اعتبر عبد الرحيم لعبيدي، الكاتب العام للجامعة الوطنية لجمعيات أرباب مراكب الصيد الساحلي بالمغرب، الإضراب الوطني للبحارة منذ يوم الجمعة الماضي، قرارا صائبا، لأن "السكين بلغ العظم"، نتيجة "السياسة التي تنهجها الوزارة منذ عقود في هذا القطاع".
وأوضح لعبيدي، رئيس التجمع المهني لمجهزي مراكب الصيد الساحلي بالدارالبيضاء، في حديث إلى "المغربية"، أن الزيادة في ثمن المحروقات زادت الطين بلة، ودفعت البحارة إلى شن الإضراب.
وطالب لعبيدي الوزارة بتفعيل الأغلفة المالية التي قدرها في 105 ملايير سنتيم، فيما لا تعترف الوزارة، على حد رأيه، سوى بمبلغ 35 مليارا، كما طالب بدعم صندوق الموازنة للتخفيف من حدة الارتفاعات المتوالية في ثمن البترول، مقترحا اقتسام الدولة والبحارة أعباء الارتفاع في ثمن البترول بالتساوي، على أساس أداء كل طرف مبلغ 3500 درهم للطن.
وحمل لعبيدي مسؤولية التلاعب في رقم المبيعات وبيع المنتوج السمكي بطرق غير شرعية وخارج سوق ميناء الصيد إلى الجهة الوصية، مشيرا إلى أن هناك "تواطؤا بين بعض المسؤولين ومنعدمي الضمير"، معتبرا "البحار ضحية التلاعب والتواطؤ".
ونبه لعبيدي المسؤولين إلى خطورة السمك الذي يروج الآن في الأسواق المغربية، وقال إن البحار "بريء من أي منتوج سمكي يباع الآن بالأسواق، لأنه في إضراب وطني ناجح مائة في المائة".
وحمل الأقسام الاقتصادية بالعمالات مسؤولية ما يقع، وقال "من هذا المنبر أحذر المسؤولين، لأن دور الأقسام البيطرية والاقتصادية بالعمالات جد مهم، ونحذر من أي تسمم للمواطن نتيجة أكل السمك"، متسائلا عمن سمح للشاحنات بتفريغ حمولاتها بالدارالبيضاء، ومن رخص لأربابها بالبيع، وعن مصدر هذا السمك، وهل خضع للمراقبة أم لا؟
واستغرب لعبيدي تجاهل المسؤولين للقطاع، رغم الرسوم والضرائب التي تستنزف المجهز، عبر اقتطاعات ضريبية لا مثيل لها بقطاعات أخرى.
- لتوضيح هذه النقطة أكثر، أعتقد أنه من الضروري الرجوع إلى الماضي القريب، انطلاقا من الاتفاقية الأولى المبرمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، خاصة بعد التحاق كل من إسبانيا والبرتغال بالاتحاد، خاصة إسبانيا، التي تشكل عدد وحداتها 90 في المائة من إجمالي الوحدات الأوروبية العاملة في المياه المغربية.
كنا دائما نقول للحكومة إنه يجب أن تبرم الاتفاقيات على الشكل الذي تبرم به، والذي مازالت تبرم به، كنا نقترح على المسؤولين استحضار مطالب رجال البحر، قبل توقيع أي اتفاقية، وكنا نحدد هذه المطالب في أربعة، مطلبان وطنيان، واثنان قطاعيان.
المطلب الأول، يتمثل في تجاوز مرحلة استجداء الصدقة، التي كانت تحصل عبر ربط صيد الأسطول الأوروبي في المياه المغربية بغلاف مالي، إلى مرحلة شراكة مغربية أوروبية حقيقية، تنطلق من إحداث مصانع للشباك، والمحركات، والأجهزة الإلكترونية وغيرها من متطلبات رجال البحر، إذ لا يعقل أن المغرب، الدولة البحرية، مازال يستورد إبرة حياكة الشباك من كوريا الجنوبية وإسبانبا.
أما المطلب الثاني، فيرتبط أساسا بحماية الثروة السمكية، التي تعتبر من صميم السيادة الوطنية.
