يعاني سكان الدار البيضاء قلة المساحات الخضراء، ويلجأ بعضهم لضواحي المدينة، خاصة غابة بوسكورة هربا من الضجيج والتلوث، غير أن بعض البيضاويين يحولونها إلى فضاء من الأزبال.
و يقضون على بعض الأشجار، وأحيانا يؤدي إهمالهم للنار التي يحضرون عليها وجباتهم إلى الحرائق، فتكون سببا في القضاء على العديد من الهكتارات.
قال عبد الله، معلم، 50 سنة، وأب لطفلين، في تصريح لـ "المغربية" "التوجه إلى هذه الغابة هو نوع من الهروب من الضجيج، الذي أصبح السمة الأساسية للمدينة، خاصة وأنها لا تتوفر على المساحات الخضراء الكافية لسكانها".
وأضاف أن التوجه إلى الطبيعة يكسر الحياة الروتينية، التي "نقضيها بين جدران المكتب في العمل، كما تفسح المجال للجلوس مع الأطفال، ومشاركتهم بعض الألعاب". كما أبرز أن تمضية بعض الوقت في الطبيعة يبعث الارتياح في النفس، والفضاءات الشاسعة تساهم في تقوية البصر، لأن جدران البيت والمكتب يحد من النظر إلى الفضاء الواسع، فضلا عن تجديد العلاقة وتوطيدها مع الزوجة، خاصة وأن الحياة العملية جعلت الأزواج يعيشون مثل الغرباء، لأنهم غالبا ما يلتقون سوى ساعتين في آخر اليوم، ويغلب على حديثهم طابع الأوامر مثل " حضري شيئا أسد به رمقي، وإلا وسأنام في الحين لأني متعب".
وأشار إلى أن غابة بوسكورة تساهم في استقطاب العديد من الزوار، رغم الصعوبات التي يواجهها البعض في الوصول إليها، إذ يضطرون إلى الاعتماد على العربات المجرورة بالحصان، التي تقلهم من نهاية خط الحافلات أو محطة سيارات الأجرة.
واستغرب عبد الله من الأعمال والتصرفات التي تقضي على جمالية الطبيعة، مثل ترك بقايا الوجبات، والأزبال، إضافة إلى بقايا الحطب الذي يحضرعليه الأكل ، ويؤدي ذلك أحيانا إلى احتراق بعض الأشجار، بل واشتعال النيران، بسبب الإهمال الذي يميز تصرفات الوافدين على هذه الغابة.
ومن جهتها قالت خديجة، 45 سنة، زائرة لنفس الغابة، في تصريح لـ "المغربية" "أفضل الهروب من المدينة، وقضاء بعض الوقت مع أطفالي في الطبيعة، لأن الضجيج الذي تحدثه وسائل النقل أدى إلى إصابتي بالضغط، خاصة وأنني أعيش في شقة مطلة على شارع 2 مارس، الذي يعد من ضمن الشوارع الرئيسية بالمدينة، كما أشارت إلى أن التلوث، الذي يخلفه مرور الحافلات والسيارات أدى إلى إصابة ابنها بمرض الحساسية، ومن أجل ذلك تقصد الغابة كل نهاية أسبوع، غير أن الوصول إلى المنطقة شاق ومتعب، إذ أنها تستقل الحافلة وبعدها "الكرويلة" من أجل الوصول إلى الجانب الهادئ من الغابة، خاصة المطل على دوار أولاد صالح.
وأضافت أن بعض الزوار يفضلون تلك الجهة من الغابة لبعدها عن الاكتظاظ، الذي يعرفه الجانب المطل على الطريق السيار المؤدي إلى مراكش، حيث تحدث أحيانا نزاعات بين بعض الزوار، إضافة إلى وجود الباعة، الذين يعرضون "المسمن و الحرشة والشاي"، والحليب والبيض، وبعض الأكلات الجاهزة، التي تحول الفضاء إلى مقاهي متجولة.
وأوضحت أن بعض الزوار يحضرون الأكل في الغابة، مثل" الكسكس"، و"الشواء"، و"الرفيسة"، وكل ذلك يحتاج إلى الاعتماد على قنينات الغاز أو الفحم والحطب، ويترتب عن ذلك الحرائق التي تحتاج أحيانا التدخل السريع من أجل إخمادها.
وأشارت إلى أن الجهة القريبة من المنطقة المعروفة بـ "البويرات" هادئة، تتوفر على ماء طبيعي معروف لدى سكان المنطقة، إذ يفضلونه على شرب مياه القنوات، إضافة إلى الأمن الذي يوفره حارس الغابة، الذي يخرج في جولات بين الوافدين كل صباح ، ليراقب ويحذر بعضهم من مخاطر إشعال النار قرب الأشجار، عكس الجانب القريب من الطريق السيار.
من جهته، قال رشيد، صاحب عربة مجرورة، إن الغابة تستقطب العديد من الزوار، الذين يساهمون في انتعاش نشاطه، غير أنهم يقضون على الهدوء الذي يميز المنطقة، كما أن بعض أعمالهم تقضي على جمالية الطبيعة، خاصة وأن بعضهم يترك بقايا الأكل والأزبال.
وأكد زميله أن بعض الزوار يحملون الأواني المنزلية وقنينات الغاز من أجل تحضير وجبات تقليدية، ما يعيق تمتعهم بالطبيعة، فيقضون معظم الوقت في تحضير الأكل تحت ظل الأشجار ما يلحق أحيانا أضرارا بالغطاء النباتي بالمنطقة.
أما عبد الهادي، 46 سنة، مهندس معماري، فيأتي رفقة زوجته وبناته الثلاث، عبر سيارته الخاصة إلى غابة بوسكورة، من أجل الاستمتاع بالهدوء والهواء النقي، إذ قال لـ "المغربية" إن الضجيج الذي تعرفه المدينة يقضي على العلاقات الهادئة، التي يجب أن تميز الحياة الأسرية، والخروج إلى الطبيعة إحدى الوسائل للهروب من سلبيات التطور الذي عرفه المجتمع، كما أن الفضاء الشاسع يفسح المجال للأطفال للجري والركد، عوض الحصار المضروب عليهم بين جدران الشقق.
وأكد الجيلالي، 57 سنة، الذي كان يقضي اليوم مع زوجته وأحفاده، أنه اعتاد الجلوس في المساحات الواسعة، خاصة وأنه ألف حياة البادية، وأنه يحس بالاختناق بين جدران البيت.
وعبر الجيلالي، الذي يسكن دوار الحوامي القريب من الغابة، عن عدم ارتياحه للاكتظاظ، الذي أصبحت تعانيه بوسكورة، وانتشار السكن العشوائي، إذ أن المنطقة أصبحت تستقبل كل من ضاقت بهم أحياء الدار البيضاء، فتعدد أهداف اللجوء إلى هذه إلى الغابة، فمنهم من يأتي إليها للنزهة والاستماع بالطبيعة، حيث يستغل المساحات الشاسعة للجري وممارسة بعض الحركات الرياضية، ومنهم من يختلي مع رفاقه لتناول الخمر والسماع للموسيقى الصاخبة، وهناك من يعرض بعض المأكولات الجاهزة على الزوار، التي تخلف الكثير من الأزبال.