم طابعه الدستوري، أصبح يتمتع بمزيد من القوة، وعدد من المهام، من أجل تنفيذ العمليات المخولة إليه بحكم القانون، بمعزل عن أي ضغوط، سواء كان من الحكومة أو البرلمان. وهذا أمر مهم، لأنه كما في الدولة العصرية، بما أن الحكومة تتكون من الأغلبية الممثلة في البرلمان، فالمدقق الأعلى للحسابات، ولو أنه مستقل عن الحكومة، إلا أنه تابع للبرلمان، كما هو الشأن في عدد من الدول، مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والبلدان الإسكندنافية، فالأغلبية البرلمانية التي تشكل أو تدعم الحكومة، لن تكون في هذه الحالة قادرة، بشكل مطلق، على تسليط الضوء، بكل شفافية، على عمل الحكومة في ما يتعلق بالتدقيق في المالية العامة، سواء على مستوى النفقات أو الإيرادات.
بالنسبة للمغرب، لم يختر الانطلاق من فراغ، وامتثل، لتأسيس هذه المؤسسة، إلى النسيج المؤسساتي للبلاد، في إطار التقاليد التاريخية، وكذا ضمن محيطيه، في الحاضر والمستقبل، فالمغرب ينتمي، على المستوى المؤسساتي، في ما يتعلق بالمعايير الأساسية، إلى النسيج المؤسساتي للحوض البحر الأبيض المتوسط. وقد اعتمدنا نموذجا يجعل من مؤسسة المجلس الأعلى للحسابات، مؤسسة مستقلة عن البرلمان وعن الحكومة.
هذا هو أول شيء مهم، أما الأهمية الثانية، فتكمن في أنه لن تعود حسابات المحاسبين وحدها تحت مراقبة المجلس، ولكن ستخضع أيضا للمجلس كل حسابات المحاسبين التي تدخلت في عمليات تتعلق بمصلحة عامة للدولة، على مستوى الجهة، أو في جماعة محلية معينة، أو مؤسسة عمومية، أو مقاولة اقتصادية عمومية. وسيجري الوضع ذاته أيضا على حساب التسيير، الذي سيطلب من الوزير المعني بالأمر، ومن المدير العام للمؤسسة المسؤولة، ومن رئيس الشركة المسؤولة، عندما نكون بصدد المحاسبة التقليدية، يصبح لنا حسابان للتسيير، بخصوص الوزارة نفسها أو المؤسسة نفسها، في موضوع واحد، إذ يكون حساب لدى الآمر بالصرف، وآخر لدى المحاسب، وهو ما يسمح بإجراء مقارنة بين الحسابين، عبر كافة مراحل عمليات تنفيذ المالية العامة، وليس حسابات تتعلق أو ترتبط بأشخاص.
هذا لا يعني أن المجلس الأعلى للحسابات لا يجري مراقبة على حسابات الأشخاص، يمكنه أن يفعل ذلك عندما يشعر أن نقصا ما يعتري عمليات قام بها محاسب عمومي، أو للتأكد من أن العمليات، التي قام بها، مطابقة للإجراءات القانونية المعمول بها في المجال.
الهدف الثالث، لا يتعلق فقط بإنتاج المعلومة المفيدة، التي تمكننا من معرفة الوضعية الحقيقية على مستويات المحاسبة والميزانية، ومدى احترامها للإجراءات المهنية والقانونية، ولكن أيضا من أجل توفير معلومات مفيدة، تساعد على التحليل والمقارنة، وتفحص جودة التسيير وجودة المحاسبة نفسها.
واسمحوا لي إذا لم أوضح لكم الأمور بالشكل الذي يساعد أكثر على الفهم، يمكنكم أن تطرحوا المزيد من الأسئلة، فنحن مجرد بشر، وكما أقول دائما إنني لا أنتقد أحدا، ولا أزايد على من سبقوني في هذا المجال، نحن جميعا في خدمة بلادنا وكل واحد يقوم بمهمته، حسب مؤهلاته، وحسب ما يسمح به القانون. يمكنكم العودة إلى التقرير الأول الصادر عام 2003 – 2004، الذي أكدنا فيه على إعادة هيكلة المجلس الأعلى للحسابات. فالتسيير، من الزاوية الأكاديمية والتطبيقية، لا يمكن أن يكون ناجحا وفاعلا دون تنظيم محكم ودقيق، إذ كان من المفروض وضع خطة استراتيجية للمجلس، وإعادة هيكلته، وتمكينه من آليات عمل قبل كل شيء.
أما التقرير الثاني (2004 – 2005)، فتطرق إلى وضع آليات التنفيذ قيد العمل، إذ لم نعد بصدد مجلس تقليدي، وهناك نصوص في قانون 2002 تتحدث بدقة عن عدد الغرف، التي يجب إحداثها، والخدمات، التي يتعين توفيرها، من أجل إنجاح مهمتنا، وكان لا بد من خلق 9 مجالس جهوية للحسابات، وإيجاد مقرات لها، وتزويدها بطاقم عمل مؤهل، وتمكينها من الآليات التقنية والوسائل التكنولوجية اللازمة. كان الأمر يتعلق بوضع المؤسسات وآليات العمل، ولم نقل شيئا آخر في تقاريرنا السابقة، والآن نحن بصدد المضي قدما، في إتمام العمل، الذي بدأ قبل سنة 1979 وبعد 1979. ولا نقبل أن يقال في حقنا إننا، خلال السنوات السابقة من عملنا، لم نقل شيئا، والآن بدأنا نتكلم.
*** في نظركم ماذا يلزم من أجل تفعيل الاستراتيجية التي تتبنونها، وجعلها أكثر مردودية في مجال مراقبة المالية العامة؟
- اسمحوا لي بالقول إن القانون في حد ذاته لا يكفي، وكذلك وجود المؤسسات والهياكل لا يكفي، القانون يخول عددا من العمليات، التي لها جدوى، تطبق من طرف هياكل وآليات لها جدوى، والتي تطبق من طرف مهنيين يعرفون مهنتهم كما يجب، ويتمتعون بتأثير على محيطهم، بالإضافة إلى تأهيل المحيط كذلك.