إذن، لابد من هذين العنصرين، لأن الغلاف المالي ضعيف مهما كان حجمه مقارنة مع نهب الثروات السمكية الوطنية.
أما الشق الثاني، فيتكون بدوره من مطلبين، يتمحور أولهما حول استفادة رجال البحر المغاربة من المساعدات والأغلفة المالية، التي تمنح للدولة، مقابل إبرام هذه الاتفاقيات، فيما يتمثل الثاني في عدة محاور في هذه الاتفاقيات المبرمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، التي نعتبرها مبهمة، وفي هذا الصدد، يجب الوقوف عند أربعة محاور، أولا تحديث البنية التحتية المينائية، وثانيا عصرنة وتحديث الأسطول الوطني للصيد الساحلي، ثالثا فهو الرفع من المستوى الاجتماعي لرجال البحر، عن طريق إحداث صناديق تعاضدية لرجال البحر، ثم دعم المحروقات، وفي هذا الصدد، كان المغرب تسلم غلافا ماليا قدر بمبلغ 16 مليار سنتيم.
وهنا التساؤل: كيف يمكن للمغرب، في شخص الحكومة، أن يبرم اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي، وروسيا واليابان، التي تستعمل شتى وسائل الدمار الخاصة بالصيد، الممنوعة دوليا، مثل الشباك السرطانية، والخراطيم، والمفرقعات، والأضواء الكاشفة، وتستنزف جزءا كبيرا من صيد رجال البحر المغاربة، في الوقت الذي لا يستفيد فيه البحار المغربي من هذه الاتفاقيات، لهذا كنا دوما نطالب بتفعيل تلك الأغلفة المالية، ابتداء من 1992 تاريخ إبرام اتفاقية الصيد البحري، ثم مراجعتها، ومحطة 1995، فمحطة عام 2000، إلى آخر محطة تجديد الاتفاقية. والمغاربة، وعلى الخصوص رجال البحر، لا يستفيدون من هذه الاتفاقية، هناك من يتحدث عن تقليص عدد السفن بالأسطول الإسباني والبرتغالي، لكن الواقع يوضح العكس، هناك إسبانيون وبرتغاليون دخلوا في شراكات مع مغاربة بشركات جوهرها إسباني وبرتغالي وشكلها مغربي، إذ تصطاد في المياه الإقليمية المغربية تحت الراية المغربية، لقرصنة المخزون السمكي الوطني.
إن تجديد الاتفاقيات بالشكل الحالي يضر بمصالح رجال البحر، وسبق لنا أن عبرنا بشكل مباشر عن رأينا في اجتماع مع وزارة التجارة الخارجية، بحضور ممثلي سفارات دول الاتحاد الأوروبي بالمغرب، وعرضنا عليهم مقترحنا بالترحيب بهم للصيد في المياه الإقليمية الوطنية، لكن في إطار شراكة حقيقية، أولا بفرض مرور السمك المغربي عبر الموانئ المغربية للتأكد من الكمية والحجم، كما أن الفرصة ستكون مواتية لتشغيل يد عاملة عاطلة إضافية.
إذن كل هذه عوامل ساهمت في تقهقر الصيد في المياه المغربية، إضافة إلى ذلك جاءت مسألة المدونة البحرية، التي جرت دراستها منذ 25 مارس 1965، في مقر وزارة الطاقة، والتي مازالت إلى يومنا هذا تراوح مكانها بين الأمانة العامة للحكومة، ووزارة الصيد البحري والبرلمان، بمجلسيه النواب والمستشارين، هذه المدونة المطلوب أن تخرج إلى حيز الوجود لتحمي حقوق البحار.
الجانب الثالث، الذي ساهم في تقهقر قطاع الصيد، يتمثل في عدم تفعيل الظهير الملكي، الذي عن طريقه ظهر المكتب الوطني للصيد البحري، الذي كان أحدث في عام 1969، من أجل دعم قطاع الصيد الساحلي والتقليدي، والرفع من المستوى الاجتماعي لرجال البحر، كانت مبادرة خجولة جدا سميت بـ "الضمان البحري"، وتوقعنا فشلها، إذ أسند لشركة تجارية للتأمين، بدل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، المفروض أنه الأقرب إلى مشاكل البحار، وفشل فعلا.
