ظل العنف بشتى صوره يؤرق المجتمعات الساعية إلى التقدم والتنمية، واعتبرت هذه المجتمعات أنه عائق أساسي أمام تطورها ولحاقها بالركب الحضاري.
ووعيا منها بهذا التحدي، بادرت الجمعية الشرقية لنشر ثقافة اللاعنف بوجدة، إلى البحث عن وسائل مكافحة هذه الآفة، انطلاقا من مبادئ حقوق الإنسان وقيم المواطنة التي تنبذ التطرف والإقصاء والتمييز على أساس الجنس، والحرمان من الحقوق الأساسية في الحياة والعيش الكريم.
لكن الجمعية ترى في اعتماد مبدأ الوساطة أحد الوسائل التي بإمكانها مواجهة هذا العنف" فنحن نسعى لمكافحة كل العنف الذي يواجهه مجتمعنا في كافة تجلياته الاجتماعية والعائلية والمدرسية" تقول سمية سكوري، رئيسة الجمعية.
تأسست الجمعية الشرقية لنشر ثقافة اللاعنف سنة 2006. هي جمعية أولى من نوعها في مجال لم يعرف طريقه بعد في المغرب، هو مجال الوساطة: الوساطة في الحياة اليومية، التي بإمكانها أن تدلل الصعاب وتحسس بضرورة التعايش وتحمل الآخر وقبول اختلافه...كما هي فضاء للتواصل يسمح بالتقدم في صيانة العلاقات الاجتماعية المهنية والإنسانية. وتعترف سمية السكوري أن انعدام التواصل يجهض كل إرادة تنموية وكل روح لحوار وتقاسم القيم والمبادئ التي تنشر السلم" إذ لا يمكن الحديث عن أي تنمية، مادمنا نعاني الكثير من العنف، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وأسريا، لهذا نعتمد في استراتيجيتنا، إلى جانب الوساطة، على التربية على اللاعنف، التي يجب أن تصبح ثقافة متجذرة في حياتنا اليومية وفي فكرنا".
تركيز الجمعية اهتمامها على دور الوساطة في الحياة اليومية للناس، دفعها لإصدار دليل تطبيقي للحلول البديلة لفض المنازعات، يتحدث عن الأهمية التي يجب أن يكتسيها الصلح في المعاملات العامة، وقد أعده عضوان نشيطان في الجمعية، هما الشابان عبد الله لحسايني، وإلهام بنعيسى، اللذين يشرفان على مركز الوساطة التابع للجمعية ببركان. وعن هذه المبادرة، يوضح الأعضاء، باعتبارهم "وسيطين اجتماعيين بالجمعية الشرقية لنشر ثقافة اللاعنف "إننا نسعى إلى المساهمة في نشر السلم الاجتماعي، وكذا تحقيق مبادئ المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لكون وسائل فض النزاعات تخدم بشكل كبير التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ولهذا، سعينا في الجمعية للتعريف بأهمية هذه البدائل بل وإنشاء فرع بمقر الجمعية، متخصص في الصلح وفض النزاعات العائلية لما له من تأثير إيجابي على حفظ الخلية الأساسية والمقدسة للمجتمع، والتي هي الأسرة".
وتتحدث الأستاذة إلهام بنعيسى، أمينة المال، عن مركز الوساطة ببركان الذي استطاع أن يشكل نموذجا يحتدى، إذ يتكلف إلى حد اليوم، بأزيد من 20 ملفا، تمكن الوسيطون من حل عدد منها دون اللجوء إلى المحاكم، في حين يواكبون المتنازعين الذين لم يتوصلوا إلى حل، في مراحل المحاكمة من خلال شرحهم للقانون وتعريفهم بالخطوات الواجب اتباعها.
ورغم نجاح التجربة، فإن هناك عراقيل من قبيل ضعف الإمكانيات المادية، التي تحول دون التواصل بشكل مستمر مع المتنازعين والتنقل إليهم، ومن قبيل عدم توفر حصانة قانونية لهؤلاء الوسطاء " في انتظار صدور قانون الوساطة الاتفاقية المنظم لمهنة الوسطاء، الذي تتدارسه حاليا وزارة العدل".
وللتحسيس بأهمية الوساطة في حل النزاعات والصلح، تعمل الجمعية على تنظيم لقاءات وموائد مستديرة للتعريف بهذا الدور، الذي أصبحت له صبغة قانونية في عدد من الدول راهنت على التقليص من المشاكل والنزاعات بين أفرادها، مثل بريطانيا والولايات المتحدة، حيث لاقت التجربة نجاحا كبيرا، إذ أن حوالي 90 في المائة من النزاعات حلت عن طريق التفاوض، و10 في المائة فقط هي التي تصل إلى المحاكم. " أما في المغرب، فماتزال المبادرات جد محدودة، رغم حث جلالة الملك في مناسبات متعددة على مراجعة مساطر التسوية التوافقية، في حالة نشوء منازعات بين التجار، كما ورد في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى الوزير الأول، بتاريخ 9 يناير 2002".