فالقانون الجديد، كما أشرت، حقق قفزة نوعية في ثلاثة مجالات، أولها أن المجلس الأعلى للحسابات لم يعد مؤسسة ينظمها القانون، لكن أصبح مؤسسة خلقها الدستور، وهذه مسألة مهمة. وثانيها أن عمل المجلس لم يعد يقتصر على فحص حسابات المحاسبين، بل يفحص حسابات التسيير للمحاسبين العاملين في مجال المصلحة العامة للدولة، على المستويات الوطنية والجهوية وكذا المحلية، كما يفحص حسابات الآمرين بالصرف، وليس فقط حسابات المحاسبين وحدهم، لأن ما يهم المجلس، في نهاية المطاف، هو تقديم توضيحات وتقدير أداء المؤسسة.
مرة أخرى، اسمحوا لي، فالأمور التقنية جد معقدة، نحن نحاول، على المدى المتوسط والبعيد، بالتعاون مع وزارة المالية، كي تكون هذه الرؤية أكثر وضوحا، وكذلك طريقة عمل كل المؤسسات العليا لمراقبة المالية العامة، تحذو هذا الحذو، ويصبح لها مردودية ونفع للعمل الذي تقوم به، وألا يكون عملها مجرد مسألة شكلية، وإنما عمل مؤثر ومساعد على الإصلاح.
إنها مسألة تتطلب إصلاحات، وبكل صدق، لا أريد أن تخرج هذه الإصلاحات إلى الصحافة، لأن الدولة تعمل في صمت، ونحن نقوم بعدة أمور، ولا نريد أن نتحدث عنها، ولأنني شخصيا أفضل أن تتحدث الأعمال عن أصحابها وليس العكس، وأنا ضد من يغرق الرأي العام في عدد من التصورات، التي لا تتبعها خطوات عملية.
إن أهم ما نحاول التركيز عليه هو نوعية وجودة التدبير، ونطرح السؤال، هل كل هذه المشاريع تخدم المصلحة العامة، التي أنشئت من أجلها المؤسسة؟ يمكن أن تكون الأموال صرفت بطريقة قانونية، لكن هل صرفها يلبي حاجيات المصلحة العامة أم لا؟ هل هناك مردودية؟ هل هناك نجاعة؟ هل تحققت الأهداف المرجوة أم لم تتحقق؟ كما أن الأهداف في حد ذاتها رغم تحقيقها، لا بد من طرح السؤال حول ما إذا كانت تستجيب فعلا للحاجيات العميقة، ولا تتعارض مع المصلحة العامة؟ وإذا كان العكس نقول لا.
هذا العمل يجري على أساس معايير، وبناء على تقييم دقيق، ومرجعية مهنية على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي، ولا نقف عند "ويل للمصلين"، إذ نمر إلى مرحلة تقديم الكيفية الصحيحة لتدبير المالية العامة. يمكننا أن نحصل على الوسائل التكنولوجية الضرورية، التي تساعد على هذه العمليات، ويمكن أن نوفر الهياكل الإدارية اللازمة، لكن ما يتعين إيجاده هو العنصر البشري، هل لديه القدرة على مسايرة روح القانون في تحقيق كل هذه الأهداف، وبالكيفية المهنية الأسلم، هذا هو الأهم.
ومن أجل توضيح أكثر لمهام المجلس وآليات عمله، فنحن نعمل بأمر من جلالة الملك نصره الله وبإذن منه، وبتطابق مع القانون، لا نحتفظ به لأنفسنا، بل نقدمه للرأي العام كذلك، بما في ذلك الكشف عن تفاصيل الميزانية المرصودة للمجلس.
*** هل يقتصر دوركم على فحص الحسابات الخاصة بالمالية العامة للحكومة، أم أنكم تتوفرون على صلاحيات لمتابعة المسؤولين وملاحقتهم في حال ثبوت اختلالات مالية؟
- مراقبة المالية العامة أشبه بعملية توجه الإنسان عند الطبيب، فالمرء، خلال الحياة كلها، يحاول أن يحافظ على سلامة جسمه وصحته ومردوديته وشبابه، هذا الأمر غير ممكن بيولوجيا، ولكن على الصعيد المؤسساتي هو أكثر من ممكن، هدفنا الرئيسي ليس الوقوف عند بعض الاختلالات، أو بعض الأداء الجيد، ونقول هذه هي طبيعة المخالفات أو الإنجازات الجدية، التي فحصناها، بل إن هدفنا هو العمل على مساعدة مكونات الدولة ليكون تدبيرها معقلنا ويخضع للقانون، ويعطي مردودية.