هناك نقطة أخرى لها أهميتها، هي قضية الضرائب والمكوس، التي تفرض على رجل البحر، تقتطع يوميا من مبيعات السمك، دون استحضار الخسائر والمصاريف، مثلا نجد أن المركب قبل خروجه إلى البحر يتطلب مصاريف، لنفرض على سبيل المثال 8 آلاف درهم من الغزوال وغيرها من المصاريف الأخرى، وعند عودته إلى الميناء، تقتطع الضرائب والمكوس على المبيعات برمتها، وإذا فرضنا أنه باع السمك بما مجموعه 10 آلاف درهم، تقتطع الضرائب من مجموع المبيعات 10 آلاف درهم، دون حذف الخسائر 8 آلاف درهم.
إضافة إلى ذلك هناك قرارات عشوائية تصدرها الوزارة بين الفينة والأخرى، من ضمنها تطبيق ضريبة سنوية على الأجهزة السلكية واللاسلكية، التي لا علاقة لها بالوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، وضريبة أخرى على رخصة الصيد من المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، وضرائب سنوية أخرى، والطامة الكبرى الزيادة في ثمن الغزوال، فبعدما كان ثمن الطن هو 1850 درهما، بلغ اليوم 7100 درهم، نحن نعي أن المغرب ليس دولة بترولية، وأنه يستورد هذه المادة مقابل العملة الصعبة، ولذلك لم نطالب بتخفيض الثمن، لكن طالبنا بتفعيل الأغلفة المالية المتعلقة بالاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي، ودعم صندوق المقاصة، على أساس أن يؤدي البحار 3500 درهم، ومثلها يؤديها صندوق المقاصة.
طالبنا كذلك بإخراج الصناديق التعاضدية لرجال البحر إلى الوجود، إذ من العار أن يشتغل البحار طيلة شبابه في البحر، وبعد التقاعد، يعود إلى الميناء ليس للعمل وإنما لاستجداء صدقة من البحارة. من العيب أن يبقى البحار ببلد بحري مثل المغرب مستضعفا، فالمغرب يتوفر على أسطول للصيد البحري من زمن طويل، منذ حرب تطوان عام 1860، وأحدث في عام 1969 المكتب الوطني للصيد البحري، وفي عام 1981 وزارة للصيد البحري.
كل هذه المشاكل تراكمت، وتأزم الوضع جاء تدريجيا، عندما بلغ السكين عظم البحري، حينما أصبح لا يتقاضى سوى 18 درهما لمدة 24 ساعة، ولذلك اتخذ قرار الإضراب على هامش معرض البحر في أكادير، وتبلور في اجتماع للجامعة في آسفي، بشن إضراب بعد اتخاذ جميع المساطر القانونية.
ونسق مكتبا الجامعة والكونفدرالية، وأصدرا بلاغا، موقعا من أربعة أشخاص دون توضيح الهيئة الصادر عنها، يعلن إضرابا في 5 دجنبر المنصرم.
وبعد أن رأت الوزارة أن الإضراب سيشوش عليها، استدعت الأربعة الموقعين على البلاغ للحوار، يوم رابع دجنبر، للاجتماع ليلا مع الوزير في فندق بالدارالبيضاء، انتهى بمأدبة عشاء، وأصدرت الوزارة بلاغا قالت فيه إنها اجتمعت مع المهنيين، واتفقت معهم على أساس إيجاد حلول مع نهاية شهر فبراير الجاري، وأن لقاءات ستتلو ذلك مع الوزير الأول.
واعتبر الاجتماع مع الوزير الأول بمثابة تمويه لكسر الإضراب الذي أعلن عنه الرباعي، الجامعة كانت راسلت الوزارة، وسبق أن نبهت إلى خطورة الوضع دون رد فعل من الوزارة، وفي يوم 29 يناير المنصرم، قررنا الخروج في وقفات احتجاجية أمام مقر الوزارة، والمندوبيات، والولاية، كما قررنا شن إضراب، لأن الإضراب حق دستوري مشروع، أما التوقف فهو قانوني، قد يكون توقفا لساعة أو ساعتين، نعم، لكن التوقف بشكل مستمر ليس قانونيا.
