عبر عدد من البيضاويين عن سخطهم إزاء الحالة التي وصلت إليها بعض الأحياء جراء تفشي ظاهرة المتسكعين والمتشردين، الذين يتحولون أحيانا إلى قطاع طرق "على عينك أبن عدي".
ويقلقون راحتهم، خاصة خلال الليل، بسبب كثرة شغبهم وشجاراتهم التي لا تراعى فيها حرمة الجوار، ويتبادلون فيها الكلام النابي الذي يخدش الحياء.
ويتميز ليل أزقة وأحياء الدار البيضاء بتزايد نشاط المتسكعين والمتشردين ومدمني الكحول، الذين يقضون معظم وقتهم في تعاطي المخدرات واحتساء الخمر أو الكحول على مرأى من الناس، وأيضا في الشجار وإحداث الشغب مقلقين في ذلك راحة السكان، وزارعين الرعب في الصغار والكبار. وما إن يحل الظلام حتى تراهم هنا وهناك في أهم شوارع المدينة، يحملون ورق العلب المقوى وبعض الأغطية الصوفية، ويختارون بعض الأماكن للجلوس فيها الإستراتيجية لاتخاذها مسكن لهم مثل تحت بعض الشجيرات، أو وراء أسوار البنايات التي لم تكتمل في البناء، أو الأزقة المغلقة، بل منهم من اتخذ لنفسه مكانا خلسة في أحد المنازل المهجورة التي ما إن يسدل الليل خيوطه السوداء، حتى تراهم يتربصون بالمكان ويستغلون أول فرصة للإفلات من مراقبة الغير لهم والقفز وقضاء الليل هناك، محملين بقنينات الكحول وأيضا بالمخدرات.
ويرى مواطنون من الدار البيضاء استقت "المغربية" رأيهم أن الظاهرة أخذت في الانتشار.
وقال معظمهم، خاصة الذين يمسهم الضرر، إنهم لا ينعمون لا بالليل ولا بالنهار، لأن أولئك المتسكعين والمتشردين يقضون النهار يعترضون طريق المارة بما فيهم سكان الحي، ويزعجون الأطفال عند عودتهم من المدرسة أو حتى خروجهم للعب أحيانا في حيهم.
ذكر عمر الملقب بـ "كرام الشلح"، صاحب محل كبير لبيع المواد الغذائية في أحد الأحياء الراقية وسط المدينة لـ "المغربية" أن الإحساس بالخوف والرعب يلازمه ليل نهار على سلامة زوجته وأولاده، خاصة أن بعض المتسكعين والمتشردين اتخذوا لهم مكانا قارا بالقرب من العمارة التي اشترى بها شقة حديثا.
وقال إن فرحته بامتلاك منزل خاص به وبعائلته لم تكتمل، لأن فكره يظل منشغلا باستمرار، لكثرة ما سمع وعلم من جرائم كان ضحيتها أطفال جراء اعتداءات متسكعين ومتشردين من مدمني المخدرات.
وأوضح أن همه زادت حدته بعد واقعة ذهبت ضحيتها جارته التي تقطن في العمارة المجاورة بسبب اعتداء أحد متسكعي الحي، الذي كان يتربص بأحدهم صبيحة أحد أيام الأسبوع على سطح المبنى، وبينما كانت منغمسة في نشر الملابس، دون اكتراث بما كان ينتظرها، انقض عليها بقوة واغتصبها، ولم يأبه لكونها اعترفت عليه، بل استمر في جرمه.
واستغربت الحاجة العلوي، معلمة متقاعدة، تجاهل الجهات الممسؤولة عن سلامة وأمن المواطنين، مشيرة إلى أنها اشتكت أكثر من مرة من لجوء بعض المتسكعين إلى بهو العمارة التي تقطن فيها لقضاء الليل، محدثين الضجيج دون اكتراث للسكان، مضيفة أنها تبقى ساهرة إلى وقت متأخر كل ليلة، عدا السبت والأحد، لأنها تضطر انتظار ابنتها التي تعمل محاسبة بأحد فنادق المدينة.