إن العمل المؤسساتي لا ينحصر في النتائج، التي يحققها، خلال هذه السنة أو في السنة المقبلة، بل يكون له هدف استراتيجي يساهم، بكيفية مدروسة ومعقلنة ومهنية، في توسيع دائرة التدبير الجيد، الذي يحترم القانون، لأن موارد المملكة المغربية ليست قليلة ولا محدودة، ولهذا لا بد من عقلنة التدبير لتلبية حاجيات المنفعة العامة. وهذه العمليات لا يمكن للمجلس الأعلى لحسابات أن يقوم بها بمفرده، لأننا نحن جزء من المكونات العامة للدولة المغربية، وكل جزء من هذه الأجزاء له دوره ومهامه. ونحن نأتي، كقضاة، ولا نقول ما هي المشاريع، التي ينبغي أن تكون، ولا نحدد الخيارات التكنولوجية، التي يتعين اتخاذها، ولا نتدخل لوقف صرف المبالغ المرصودة، ولا نعقد صفقات مع الشركات، بل نأتي كقضاة ونفحص حسابات مؤسسة أو هيئة معينة، وننظر في ما إذا كانت مطابقة للقانون أم لا، وننظر كذلك في جودتها، وفي ما إذا كانت مردوديتها تلبي المصلحة العامة أم العكس، وهل هناك نجاعة أم لا، فإذا كان نعم نقولها، وإذا كان لا نقول لماذا، ونشير إلى الكيفية التي كان يجب أن يجري بها الإصلاح، لأن الهدف هو أن تكون آراء تتلاقى في سبيل خدمة الصالح العام. وهدفنا كذلك أن تبلغ نتائج عملنا إلى ذوي القرار في السلط التنفيذية والتشريعية والمدبرين اليوميين لهذه المؤسسات، ونخلق روح تلاقي الآراء البناءة في عالم الإصلاح. إننا لا نتوقف عند النتائج، فالحصيلة لا تهم المجلس الأعلى للحسابات، ولكن ما يهمه هو المساهمة، مع المتدخلين الآخرين، في تحسين أداء المالية العامة بشطريها، تحقيق الإرادات أو تنفيذ المصاريف، ولتحقيق هذه النتيجة، لا يجب أن تكون هناك قطيعة بيننا وبين محيطنا. وسيكون المجلس الأعلى للحسابات سعيدا عندما نصل إلى تحقيق تدبير جيد للمالية العامة، ويقتنع المواطنون بأن المصلحة العامة تحققت. آنذاك يمكن أن نقول إننا وصلنا إلى نتائج، أما الآن فإننا في بداية الطريق.
*** حصلت بعض وسائل الإعلام على نسخ من التقرير الأخير، فيما لم يحظ بعضها الآخر بهذه الفرصة، هل هناك انتقاء في التعامل مع الصحافة؟
- اسمحوا لي، نحن من أجل المصلحة العامة لا يمكن أن تكون لدينا عملية انتقائية، إننا نصدر التقارير بقدر محدود، نظرا لمحدودية الإمكانيات المادية المتوفرة لدينا، ولم يسبق لأي جريدة أن طالبت بنسخة، بعد صدور التقرير، ورفضنا أن نقدمه لها.
*** تضمن التقرير الأخير إشارة إلى اختلالات في عدد من المؤسسات، هل معنى ذلك أن مالية المؤسسات الأخرى سليمة ونظيفة؟
- لا، أبدا، إن الأمر أعمق وأبعد مما يمكن أن تتصوروه، إننا فقط بصدد طرق بيداغوجية، عندما تريد أن تلقن شخصا، لا يمكن أن تعلمه كل شيء دفعة واحدة، بالنسبة للمجلس الأعلى للحسابات، يعمل بميزانية وبإمكانية محدودتين، ويطبق قوانين، إننا لا نتوفر على العدد الكافي من الأطر، ولا على الميزانية الكافية، وعلى الآليات الكافية، التي تمكننا من إنجاز عمليات واسعة النطاق على امتداد التراب المغربي، وخلال عام واحد، ولا توجد مؤسسة عليا للرقابة في العالم تقوم بذلك. إننا نعمل حسب برمجة معقلنة ومتوازنة، ولن نستثني أحدا، لدينا معايير في تنفيذ عملياتنا.
إننا نختار عينة من القطاع الوزاري، في شكل مؤسسات عمومية، ومن القطاع العام، في شكل شركات، ولا نختار قطاعا وزاريا بحد ذاته، ولكن نختار قطاعات وزارية عدة وجماعات متعددة. نطرح السؤال حول أي منها توجد المخاطر المالية؟ ما هو المكان الذي تصرف فيه الأموال بشكل أكبر؟ لماذا سأختار جماعة عين عودة وأترك جماعة الرباط؟ أو أذهب إلى جماعة أولاد اوجيه وأترك جماعة القنيطرة؟
نحن نحاول وضع ثلاثة مقاييس، المقياس الأول هو ماذا يهدد تدبير المالية العامة؟ ثانيا أن تكون هناك هيئة متوازنة وهيئة متوسطة وهيئة صغيرة، وفي قطاعات مختلفة، أما الأمر الثالث، فهو أن الكل سواسية أمام المصلحة العامة، وأنه خلال ثماني وعشر سنوات، يكون المجلس شمل كل المؤسسات. وهذا يعني أننا بدأنا بهذه الوزارة، وفي العام المقبل، لن نتوجه إلى الوزارة الأخرى، لزاما علينا أن نشمل الجميع، مثلما تفعل كافة مؤسسات مراقبة المالية العامة في العالم كله، وإذا تبين لنا خطر نعود إلى المؤسسة المعنية، حتى قبل اكتمال دورة المراقبة. ولكي لا يكون عملنا موجها من طرف الأحزاب السياسية، أو من طرف الحكومة، هناك استقلالية تامة لكل غرفة ولكل مجلس جهوي، في تحديد برامج عملية في إطار لجنة مخصصة لذلك. ونتفق على برنامج سنوي، وهذا ليس معناه أننا نهتم بوزارة دون أخرى، أو بمؤسسة دون أخرى. إننا نتبادل الآراء في إطار هذه اللجنة كي لا نترك مجالا للعشوائية أو الفوضى، كما أن القضاة يصبح بإمكانهم تطوير قدراتهم وخروجهم من الروتينية، كما أن الجهة التي نراقبها، لها كامل الصلاحيات في الرد على المسائل، التي تشكل موضوع الخلل، هناك من يترك الموضوع ويأتي بمبررات لا علاقة لها بالأمر، هنا لا أقبل منه ذلك، أنا قاض، عندما أقتنع بأن هناك أمورا غير عادلة فإنني أتخذ قرارا، وأتحمل مسؤوليته، وإذا لم يكن المعني بالأمر مقتنعا، يمكنه أن يلجأ إلى الاستئناف، أو النقض. إننا نراعي عندئذ مختلف الأقوال، ونأخذ بعين الاعتبار حقوق كافة المتدخلين، لأنه لديهم عائلات وسمعة وشرف، إننا قضاة مسؤولون أمام الله وأمام القانون وأمام سيدنا، وللمتدخلين الحق في الإدلاء بما عندهم.