والإضراب حق مشروع، وجاء بعد سلسلة من المشاكل، وبعد أن بلغ السكين عظم البحري، وبعد تهميش العنصر البشري بالقطاع البحري، وعدم الوفاء بالوعود في هذا المجال. هذا فضلا عن مشاكل أخرى من قبيل حماية الثروة السمكية، وتحديث الموانئ، إذ الواقع يبين أننا لا نتوفر على موانئ للصيد البحري، لهذه الأسباب تقرر شن إضراب جرى الإعلان عنه عن طريق الصحافة الوطنية، التي تؤكد عناوينها أن الجامعة كانت سباقة لإعلان الإضراب، ونبهت الوزارة إلى ذلك. وبعد التنبيه، اجتمعنا بالوزير على هامش اجتماع المجلس الإداري للمعهد الوطني للصيد البحري، وطلبنا منه الاجتماع مع المهنيين لحل المشاكل، ووعدنا بعقد اجتماع دون أن يفي بوعده، فراسلنا بعدها الوزير الأول، ونظمنا الوقفات الاحتجاجية، فكان اللقاء الرسمي مع الوزير الأول، في مقر الوزارة الأولى، استمع خلاله لأعضاء الوفد، الذي أبرز مشاكل القطاع والحلول المنشودة أيضا، وأخبرناه بمراسلتنا لرئيس المجلس الأعلى للحسابات ليضع الأجهزة التابعة للوزارة تحت المجهر. وتجاوب معنا الوزير الأول، لكن النتائج لم تكن كما نتطلع، وعندما استدعينا إلى جلسة حوار يوم الجمعة فاتح فبراير الجاري، كنا نعلم المرامي والأهداف من وراء تلك الجلسة، استعرض المسؤولون بالوزارة مقترحاتهم، بالجلوس إلى طاولة الحوار مع مسؤولي وزارة المالية، وشركات المحروقات، وبأن الضريبة لن تحذف، لكن في المقابل تحذف 7 في المائة من الضريبة على القيمة المضافة، وتخصم 300 درهم من الثمن الإجمالي للطن من الغزوال. وكان ردنا أن الوزارة لم تأت بجديد، وأن القطاع يمر بأزمة، ونحن نقبل خصم 300 درهم من الثمن الإجمالي للطن من مادة الغزوال، شريطة العودة إلى الثمن المرجعي الذي هو 4525 درهما، ناقص 300 درهم، سيصبح 4225 درهما. وليبقى الثمن كما هو، يجب أن يتدخل صندوق الموازنة، ليؤدي البحار فقط 3500 درهم، ومادام أن أموال الاتحاد الأوروبي هي خاصة بالقطاع، فأين حق القطاع من 35 مليار سنتيم من خوصصة اتصالات المغرب؟
- في الوقت الذي جرت فيه خوصصة اتصالات المغرب، وزع على كل وزارة نصيب من قيمة الصفقة، وكان نصيب وزارة الصيد البحري 35 مليار سنتيم لدعم القطاع البحري اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا.
ونتساءل كذلك أين 16 مليارا التي تسلمها المغرب من إسبانيا، و25 مليار عن اتفاقية الصيد مع الاتحاد الأوروبي؟
- لدينا 105 ملايير سنتيم، والوزارة تعترف فقط بمبلغ 35 مليارا، ليكن فقط 35 مليارا، لماذا لا يدعم صندوق الموازنة للتخفيف من حدة الارتفاعات المتوالية في أسعار البترول، وحينها لن نقتني الطن من الغزوال بمبلغ 5 آلاف درهم، وإنما بمبلغ 3500 درهم للطن.
