اجتمعت طيور النورس في مكان واحد بميناء الدارالبيضاء، تتأمل التوقف الشامل لحركة الصيد، وبالتالي ضياع ما يسكن جوعها، كما توقفت القطط عن الحركة، بحثا عن ما يرمى من سمك أو يتساقط.
وجلست تنتظر القرار النهائي للبحارة بالعودة إلى البحر. هكذا وصف بحار وضع الميناء في جلسة مع الصحافيين، الذين حضروا أشغال ندوة صحافية لمهنيي القطاع في أحد أفخم فنادق الدارالبيضاء، مشيرا إلى أن معاناة البحار لا يمكن الوقوف عندها من هذه الفنادق، ولكن من زيارة استطلاعية لفضاء الميناء.
منذ أن قرر مهنيي الصيد الساحلي بالمغرب الإضراب وطنيا، ابتداء من يوم الجمعة فاتح فبراير، تحول الميناء إلى محج للصحافة لمتابعة تطورات الوضع، وبعيدا عن الخلافات بين المهنيين، والانتفاضة التي قادها بحارة شباب ضد القيادة التقليدية للجامعة والكونفدرالية، وتشكيل لجنة من 15 عضوا أشرفت على تدبير المرحلة، من الإضراب إلى الحوار، الذي من المنتظر أن تكون حلقة أساسية منه أسدل عليها الستار أمس الأربعاء، كانت وضعية البحارة مؤثرة للغاية نتيجة توالي أزمة القطاع.
"المغربية" كان لها لقاء مع عدد من البحارة والمجهزين، استقت آراءهم حول الوضع الحالي وآفاق المستقبل، إذ أن البحارة يعانون والمجهزون يحملون الوزارة الوصية المسؤولية.
في ركن من قاعة التجمع الذي نظمته الهيئة والتي تدبر أزمة القطاع بميناء الدارالبيضاء، جلس مجهز شاب، في العقد الثالث من عمره، يتأمل وجوه زملائه، ويصغي باهتمام لمداخلات رفاقه. على هامش هذا اللقاء قال لـ "المغربية" إن "وضعية البحار اليوم تثير الشفقة، لا يمكن أن يخرج إلى البحر دون أن يعود خائب الأمل، وخاو الوفاض، إذ أن غلاء الغازوال وزيادات متالية أثرا على مدخول البحارة مجهزين وربابنة وبحارة عاديين، وقلما يتقاضى البحار في هذه الأيام راتبا مناسبا بعد أي رحلة بحر".
وأكد أن "أرباب مراكب الصيد الساحلي أصبحوا يعملون من أجل أداء فاتورة المحروقات"، وأنهم "في موقع حرج، على اعتبار أن تكاليف الإنتاج تضاعفت، وتتساوى قيمة فواتير الغازوال مع قيمة المبيعات من الأسماك المصطادة، أو تتجاوزها أحيانا".
أما صديقه، ربان مركب فله رأي يعضد كلام زميله ويؤكده، لكن أكثر معاناة، وقال في تصريح لـ "المغربية"، "لا يمكن أن يحس بالبحار غير من ركب أمواج البحر، ليال وأيام في وسط البحر بحثا عن لقمة عيش، له وللمواطن البسيط، على اعتبار أن السمك من الوجبات الأساسية للمواطن المغربي، على الأقل تعوض غياب اللحم أحيانا وغلائه، أو تنوع مائدته"، وأضاف "لكن مغامرة البحار لا يقابلها مقابل لدى المسؤولين".
وأوضح أن جل البحارة الذين سبق أن عملوا بالبحر لا يجدون اليوم ما يسدون به رمق عيشهم، مشيرا إلى أن راتب المتقاعد إن سمي راتبا في الأصل لهزالته لا يمكن أن يغطي مصاريف كراء منزل، فبالأحرى تلبية جميع مصاريف العيش".
وأضاف أن "جل البحارة غبنوا في حقهم، نتيجة احتساب صندوق الضمان الاجتماعي لمعدل راتب البحار في الثلاث السنوات الأخيرة، قبل التقاعد، أي يكون حينها عمر البحار ما بين 57 و60 سنة، وهي السنوات التي يقل فيها عطاء البحار، بعد أن قدم كل ما في جعبته أيام الشباب". وأشار إلى أن هذا القانون الذي وصفه بـ "المجحف" يجب أن يعدل لإنصاف البحار.
وعبر عدد من البحارة عن غضبهم نتيجة الزيادة في ثمن الغازوال، وطالبوا بالتراجع عنها، كما اعتبروا الاقتطاعات اليومية "مجحفة" للقطاع، لأنها الأكثر في المغرب مقارنة بباقي القطاعات الأخرى.
وقال مهنيون إن الاقتطاعات لا تمس الأرباح لوحدها كما باقي الميادين الاقتصادية الأخرى، إنما أيضا المصاريف، وهو ما اعتبروه "خارج عن المنطق".
ومما زاد الطينة بلة، يقول بحار، الزيادات المتتالية في ثمن الغازوال، إذ " أن ثمن اللتر الواحد من الغزوال ارتفع من ثلاثة دراهم إلى سبعة في ظرف وجيز"، مشيرا إلى أن "ثمن الطن بلغ 7 آلاف درهم بدل 3 آلاف، بمعدل زيادة بلغت ما بين 120 و140 في المائة في ظرف ثلاث سنوات".
يذكر أن البحارة كانوا قرروا "التوقف عن الصيد اضطراريا"، إلى حين استجابة الوزارة لمطالب المهنيين. معتبرين أن القطاع يعيش "في الفترة الراهنة مشاكل متراكمة على مر أزيد من 8 سنوات، أهمها الارتفاع المهول، والمتتالي في ثمن المحروقات، الذي يشكل 70 في المائة من تكاليف الإنتاج". وأن "مشاكل الصيد الساحلي كثيرة، ومتعددة، لكن مع الارتفاع المتتالي والمتزايد في ثمن المحروقات، طفح الكيل، ولم يعد أمام مهنيي الصيد الساحلي إلا التوقف عن الصيد إلى غاية إيجاد حل منطقي لهذه المعضلة".