هدفنا هو أن جلالة الملك، نصره الله، والوزير الأول والبرلمان والحكومة والرأي العام، يكونون على اطلاع جيد بما يجري على مستوى تدبير المالية العمومية للدولة، وهدفنا هو أن يكون هناك وضوح تام وشفافية حقيقية. وسأضرب لكم مثالا بدور الطبيب العام، عندما يفحص مريضا، ويجد أنه مصاب بألم في أحد أضراسه، فإنه يوجهه فورا إلى طبيب الأسنان، هو الذي يتخذ القرار بإصلاح الضرس أو قلعه، ولكن يكون ملزما بالرد على التقرير، الذي بعثته، لكي أتمكن من معرفة ما إذا كان مجهود الدولة في إصلاح الخلل، قد تحقق أم لا؟
هنا ستسألونني عن العقاب، وأنتم في الصحافة ترغبون في الوصول مع الأشياء إلى مآلها الأخير، كما سبق أن أشرت لكم، فإن الدولة هي مجموعة من المؤسسات، وكل مؤسسة منوطة بالمهام التي يتعين عليها أن تنفذها. ففي حالة الوزارة، هناك الوزير الأول، وفي حالة الشركة هناك الرئيس والمدير العام، نحن كقضاة تحملنا مسؤوليتنا بإعلان الحقيقة، وفي الحالات التي يسمح لي القانون بإنزال العقاب، فإنني لا أتردد في ذلك، أما في الحالات التي يأمرني القانون بإخبار جهات أخرى، فإنني أفعل ذلك.
*** أثار تقريركم الأخير ردود فعل من طرف مدير الصندوق الوطني للتقاعد، ماذا كان موقفكم؟
- اسمحوا لي، لا أدخل في هذه الاعتبارات، إننا لا نتكلم من فراغ، علمنا الأوروبيون، ثلاث مسائل، وهي الانتقاد المستمر، والبحث المستمر عن الأعذار، والتعليق بالمجرد والمطلق. إننا بصدد حسابات، وإنجاز الحسابات ينبني على قواعد، خذوا مثلا لو أنني توصلت بغلاف مالي من 9 ملايير درهم، وتوجهت إلى البورصة، وفقدتها دفعة واحدة، "خصني نحشم على عرضي"، ولو أن الشخص المعني، الذي تتحدثون عنه، كان يعرف قوانين الدولة والمصلحة العامة، نحن لا ندخل في حرب مع مكونات الدولة، لديهم دورهم ولنا دورنا، ولو أنه "يسبني حتى يعيا، ما نجاوبوش، أنا مربي، وكنعرف حدود الدولة"، لقد كتب لي رسالة يقول فيها: لماذا لم تنشروا كل ما قلت؟ لقد تقدم بتبريرات لا علاقة لها بالأمر، كما أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات، ليس منتدى لتبادل المحادثات، ودورنا هو قول الحقيقة لسيدنا، الله ينصره، وللحكومة وللبرلمان وللرأي العام، إنه تلفظ بكلام غير مسؤول، ولم يقدم حججا، بينما أنا أنطلق من معطيات، ويمكنني أن أتابعه قضائيا. لقد قدمنا ثلاثة أشخاص إلى الجنايات، إننا نريد مغاربة يصلحون بلدهم دون أن يضربوا أنفسهم بأنفسهم. إنني لا أنتقد أحدا، أنا أقوم بعملي، وأنا محاسب عليه. ونحن في المجلس الأعلى للحسابات نعمل وفق معايير لا تستند إلى الحدس أو الإشاعة، بل طبقا للاحترافية المبنية على الأرقام.
*** بخصوص العدالة، هل ترون أنها قامت بمتابعات قضائية بطريقة ملائمة، وكيف يمكن للمجلس الأعلى للحسابات معرفة أن حالة ما تستحق الافتحاص؟
ـ أنا لا أقول شيئا أبدا بخصوص زملائي الآخرين، قبل الأمس، كنت في مأدبة غداء خاصة، وقال أحد المفكرين المغاربة الكبار لقاض كبير بمجلس الأعلى للحسابات، لماذا الميداوي يملك نسخة مما قمتم به، وأنا لا؟ فرد عليه القاضي: إن الميداوي قاض، أما أنت فلا.
أنا لا أنتقد أبدا وزيرا ولا وزارة ولا مؤسسة عمومية، أقوم بعملي وأنشره وأحاسب عليه، والآخر يجب أن يقوم بعمله ويحاسب عليه. بالنسبة للعدالة، لا يمكن أن تحاكم أحدا بخطأ جنائي إذا لم يكن الخطأ محددا بالقانون الجنائي. ولا يمكن أن تتابع أحدا جنائيا إذا لم تكن القواعد محددة في القانون الجنائي. إذن التعريف المادي الموضوعي لأي فعل هو الذي يحدد هل يتعلق الأمر بجناية أم لا.
عندما نجد أنفسنا أمام تزوير أو تبديد للأموال في غير مواضعها هذه الأفعال تعتبر بحكم القانون الجنائي أفعالا تدخل ضمن مجال القانون الجنائي. نكون ملفا معززا بالوثائق المبررة، ونحوله إلى وزارة العدل، لتعطيه للقضاء الجنائي لدراسته بكل استقلالية. وكما قلت قبل قليل، يجب إعطاء للآخرين لإتمام العمل.
وبخصوص المؤسسات، التي يلزمها افتحاص، فالوضعيات المحاسباتية والمالية تعتبر صورة لنشاط ما، مثلا في قطاع الصحة، هناك معايير، في قطاع الاتصالات، وكل نشاط عنده معايير، ومن خلال الاطلاع على الوضعيات المذكورة، وبفضل مهنيتنا، نعرف هل هناك حالة استعجال أم لا.
