باستحضار حماس البداية، والآمال والرهانات، التي واكبت قيام اتحاد المغرب العربي، باتفاقية مراكش في 17 فبراير 1989، كان يفترض أن تحتفل دول وشعوب المنطقة بالذكرى التاسعة عشرة،
وقد تحقق القسم الأكبر من الأهداف المسطرة في ميثاق التأسيس، وأن تشكل الذكرى مناسبة لتقييم الإنجازات وتجديد النفس على طريق ترسيخ المصالح المتبادلة في سياق المصير المشترك.
تأسس الاتحاد كمشروع طموح لتحقيق التكامل الاقتصادي بين البلدان الخمسة الأعضاء، في مواجهة التكتلات الجهوية والعولمة.
وبعد مرور 19 عاما على التأسيس، تبقى الحصيلة متواضعة على كل المستويات، في ظل جمود جل هياكل الاتحاد. وثبت بالملموس، بعد عقدين من التجربة، أن موقف الجزائر المعاكس للمغرب في استكمال وحدته الترابية في قضية الصحراء، شكل السبب الأساسي في تعطيل عمل الاتحاد وشل نشاطه، حتى أن القمم على مستوى رؤساء الدول توقفت عمليا.
لكن يبقى من باب العزاء والأمل أن التعثر لم يدفع بالاتحاد المغاربي إلى عتبة العجز والموت المعلن، كما حصل في حالة مجلس التعاون العربي، الذي جمع في المرحلة نفسها مصر والعراق واليمن، ثم أقبر مع تفجر أزمة الخليج الثانية عام 1990. فقد ظل الاتحاد المغاربي، رغم الجمود، قائما بمؤسساته وإمكاناته المادية، وبحلم التطلع إلى المستقبل، بعد تخطي عقبات المرحلة، بما يجعل إمكانية التصحيح والانطلاق متوفرة، طالما تتوفر الإرادة السياسية. فالظروف الدولية أصبحت مهيأة أمام دول الاتحاد، أكثر من أي وقت مضى، لفتح آفاق التعاون الاقتصادي والتجاري، وتوسيعها، وتبادل المصالح المشتركة مع كل الأطراف والتكتلات الدولية الأخرى.
ويشكل مشروع الحكم الذاتي للصحراء، المقدم من طرف المغرب، مدخلا لحل مشرف، ينهي النزاع المفتعل، ويحرر طاقة البلدان المغاربية لبناء المصير المشترك لشعوبها.
لقد بات اتحاد المغرب العربي، عبر العلاقات الثنائية لأعضائه، يرتبط مع إفريقيا، التي تشكل امتداده الطبيعي والاستراتيجي ومجاله الحيوي، باتفاقيات ومعاهدات سياسية واقتصادية، كما له أيضا مع البلدان الأوروبية، التي يجمعه بها الإطار المتوسطي "خمسة زائد خمسة"، علاقات تعاون وشراكة.
وبصرف النظر عن مظاهر الإحباط، فإن هذه المعطيات تحفز اتحاد المغرب العربي في الواقع على إعادة ترتيب أوراقه وتفعيل مؤسساته وبرامجه وطموحاته، وتدفع به إلى الإسراع في استكمال بنائه، وتوحيد مواقفه وسياساته، كي يتمكن من مسايرة التكتلات والتجمعات الأخرى الإقليمية والدولية، والتعامل معها على قدر من الندية والمساواة والاحترام المتبادل وشراكة المصالح.
فعندما أعلن ميلاد اتحاد المغرب العربي، بين ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، تطلعت الشعوب المغاربية في البلدان الخمسة إلى طي صفحة الخلافات بين الدول، من غير رجعة، لفائدة التوافق والتعاون، وإلى فتح الحدود وإلغاء القيود على تنقل الأشخاص والممتلكات، كخطوة أولية وضرورية في كل مشروع للتكامل والوحدة بين الدول، من أجل تسهيل التعاون في مختلف المجالات، وتقوية الروابط على طريق الاندماج. كما تطلع جيران وشركاء البلدان المغاربية، وخاصة الاتحاد الأوروبي، إلى ميلاد تكتل إقليمي على الضفة الجنوبية لحوض الأبيض المتوسط، يساهم في احتواء التوترات المحلية، وفي تنظيم طرق التفاوض الجماعي حول القضايا السياسية والاقتصادية، وتحقيق التنمية لشعوب المنطقة.
إن الصورة السيئة للحصيلة، ولما آلت إليه تطلعات ومبادئ التأسيس، تطرح بالضرورة سؤال المسؤولية، المسؤولية الجماعية للبلدان الخمس أمام التاريخ، وأمام أجيال المستقبل في عالم القرن الواحد والعشرين، ومسؤولية كل بلد على حدة، حول مدى تطابق القول مع الفعل والممارسة.
ومن غير أي نزعة شوفينية، لا يمكن، بأي حال، تحميل مسؤولية الفشل للمغرب، الذي احتضن معاهدة التأسيس، وتحمل، وما زال، عبء الدفاع عن حقه البسيط والمشروع في استرجاع أقاليمه الجنوبية، وفي صيانة سيادته ووحدته الترابية، أمام جارة تستعصي عليها قراءة خريطة المنطقة، بمنطق الواقع والمسؤولية، الذي يفرض الإقلاع عن عرقلة مجرى إيجاد حل أمثل للنزاع المفتعل، لأن استمراره يهدد، في الغد المنظور، بتحول المنطقة إلى بؤرة للإرهاب، والدم، والظلام.