وحكت بدورها ابنة الحاجة، أنها تشمئز في كل مرة ترى فيها متسكعا يتنقل بين دروب وأزقة المدينة، إذ أنها سبق أن رأت صورة مشينة في أحد الأيام لا تفارق مخيلتها أبدا، خلال عودتها من عملها في ساعة متأخرة في إحدى ليالي الصيف الماضي، كانت أمها في سفر لزيارة أختها الصغرى في فرنسا، بينما صعدت ثلاثة أو أربعة درجات من سلاليم العمارة، مستعينة بمصباح يدوي يعمل ببطاريات لإنارة الطريق، اصطدمت بمنظر فظيع، إذ رأت اثنين من المتسكعين اللذين غالبا ما يترددان على المكان لقضاء الليل، يمارسان الجنس، ولم يأبها لمرورها، بل استمرا في وضعيتهما. وذكرت أن موجة من الذعر استولت عليها، وأخذ جسمها يرتعش كما جف فمها، ما اضطرها إلى قرع باب شقة الجارة مليكلة، الملقبة بـ "الدكالية" في الطابق الثاني من العمارة، التي سقتها ماء وهدأت من روعها.
وتحدث خالد "الزيات"، صاحب محل لبيع الزيتون والزيت بشتى أنواعه، عن انتشار هذه الفئة من الناس في المجتمع، مشيرا إلى أن وجودهم يكثر في بعض الأماكن العمومية، وفي الأسواق التجارية، والمباني المهجورة، و أن رؤيتهم تثير الشفقة والاشمئزاز في الوقت ذاته، لأن معظمهم دفعت به ظروف قاسية إلى الشارع، ومن بينهم من لا يراعي حرمة الجوار ويقضي ليله ونهاره في سب وشتم غيره بكلمات لا تمت إلى الاحترام والحشمة بصلة، بل إن منهم من يجرؤ على الاعتداء على المارة، خاصة النساء والأطفال.
وقال خالد إنه خلال جولته أحيانا في قلب المدينة، يشاهد في منتزهاتها، خاصة حديقة "الجامعة العربية"، وشارع محمد الخامس، وفي أحياء المدينة القديمة قرب "باب مراكش"، وأكثر في ضواحي ميناء الدار البيضاء، مجموعات متفرقة من هؤلاء المتسكعين، منهم من يتمايل هنا وهناك، ويكاد يقع أرضا، لشدة الثمالة جراء احتساء الكحول، ومنهم من يتجول حاملا "هلاهيله" بين زبناء بعض مطاعم المدينة، متسببا في إزعاجهم أثناء تناولهم وجبة الغذاء أو العشاء.
وأكدت فاطمة (ز)، طالبة جامعية، أنها تستغرب من حكاية أختها لها، إذ أنها كانت تقضي فترة تهيء الامتحانات في حديقة الإسيسكو، المعروفة بـ "جردة المردوخ"، التي كان يتردد عليها جل الطلبة الذين يقطنون في الأحياء القريبة منها، بل منهم من يقضي معظم الليل في المذاكرة دون خوف. وقالت إنها اليوم لا تستطيع أن تتردد عليها، رغم حاجتها إلى مكان هادئ لتحضير الامتحانات، لأنها تخشى أن يعترض طريقها أحد المتسكعين ويعتدي عليها، مثل ما وقع مع عدد من الفتيات.
ويرى أب لبنى، سمحمد (ر) أن تنامي ظاهرة المتشردين والمتسكعين تشكل خطرا على أمن وسلامة المواطنين، كما ينتقد تعامل الجهات المسؤولة مع هذه الفئة، رغم شكايات المواطنين لديها، بشيء من المرونة والتسامح. ويقول إنه حدث يوما أن قدم شكاية بأحدهم يتردد على الحي الذي يقطن فيه، ويزعج إحدى بناته باستمرار، إلا أنه تفاجأ بعودته إلى عادته، بل زاد من اعتدائه وراح يردد بصوت عال أمام الملأ "هانتم اشكيتو بيا، آش قضيتوا، أنا هنا باقي وغادي نسكن، واللي تقلق يسطح راسو مع الحيط".
وأوضح أنه يصف الحملات التي تنظم بين الحين والآخر بالدعابات السخيفة، إذ صار اعتقال مثل هؤلاء المتشردين في نظره مجرد عبث، مادام يطلق سراحهم بسرعة لعدة أسباب لعل أبرزها أنهم لا يشكلون تهديدا كبيرا وأن المخافر نكتظ بإضافتهم إلى غيرهم من المجرمين.