عندما تحس أن هناك حالة استعجال تحاول أن تتدخل، والمعايير المعتمدة ليست من اختراع المدقق، فهناك نسب ومعايير ينشرها كل الخبراء وكل القطاعات والفروع، وكذا الكونفدرالية الدولية للمحاسبة، ومراكز تقدير المردودية في مختلف القطاعات. من خلال اعتماد كل هذه المعايير، يمكننا معرفة هل هناك خطر أم لا في قطاع ما.
*** تثار، على مستوى وزارة الداخلية وضعية الجماعات المحلية، ما هو مستوى تدبيرها للمالية العامة؟
- إننا، عندما نعمل في إطار مراقبة المالية العامة للدولة، نضع أمامنا خطة عمل مدروسة، نتوخى منها الجدوى والفاعلية.
المملكة المغربية وضعت مؤسسة عليا للمراقبة. الجهاز التنفيذي أعطى حدا أدنى من الاعتمادات للعمل. هذا لا يعني أننا سنكون أكثر نجاعة خلال ثلاث أو خمس سنوات، ولكن الأمر يتعلق بمسلسل لتأسيس شيئا ما، مثلما كان يقول جلالة الملك الحسن الثاني، رحمه الله، فالسياسة كالفلاحة، ويجب العمل على مراحل.
بخصوص الجماعات المحلية، الفكرة الأساسية هي إشراك كل الطاقات الجهوية والمحلية والخاصة لإدارة الشأن العمومي. هذا الإشراك لن يعطي كل أكله خلال 15 أو 20 سنة، ولكن يتعلق الأمر بمراحل.
نحن لنا دور ثلاثي مع الجماعات المحلية، فيجب احترام القانون من خلال إلزام كل آمر بالصرف وكل محاسب بتقديم حساب لما يفعله، مع كل المبررات. وإذا وصلنا لهذه المرحلة من دفع الآمرين بالصرف والمحاسبين لتقديم الحساب لما يفعلون، حسب القانون، فهذه مرحلة مهمة وأمر كبير في طريق الشفافية، وفي طريق الديمقراطية الحقة، وفي طريق الاختيار الحر.
ثم هل القرارات المتخذة، على مستوى كل جماعة، وعلى مستوى كل جهة، وعلى مستوى كل ولاية أو عمالة أو مصلحة لا مركزية أو غير ممركزة، هل هذه القرارات تستجيب لحاجيات الصالح العام؟ ما نطمح إليه، على مستوى الدولة، ينطبق على المستوى المحلي، بفضل المجالس الجهوية للحسابات.
لا يهمنا تقديم أحكام حول المؤسسات وأهميتها، فهذا أمر يخص الميدان السياسي، والميدان الدستوري، فأنا قاض، ولا أقوم بعمل سياسي، وأقدم أحكاما طبقا للقانون، وبخصوص أفعال محددة بالقانون كذلك.
إذن نستهدف ثلاثة أمور، تهم تقديم الحساب، واحترام القانون، والتأكد من أن كل شيء حصل للصالح العام. وللوصول إلى هذا، يجب أن نتحاور بصفة دائمة مع المؤسسات الخاضعة لافتحاص بخصوص المحاسبة، كيف يمكن أن تكون قرارات التدبير الجيد، وكيف يمكن أن يتخذ تقييم النتائج. نضع رهن إشارتهم مجالس خاصة أو معنية لا مركزية أو غير ممركزة، لمساعدتهم على تحقيق تدبير جيد، ولكن لا يمكننا إصدار أحكام.
*** في عدة مناسبات، أعلنتم أنه يجب أن يكون هناك الوضوح، وعلى هذا المستوى، سنطرح سؤالين: هناك عدة متدخلين يشتغلون بخصوص مراقبة المالية العمومية، مثلا المفتشية العامة للمالية، سؤالي هل هناك علاقات تعاون، وهل هذه العلاقات مؤسسة، وثانيا هناك عدة إصلاحات حاليا بخصوص الخزينة العامة؟
- أرد أولا على السؤال الأول، التعاون يوجد عادة بين جهازين مختلفين ينتميان إلى مجموعتين مختلفتين، ولهما الطبيعة نفسها أو التراتبية ذاتها، ولكن بخصوص الرقابة، هناك مع الأسف كثير من الغموض، فهناك الرقابة العمومية، وتنقسم إلى ثلاثة أنواع من الرقابة: هناك الرقابة القبلية، وتجري قبل أية عملية نفقة أو أية عملية تحقيق مدخول، وهناك رقابة المصاحبة، وتجري خلال تحقيق عملية الإنفاق أو المدخول، فهناك أجهزة كلجان الصفقات أو الرقابة المالية، وتقوم هذه الأجهزة، من خلال رقابة المصاحبة، بالتحقق من أن هذه العملية تجري وفق القانون، وهناك المراقبة البعدية، ودائما داخل الجهاز التنفيذي، والهدف هو البحث عن تدبير جيد، والتأكد من أن العمليات تجري لخدمة الدولة، وليس لخدمة أحد آخر.
داخل هذه المراقبة المرتبطة بالجهاز التنفيذي، يمكن أن نجد، إضافة إلى المراقبة العمومية والمراقبة الدائمة لمراقبة الالتزام بالنفقات، مراقبة المحاسبين، ومراقبة المفتشية العامة للوزارات، ومراقبة المفتشية العامة، كل هذه الأنواع من المراقبة مرتبطة بالجهاز التنفيذي، حسب درجة تنظيم مؤسسة المراقبة، وجودة الرقابة، وحسب الوسائل المتاحة، وكذلك بالإرادة السياسية.