- (يضع ملفات أمام الطاولة ويقلب الأوراق) جميع المسائل هنا موثقة، منذ عام 2004 ونحن ننبه لهذا الخطر، وسبق أن أنذرنا بإمكانية التوقف الاضطراري، راسلنا الوزارة وأخبرناها أن ثمن المحروقات بلغ 4330 درهما، وراسلنا أيضا، العامل، والوالي، وأيضا وزير الداخلية، ونظمنا وقفة احتجاجية، راسلنا الوزارة مباشرة بعد تطبيق الضريبة على القيمة المضافة على السلع البحرية، في ثاني يناير المنصرم.
هذه هي الأسباب التي أدت للإضراب، ونحن منذ 2004، أي حين بلغ ثمن الغزوال 4330 درهما، ونحن ندق ناقوس الخطر، ونهدد بالتوقف. لكن في المقابل، بدل حل المشكلة، كانت الزيادات تتواصل، لهذا قررنا في الجامعة الوطنية شن إضراب وطني، ونظمنا عدة أشكال نضالية...
*** يتبين من خلال جوابكم أن المشكل لا يتعلق فقط بالزيادة في ثمن الغزوال، بل يرتبط بمشاكل أخرى كثيرة، طرحتموها، ما موقفكم في حال تلبية الوزارة الوصية مطلب تخفيض ثمن الغزوال، هل سيستمر الإضراب أم يتوقف، مع العلم أن البحارة وبعض المهنيين يشترطون فقط تخفيض ثمن المحروقات لاستئناف العمل؟
- جرت العادة في النضال النقابي، أن الهيئات النقابية تتقدم، في المفاوضات، بمطالب عدة، تتوصل الأطراف المتحاورة إلى حلول لبعضها، ويؤجل البت في الأخرى، هذا بالنسبة للحوار، أما اليوم فنحن أمام الباب المسدود.
وبالنسبة إلينا الزيادة في ثمن الغزوال نقطة صغيرة في بحر من المشاكل، أما مطالبنا الأساسية فهي إحداث صناديق تعاضدية، إذ لا يمكن أن يقتطع لفائدة الجماعة الحضرية 3 في المائة، و5 في المائة للمكتب الوطني للصيد البحري، وعندما يحال البحار على التقاعد يتقاضى 1500 درهم في كل 3 أشهر، أي 500 درهم للشهر.
*** بالنسبة لتقاعد البحار، هل تتحمل فيه الدولة المسؤولية، أم أرباب مراكب الصيد الذين عادة ما يصرحون بأرقام أقل بكثير من الكمية المصطادة، ما يؤثر على النسب المائوية، التي تقتطع للبحار لفائدة الضمان الاجتماعي؟
- بالفعل، ولن أنفي ذلك، لأن هناك تواطؤا بين بعض المسؤولين ومنعدمي الضمير، والبحار هو الضحية.
لكن من المسؤول عن هذه الوضعية، طبعا الجهات المسؤولة، مثلا السمك الصناعي، في عهد مكتب استغلال الموانئ، كان يباع داخل الميناء عن طريق المزايدة "الدلالة" في سوق السمك، الآن يباع على الرصيف، تحت الأمطار والشمس والهواء والغبار، والمجهز هو الذي يتقاضى الثمن، وفي الصباح يتكلف بإخبار المسؤولين بحجم المبيعات، وعادة ما لا يعطي الأرقام الحقيقية.
المسؤولية هنا تقع على وزارة الصيد البحري، وليس المجهز، على اعتبار أن المكتب الوطني للصيد البحري هو المفروض أن يتكلف ببيع السمك، ويتقاضى الثمن، ويقتطع الرسوم وكل المستحقات، بدل البحار.
والوزارة مفروض فيها حماية مصالح البحار، كما أن الرسوم مفروض أنها تؤدى مقابل خدمة، وهو ما لا يوجد على أرض الواقع.
وهذه الوضعية، أي بيع المنتوج السمكي بطرق غير شرعية وخارج سوق ميناء الصيد، سبق أن أشرنا إليها، ونبهنا المسؤولين لخطورتها.
أما بيع السمك المرن بالسوق، فهناك بعض التجاوزات أيضا يقوم بها بعض منعدمي الضمير، ولا يمكن أن يقوم بها وطني غيور على وطنه.