وهكذا نظمت الجمعية يوما دراسيا حول موضوع "الوساطة كبديل لحل الخلافات الاجتماعية" بهدف التعريف بالوساطة كأسلوب من أساليب الحلول البديلة، وكذا لتحسيس المسؤولين بالعمل على إدماج نظام الوساطة في التشريع المغربي.
كما نظمت موائد مستديرة حول أهمية الوساطة في حل النزاعات، وشاركت في ندوة حول مشروع مأسسة الوساطة، ومدى دور المحامين والمجتمع المدني.
غير أن التحسيس، بالنسبة إلى الجمعية، يمتد إلى المدارس والثانويات، في شكل حملات توضح دور التواصل اللاعنفي بين التلاميذ والأساتذة. وتأمل مواصلة أنشطتها عبر حملات حول التربية على اللاعنف والسلم داخل المدرسة، والتحسيس والتكوين للتلاميذ والمدرسين، حول الوساطة المدرسية.
الوساطة هي أيضا مدخل لعدة مشاريع تحظى باهتمام الأعضاء، وخاصة بالنسبة إلى مشاريع صغرى تهم نساء في وضعية صعبة.
ولا تتوقف طموحات الجمعية عند هذا الحد، بل إن تشبعها بمبادئ السلم، كما هي معرفة في قرار منظمة الأمم المتحدة المتعلق بثقافة السلم واللاعنف، يدفعها إلى تنظيم حملات تحسيسية حول أهمية ثقافة اللاعنف ومكافحة التطرف الديني. فقد اكتشفت الجمعية أن هناك رابطا وثيقا بين اللاعنف ودور الوساطة، وتسعى في وقت أول إلى تنمية روح الوساطة لدى الفرد وإدماج ممارستها في مختلف المقاربات.
كما تنوي إنشاء مركز للوساطة الاجتماعية في الجهة الشرقية، وإعداد مركز للاستماع والمواكبة لضحايا المخدرات "لأننا اكتشفنا أن استهلاك المخدرات، خاصة المعروف بالقرقوبي، الذي يفقد صاحبه السيطرة على عقله وأفعاله وشعوره، له عواقب جد وخيمة على مستقبل شبابنا، وفي هذا الإطار، قمنا بتحقيق حول الموضوع في المنطقة الشرقية، وقفنا من خلال نتائجه على واقع جد مؤلم يتعلق بالأسباب الرئيسية لهذه الآفة، وأكثرها المشاكل العائلية والبطالة، ولهذا فكرنا في إنشاء مركز للاستماع والوساطة للشباب، للحد من الظاهرة ومحاولة رصد مسبباتها في أفق القضاء عليها نهائيا" تقول سمية السكوري، رئيسة الجمعية.
ويبقى التكوين أحد السمات التي تميز الجمعية، فأفرادها يخضعون إلى التكوين بشكل منتظم ومتواصل، وتسعى إلى تكوين الوسطاء، الذين عليهم القيام بمهمتهم أحسن قيام.
هدف الجمعية أيضا، خلق بشراكة مع تنظيمات أخرى، شبكة للمساهمة في تنمية الحلول للمشاكل والوساطة، وإنعاش التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، ومساعدة النساء في وضعية صعبة، وإنعاش الوساطة لتسوية النزاعات كبديل للوقاية من العنف، والتحسيس وتكوين المجتمع حول مبادئ التواصل السلمي.
مجموعة من الشباب، حاصلين على شهادات جامعية عليا وتخصصوا في الوساطة الاجتماعية، فقرروا وضع كل طاقتهم وخبرتهم في هذا المشروع الذي يعتبرونه أساس التنمية والتقدم المجتمعي.
سمية سكوري، 27 سنة، الحاصلة على شهادة الباكالوريا زائد 6 سنوات، وتابعت دراساتها العليا في مجال الوساطة، وتعمل حاليا مكونة في الهندسة الاجتماعية، أبت إلا أن تضع كل هذه المؤهلات رهن إشارة مجتمعها الذي ترى أن أصل مشاكله هو استفحال العنف بين أفراده واستفحال النزاعات، التي من الممكن، بشيء من التعقل والوعي، تفاديها أو حلها لو وجدت وسطاء لهم من الحكمة والتبصر ما يساعد على حلها.
وهكذا، يعمل أعضاء الجمعية، وهم الكاتب العام عبد الله لحسايني، وأمينة المال إلهام بنعيسى ونائبها سمير بدوري، والمستشار محمد هاكو، إلى جانب الرئيسة، من أجل مد ثقافة اللاعنف إلى باقي مدن المملكة، ونشر مبدأ الوساطة في كل أنحاء المغرب بدل اقتصارها اليوم على الجهة الشرقية.
دار الشباب ابن سينا وجدة
الهاتف: 078306786/ 064085681
البريد الإلكتروني:
[email protected]