يمكن أن يقع اعتماد المراقبة الخاصة، ولكن خارجية، إذن من أجل هذه المراقبة تقرر وزارة المالية أن تخضع لافتحاص خاص أنشطة الخزينة العامة. ويتعلق الأمر بمراقبة خارجية تقررها الحكومة وليس بمراقبة داخلية للجهاز التنفيذي.
لا يوجد أي تناقض بين هذه الأشكال من المراقبة كلها، وبمفهوم الافتحاص الحديث، يمكن جمعها في بند المراقبة الداخلية.
الجهاز التنفيذي نفسه تقوم مكوناته المختلفة بإعادة النظام داخلها وبنفسها، بفضل أجهزة مراقبة على مستوى العمليات المهمة، للتأكد من أن تحقيق النفقات العمومية أو المداخيل العمومية يجري طبقا للقانون، وطبقا لقواعد التدبير الجيد، وكلما كانت المراقبة الداخلية جيدة كلما كان عملنا سهلا.
لا توجد أي علاقة ما بين هذا النوع من المراقبة الداخلية، والمراقبة القضائية والمستقلة والموضوعية، والتي لا تدخل أشغالها ضمن الأسرار إلا على مستوى التعليمات، ويجري نشرها، ولا ترتبط إلا بقناعة القضاة، وبما يقره القانون. بمعنى أنه يصعب على وزير مثلا أن يبعث مؤسسة مراقبة تابعة له إلى صديق، أو مثلا إذا كانت هناك عملية من شأنها أن تسيء لمصداقية الحكومة، يمكن أن يقرر عدم إخبار العموم بها.
إذن المفتشية العامة للمالية وأنواع المراقبة الأخرى هي مراقبة داخلية للجهاز التنفيذي. أما نحن، أي المجلس الأعلى للحسابات، فنتمتع بالاستقلالية، ولا نقدم حصيلة أعمالنا إلا لجلالة الملك ولأجهزة الدولة الحيوية كلها، وكذلك للعموم. وما نقرره لا يبقى سرا، لأنه معلوم بالنسبة للمؤسسات، التي تخضع لاقتحاصنا، ويمكنها أن تطعن فيه قضائيا وقانونيا.
نحن مراقبة خارجية مستقلة وبعدية مائة بالمائة، فنحن لا نتدخل في مرحلة التصور للمشاريع، ولا خلال مرحلة إعداد ميزانية، ولا خلال البرمجة المادية لميزانية أو عملية إنجاز، لا نتدخل في مناقشة الصفقات المتعلقة بإنجاز المشاريع، كما لا نتدخل في عملية التأكد من أن الإنجاز قد جرى بصفة جزئية أو شمولية، أو بشكل جيد أو لا.
عندما تنتهي الحكومة من عملها، وكذا المؤسسات العمومية وشركات الدولة والجهات والجماعات والسلطات اللامركزية، نطالبها بتقديم الحساب لما قامت به، وإعطائنا المبررات. نأخذ الوضعيات المحاسباتية والوضعيات المالية والوثائق المعتمدة للنفقات أو المداخيل، وبفضل قدراتنا التحليلية، نصل إلى خلاصات بخصوص مدى قانونية وجودة التدبير.
نحن نشتغل بكل استقلالية عن أجهزة المراقبة الأخرى، ولا أخفيكم أن مقارنة مجلس المحاسبة مع المفتشية العامة للمالية يضيرنا قليلا، نحن لا نشتغل إلا في إطار ما يحدده القانون. والقانون واضح في هذا المجال. القانون يحتم على كل أجهزة المراقبة العامة أن تمدنا بكل التقارير، التي تنجز خلال السنة. ونحن نستغل هذه التقارير، حسب استعجاليتها، فإذا كان هناك أمر مستعجل، نتدخل، وإذا لم يكن مستعجلا، نأخذ بعين الاعتبار هذه التقارير عندما نقوم بافتحاص للجهاز المعني بها. كما نتتبع أيضا أنشطة كل مكونات القطاع العمومي، من خلال مجالس الحسابات الجهوية، بغض النظر عن وجود تفتيش أو لا. فنحن دائما في إنصات تام لما يحدث في هذه الوزارة أو الجماعة أو هذه الشركة العمومية. ولكن ننتظر حتى الانتهاء التام للأعمال، والقيام بافتحاص بناء على وقائع، فنحن قضاة، وبغياب أحداث منتهية، وأرقام محصورة، ووثائق غير متنازع بشأنها، لا يمكننا القيام بأي شيء. نحن لسنا سلطة وصاية، نحن جزء من الدولة، والقانون يعطينا الحق في القيام بمهمتنا في إطار القانون، مع الاحترام الكامل لكل المكونات الأخرى للدولة. نتحقق هل في عملية ما في الشأن العام، بخصوص النفقات أو المداخيل، وقع احترام القانون والتدبير الحسن.
*** كيف يمكنكم قياس النجاعة في التدبير العمومي؟
ـ هذه هي المرحلة الأكثر صعوبة، لأنها تستلزم وسائل التحليل، وكذلك أن يكون المرء على إطلاع بكل المستجدات، هناك مثلا عملية يقع فيها احترام كل المواد القانونية، بدءا من إعلان الصفقة وأخذ العرض الأكثر ملاءمة، ولكن بعد ذلك يتبين أن موضوع هذه العملية لا يلائم ما جاءت من أجله. الجديد بالنسبة لسنة 2002، هو قياس النجاعة، وهناك يلزم وجود محترفين قادرين على استعمال وسائل المقارنة والتحليل والقياس، وعلى إلمام بكل ما يستحدث على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
هناك صعوبة كبيرة في إيجاد من يضبط المحاسبة بشقيها العام والخاص، ويضبط المالية العمومية والمالية الخاصة والاقتصاد والظرفية العالمية والأنظمة الاقتصادية العالمية، وكذلك ميكانيزمات الدولة، وأن يكون ملما بالإطار الماكرو والميكرو اقتصادي للقيام بالتحليل المطلوب. هناك معايير توجد لكل قطاع ولكل فرع ولكل نشاط، هناك نسب للإنتاج ونسب محاسباتية ونسب مالية، يجب التمكن من المحاسبة التحليلية وقدرات تحليل نشاط معني للخروج بفكرة عنه.