وهنا نطالب بتشديد الخناق ومعاقبة من يتلاعب ببيع السمك، ليس فقط عن طريق مضاعفة الرسوم، ولكن بسحب كل السمك المصطاد وتوزيعه على المؤسسات الخيرية.
وهنا نحمل مسؤولية البيع السري للسمك للمسؤولين، الذين يغضون الطرف عن التلاعب.
*** ما هو الدور الذي قامت به الجامعة أمام إفلاس مجهزين لجأوا إليها، ووجدوا أنفسهم معزولين دون إطار يدافع عن مصالحهم؟
- لا يمكن أن نجزم هكذا، ونقول غياب إطار يدافع عنهم، إن الإفلاس عادة ما يكون نتيجة غرق المركب أو تراكم الديون، خصوصا إذا علمنا أن 99 في المائة من المراكب غير مؤمنة، والبحار المؤمن لا يمكن أن يمتطي المركب دون تأمين، ونحمد الله على هذا القانون.
وفي ما يخص الإطارات، التي تدافع عن المجهزين والبحارة ككل، فهي موجودة، تتمثل في إطارات مهنية، وجمعيات، وتجمعات، وغرف، والكونفدرالية الوطنية للصيد البحري، والجامعة الوطنية لجمعيات أرباب مراكب الصيد الساحلي بالمغرب، وهذه الجمعيات موزعة بين الجامعة والكونفدرالية.
إذن، هناك جمعيات وإطارات، لكن ما ينقص هو التفعيل، لأن أغلب هذه الهيئات الجمعوية لا تعي حقوقها، ولم يقرأ أعضاؤها الظهير المنظم، ولا يعرفون متى تبدأ حقوقهم ومتى تنتهي، لأن دور الجمعية لا يقتصر فقط على إعداد وثائق الانخراط بالضمان الاجتماعي، وتمثيل البحار في الاجتماعات، وإنما يمتد إلى ما هو أكثر، أي إلى التأطير والتأهيل، والدفاع عن المصالح، فإذا كان الجمعوي والنقابي غير مؤطر، كيف يمكن أن يؤطر المنخرطين.
وفي هذا الصدد، أطالب بإعادة النظر في الميكانيزمات المؤسسة للدور الجمعوي، والغرف بالأخص، وكنا في هذا الإطار من المبادرين إلى المطالبة بخلق غرف الصيد البحري على غرار الصناعة التقليدية والتجارة والصناعة. لكن المشرع لم يمنح لهذه الغرف صلاحيات، إذ بالإضافة إلى أن عددها اقتصر على أربع، فهي تمثل خليطا من الصيد في أعالي البحار، والصناعة السمكية، والصيد الساحلي، والتقليدي، والأحياء المائية، ثم إن المشرع منحها دورا استشاريا لا تقريريا، كما أن الانتخابات تحضر فيها القبلية والأموال.
الغرفة مطلوب فيها إنجاز دراسات تساعد الدولة على إيجاد حلول للقطاع. كما أن الغرف منحت كل الحرفيين مكانتهم إلا البحار، الذي يوجد خارج الغرفة، وهو ظلم يجب تجاوزه.
أما الجمعيات فدورها محدود ويجب إعادة النظر في أنشطتها.
*** ما رأيكم في الانتفاضة الأخيرة لرجال البحر ضد القيادة التقليدية، واتهامها باعتماد أسلوب غير شفاف في تدبير القطاع، وفي الحوار مع المسؤولين، ما جعل قيادة من 15 شخصا تقود الحركة الجديدة؟
- لا، لا، اسمح لي، يجب أن نضع كل شيء في مكانه، ونسمي الأشياء بمسمياتها، ليس هناك لا 15 ولا 30.
الحقيقة كما يلي: الكونفدرالية والجامعة تقومان بواجبهما، والغرف تغط في النوم، هياكل عظمية، لا علاقة لها بمحيطها المباشر، الجمعيات تقوم بواجبها، ناقص شيئا ما، لكن هذه المشاكل التي يتخبط فيها القطاع ليست وليدة الجمعيات والتجمعات المهنية، ولا من طرف الكونفدرالية والجامعة والغرف، وإنما من الدولة.
*** كيف تتحمل الدولة مسؤولية هذه الأزمة؟
- الحكومة هي من رفع ثمن المحروقات، هي التي لم تقم بتفعيل الأغلفة المالية، وأنا أقول إن وزارة الصيد البحري والمديريات التابعة لها بها فساد إداري، هذا هو الذي دفع إلى المشاكل.
ليس هناك انتفاضة، إنما السكين بلغت العظم، غدا حين ينخفض ثمن المحروقات سيستأنف البحار العمل، الناس في حاجة إلى الأكل، أما الانتفاضة فضد من؟ ممكن أن نتفق لو انتفضوا ضد وزارة الصيد البحري، واعتصموا أمام مقرها، أو أمام الوزارات الأخرى، الأولى، والداخلية، والمالية، وأمام المكتب الوطني للصيد البحري، لأنها تتحمل المسؤولية الكبرى في ما يعيشه القطاع من أزمة وما يعيشه البحار من وضع مزر.
أما الجمعيات وباقي الهيئات، فلا ذنب لها. الكونفدرالية والجامعة تستغيثان منذ زمن لإنقاذ القطاع دون أي تجاوب، اعطيني أسماء هيئات انتفضت...
*** (مقاطعا) لكن هناك معركة حالية يقودها 15 شخصا انتخبوا لتمثيل البحارة في الحوار؟
- (يقاطع بانفعال) أبدا، ليس هناك قائد لهذه المعركة، البحارة توقفوا عن الصيد لأن "المازوط هلكهم"، الكونفدرالية قامت بواجبها حينما كنت كاتبا عاما بها، الجامعة الآن تقوم بواجبها وتناضل على جميع المستويات، الجمعيات تقوم بواجبها رغم أنه ناقص... أما الانتفاضة فيجب أن تكون ضد من سلبهم حقوقهم، فلا قانون يحمينا، والمدونة لم تخرج إلى حيز الوجود، ونهب الثروة السمكية متواصل. لقد اضطر الجميع للتوقف، ويوم تقرر الوزارة تخفيض ثمن الغزوال، سيعود الجميع إلى البحر.
*** مادام البحار توقف من تلقاء نفسه، واتخذ القرار في البحر، يعني أن غياب التأطير أمر واقع لا غبار عليه؟
- لا، لا يجب أن نغالط الناس، كان يجب أن تسألني عن الفساد في المكتب الوطني للصيد البحري منذ 1969، اسألني عن وزارة الصيد البحري، اسألني عن أموال الاتفاقيات أين تذهب، أما التأطير، فهذا شيء آخر، هل الجامعة والكونفدرالية والجمعيات تتوفر على عصا موسى لحل المشاكل. وهناك من يريد ركوب الخيل دون سرج...
*** مثلا؟
- مثلا أرباب الصيد في أعالي البحار يعملون ويهيئون لانتخابات 2009، هنا يجب أن نكون واقعيين، كما أن هناك بعض الأحزاب بدأت تعمل، من هنا أقول إن المشكل ليس مشكل جامعة أو كونفدرالية...
*** ليس القصد توجيه اتهامات للجامعات بكونها السبب في مشاكل القطاع، السؤال هو مشكلة ضعف التأطير؟
- قل لي من انسحب من الجمعيات، أعضاء الجمعيات مازالوا في مواقعهم.
*** مثلا التجمعات التي تعقد يوميا في ميناء الدارالبيضاء، دون تأطير من أي جمعية أو جامعة.
- اعطني الجهة التي نظمت التجمع؟
*** هل تشكك في أن المجتمعين بحارة؟
- لا أنت تشكك في هويتهم، تحدث معي عن يافطة يجتمعون تحت لوائها، مثلا البيان الرباعي، الذي سبق الحديث عنه، رغم أنهم أصدقائي ومسؤولون بالقطاع، لكن توقيعهم بلاغا دون يافطة لا أعترف به، إلا إذا كان يحمل يافطة الجامعة والكونفدرالية.
*** السؤال هو أن زمام الأمور انفلت من الهيئات المهنية؟ والبحارة هم من قرروا الإضراب؟
- إن العمل النضالي خضناه، وقدمت في البداية لمحة مركزة عن أهم مراحله، من الرسائل إلى الوقفات إلى الحوار إلى الإضراب.