عندنا قضاة ذوو جودة عالية، فيهم الاقتصادي والمهندس المعماري والمعلوماتي، ما نحاول القيام به هو أنه بالنسبة للقدماء نعطيهم تكوينا مستمرا لتعلم المحاسبة العمومية والخاصة، والتحليل المالي، وكيفية استعمال النسب، وكيفية القيام بالمقارنة من أجل تدعيم الخبرات وقدرات التحليل.
بالنسبة للجدد، يجب أن يكونوا متوفرين على الباكالوريا زائد سبع سنوات، يجتازون امتحانا، ويجري تكوينهم لعامين تكوينا علميا، فقد كنت مدرسا لمدة 14 سنة، وأعلم أن المقررات الجامعية المجردة لا تفيد في شيء، لذا نعطي للجدد المعرفة العلمية، وكيفية معالجة ملف، وكيف يقوم بكل المراحل اللازمة، ثم نرسله للبنوك، والبورصة، والمؤسسات العمومية، ليكون على إلمام بهذه المؤسسات، ومجالها، قبل أن يشتغل عليها، ولا نقتنع بهذا الشيء فقط، بل يأتي أخصائيون من القطاعين الخاص والعام، وأساتذة، وكذا قضاة جامعيون، لتأطيرهم، ثم نرسلهم للخارج للتدريب في مجلس الحسابات الفرنسي لتعلم طريقة العمل، ثم يبدأ كمساعد لقاض، وبعد ذلك يصبح قاضيا. إننا نعمل على المدى الطويل، أعددنا خلال الأربع سنوات الماضية فوجين، وجاءنا بلد أوروبي عريق وكبير، ورأى مستوى التكوين عندنا، فطلب أن نكون له قضاة، فقلنا لهم أعطونا مهلة 5 إلى 7 سنوات لإرساء مؤسستنا، وبعد ذلك نبدأ في تكوين الأجانب. وقد كونا لحد الآن 60 قاضيا، وكونا ذوي كفاءات عالية وحاملي دكتوراه دولة لديهم 15 إلى 20 سنة تجربة، وخضعوا لدورة تدريب عملية لمدة 6 أشهر.
*** هناك في المجلس الأعلى للحسابات بعد أخلاقي، أي أن هناك بعض الأخلاقيات التي تغيرت منذ 2002، حتى لا نتكلم عن سنة 1979، فهل لاحظتم أن هناك تطورا، وفي الوقت نفسه قيمة مضافة، وهل أنتم متفائلون بأن الأشخاص أصبحوا نزيهين منذ ذلك الوقت؟
ـ أنا لا أتكلم عن الجديد والقديم، فنحن مجتمع واحد، وهناك استمرارية، جئنا بافتحاصيين من الولايات المتحدة الأميركية، ومن بريطانيا، ونحاول أن نعطي تكوينا مهنيا للقاضي، الذي سيتولى مهمة الافتحاص. لا أتحدث أبدا عمن سبقوني، فأنا عندما خلفت إدريس البصري بأمر من سيدنا قلت هو هو وأنا أنا، والناس تقوم بعملها وليست أهلا للحكم عليه. أمحور عملي على ما أريد القيام به، وفق القانون، وحسب الثقة، التي وضعها في سيدنا، الله ينصره، وحسب الواجب، الذي أتحمله اتجاه المغاربة كلهم، وكمغربي يرى أنه يمكن أن يقوم بشيء نافع. ما يهمني هو أن الأمس قد مات، واليوم عندنا علاقات مع الصين، نرسل للتدريب في الصين، وفي بريطانيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأميركية، وستكون عندنا علاقات مع إسبانيا وألمانيا قريبا، لكي يكون عندنا انفتاح، وثقة في النفس، دون التشبث بقالب واحد، لكي نتطور.
*** آخر تقرير للبنك الدولي يرى أن المشكل الأول للمغرب يكمن في غياب الشفافية والحكامة، هل ترون، بحكم ما يقوم به أمثالكم من مجهود، أن المغرب في الطريق الصحيح؟
ـ هل نحن في الاتجاه الصحيح، هل هناك وعي بأن كل موظف حكومي يجب أن يقدم الحساب؟ تقديم الحصيلة والحساب ضرورة، فلا يمكن أن يقوم شخص بتداول ممتلكات الدولة، وأموال الجماعات المحلية، دون تقديم الحساب، والالتزام بالشفافية........
*** إلى أي حد ترون أن الأحكام الصادرة في حق بعض المتورطين في بعض المؤسسات التي شملها التقرير، وأحيلكم على قطاع الصيد البحري، الذي جرى الاكتفاء فيه بتنقيل المتورطين إلى مدن أخرى بدل تقديمهم للقضاء، واسترجاع الأموال العمومية، وبالنسبة للافتحاص، الذي قمتم به حول تمويل الأحزاب من الأموال العامة، متى تنوون الإعلان عن نتائجه؟
- بالنسبة إلى الجواب عن السؤال الأول، أقول إننا قضاة، نعمل بالوثائق والحجج، لنصدر الأحكام وفق القانون، لا أقل ولا أكثر.
اليوم عملت الوزارات، ولأول مرة في تاريخ المغرب، وأقول جميع الوزارات، على إرسال حساباتها بهدف الافتحاص. الأمر الثاني أنه بأمر من صاحب الجلالة، وبحكم القانون، الحقيقة تقال وتعلن. فعند صدور أي حكم، هناك المؤيد والمعارض. فالتنوع ثروة، وفي الاختلاف رحمة.
بالنسبة إلى السؤال الثاني، الذي يتعلق بالأحزاب السياسية، نحن نشتغل بموجب القانون. فالمجلس الأعلى ليس له حق نشر التقرير، الذي ينجزه، بطلب من الأحزاب، فذلك لايسمح به القانون. بالنسبة إلى تقرير أشغالنا نحن ننشره، لأن الدستور ينص على ذلك، فنحن نقدمه سنويا إلى صاحب الجلالة.
وفي إطار عملنا، عندنا واجب مساعدة البرلمان كما الحكومة، وننجز افتحاصا شاملا وكاملا بالأرقام. وعند انتهائنا منه نعطيه للوزراء: الأول والداخلية والمالية والعدل، أي السلطات الحكومية، التي تمنح الأموال للأحزاب، بهدف دعم تسييرها. وهؤلاء من لهم صلاحية المتابعة أو عدمها، أو نشر التقرير أو عدم نشره، علما أن القانون لم ينص على نشر نتائج الافتحاص بكيفية صريحة، فالمجلس الأعلى يقوم بعمله وفق القانون. وأموال الأحزاب تتعلق بجمعيات سياسية، وليس عمومية مائة في المائة، والنشر يتطلب من القانون حمايتي. نحن نقوم بالافتحاص، بعد ذلك نعطي نتائجه إلى السلطات المعنية، التي تتخذ القرارات التي تعجبها. ولهذا ليس هذا مشكل بين مجلس الحسابات والرأي العمومي. فهو بين الرأي العمومي والأحزاب نفسها، ثم السلطات الحكومية.
*** ألا تفكرون في الاستعانة بوسائل التكنولوجيا الحديثة، على غرار الصين واليابان، اللتين أصبح فيهما نظام المراقبة يعتمد على حواسيب والتكنولوجيا الحديثة؟
- الجواب يتضمن 3 عناصر: فالحياة دورة دائمة، وعندما تفتقد هذه الحركية لا توجد حياة. فنحن مضطرون إلى التكيف مع ما يجري في العالم ليس فقط أن نكون منفتحين عليه، لكن أن نعمل به. فكل قاض لديه كمبيوتر، ونظام مركزي ونظام تواصلي. ونستعمل الكمبيوتر في التدبير وكآلية للتدقيق.
أما العنصر الثاني، فيكمن في عدم انخداع الإنسان بكثرة الخطابات، التي تكون بغرض اقتصادي أو تجاري صرف. فالحاسوب آلية لا يقوم بأي عمل لوحده، بل عبر برمجته. فالحاسوب ليس قادرا على تغيير النظام وتدبيره، لكن عبر برمجته.
الشطر الأول للجواب نحن بصدد مناقشة مع جميع الشركاء، وخاصة الخزينة العامة، بهدف ربط الاتصال بين حواسيب الهيأتين.
وهنا، لديكم الحق، فالمراقبة بالوسائل التكنولوجية الحديثة لم تكن في بعض العمليات، لكن الأهم هو تجريب النظام المعلوماتي. فالمراقبة اليدوية، وملف بملف، تضيع الوقت، فمثلا الاطلاع على ملفات شركة كالمكتب الشريف للفوسفاط يتطلب ستة أشهر يدويا، في حين يتطلب الأمر ثلاثين ثانية بالحاسوب. لن يكون المراقب مجبرا على تضييع الوقت في عمليات مراقبة.
لماذا تريدون أن نحرم من هذه الآلة السريعة، والدقيقة، والسريعة في التنفيذ.
العنصر الثالث، يكمن في كون الذي لا يستعمل الآليات التدبيرية ذات القيمة المضافة فهو جاهل. ونحن لا نريد أن نكون كذلك.
* ماهو رأيكم في السوق المالي للدارالبيضاء، وكيفية عمله؟
الموضوع واسع، ويتطلب أكثر من 90 دقيقة للإقناع. ومن ملاحظاتي على البورصة، أنها آلية للتمويل، قد تكون ذات نفع، لكنها عملت على تخريب نظامها المالي العصري، الذي يجب إعادة النظر فيه، والموضوع طويل.
*** هل شرعتم في إعداد التقرير المقبل للمجلس؟ وهل ستقتصرون فيه على الوزارات والمؤسسات نفسها، التي اعتمدتم عليها في التقرير الحالي، أم ستكون هناك أشياء جديدة؟
- ستكون هناك أمور جديدة سنعلن عنها لاحقا.
*** آخر كلمة
- كل واحد فينا يجب عليه أن يشتغل بمغربيته، أن يعتز بانتمائه إلى هذا البلد العظيم، وإلى أرضه وتاريخه ومستقبله. لدينا كل ما يمكن أن نسير به إلى الأمام، الاستقرار الذي ننعم به في ظل صاحب الجلالة، والدين والاستمرارية، لدينا جميع المكونات، التي تنتمي إلى الأمة، يجب فقط إضافة المهنية والجدية.
وأود أن أشير إلى أن عبد ربه يرأس بعض المؤسسات الدولية في المراقبة، كما لدينا علاقات مع مؤسسات كبرى، ومع مؤسسات للتنمية تابعة للولايات المتحدة الأميركية، من أجل تدعيم الحكامة، ومن أجل التنمية والتطور. وتترأس الولايات المتحدة الأميركية هذه المجموعة، التي تتكون من المغرب والنرويج والدانمارك والنمسا والهند.
الأمر المهم كذلك هو أنه لدينا عمليات مشتركة مع فرنسا، إذ يقوم مدققون فرنسيون ومغاربة بعمليات تدقيق مشتركة في الولايات المتحدة الأميركية، وفي إفريقيا، وفي آسيا، وفي المغرب، وهذا أمر يشرف بلادنا. وخلال أسبوعين أو شهر، ستكون لدينا عملية مشتركة مع مجلس الحسابات الفرنسي للتقييم والمساعدة على إرساء نظام تدقيق أعلى في بلد آسيوي.