*** إذن غدا يمكن أن تعلن الجامعة توقيف الإضراب، فينفذ البحارة القرار؟
- الإضراب لن يتوقف إلا إذا تحققت نتائج إيجابية، إذا خفضت الوزارة من ثمن المحروقات وفعلت الأغلفة المالية، ودعمت القطاع وجددت الموانئ.
*** لنخرج من وضعية الجمعيات، ونعود إلى السمك، كيف تفسرون وجود الأسماك رغم الإضراب؟
- في ما يخص السمك الذي يروج في الأسواق، هناك معامل ومصانع السمك المجمد، ولكن الدور هنا على الأقسام الاقتصادية بالعمالات، وهنا من هذا المنبر، أحذر المستهلكين، لأن دور الأقسام البيطرية والاقتصادية بالعمالات جد مهم، ونحذر من تسمم المواطن من أكل السمك، فلا علاقة للبحارة بالأمر، لأنهم مضربون عن العمل.
*** ولكن الشاحنات المحملة بالسمك تحل يوميا بالدارالبيضاء لبيع السمك بالجملة؟
- نعم أعرف ذلك، لكن السؤال من سمح لها بتفريغ حمولاتها بالدارالبيضاء، أين السلطات، ثم ثانيا هذه الشاحنات لها علاقة تجارية، ونحن لا سلطة لنا على ما يقع خارج الميناء، لا دخل لنا في الموضوع.
*** السؤال هو أنكم تتحدثون عن إضراب وطني، لكن من أين يأتي هذا السمك؟
- لا علاقة لنا بهؤلاء الناس، هؤلاء تجار، ولا دخل لهم في وزارة الصيد البحري، وهذا سؤال يوجه للسلطات، ولمن رخص لهم بالبيع، ومن أين أتى، ومن أين قدم هذا السمك، وهل خضع للمراقبة؟
أما نحن فلا علاقة لنا بهذه الشاحنات، لا يمكن لنا أن نتدخل في شأن لا يهمنا، والمسؤولية هنا تتحملها السلطة.
*** وهل يمكن أن نتحدث عن مراكب صيد تصطاد في بعض الموانئ، ولم تنفذ قرار الإضراب، خاصة أن هناك حديثا عن أن هذا السمك قادم من الجنوب؟
- للجنوب خصوصياته، وأنا أقول إن الموانئ التي توجد بها الجامعة مضربة عن العمل مائة في المائة، والموانئ التي يوجد بها الإخوة في الكونفدرالية بدورها مضربة، ما وقع هو أن بعض المراكب تستغرق مدة في البحر، خاصة في الجنوب، وتأخرت لأنها خرجت قبل إعلان الإضراب، أما الإضراب، فهو ناجح مائة في المائة، وكلنا نناضل من أجل هدف واحد.
فلما أعلنا عن الإضراب كان ذلك رسميا، وفتحت قنوات الحوار، مع الوزير الأول، ومع الكاتب العام، وننتظر حوارا مع وزير الصيد البحري، وإذا توصلنا إلى حل، ولو بتحقيق جزء من المطالب، خاصة المتعلق منها بالمحروقات، سنستأنف العمل.
*** هل يمكن لحركة الإضراب أن تتأثر مع الوقت بسبب غياب مورد عيش للبحار خارج البحر؟
- هذا فعلا ما يفرق بيننا وبين جيراننا الإسبان، إذ أن البحار لا يجوع في الإضراب بإسبانيا، إذ تحمل زوجته في عز الإضراب القفة وتذهب إلى السوق، لأن عيش البحار مضمون.
*** من يضمنه؟
- الدولة، نحن نؤدي الرسوم والضرائب فوق ما يؤدي أي قطاع آخر، ونفعل ذلك دون تردد، وعندما اقترح التأمين الإجباري صفقنا له، لكن هل استحضر هذا التأمين الأمراض التي يعانيها البحار؟ طبعا لا في البداية، لكن بعد معركة نضالية أدمجت تلك الأمراض