تلاشت طقوس وعادات عدة كانت الأسر المغربية تحرص على إحيائها في كل مناسبة تحل فيها، مثل الاحتفال بما اصطلح على تسميته بـ "الحواكز" أو "حاكوزة"، أو "الناير"، بسبب انشغال الناس بصخب الحياة اليومي وهمومها.
وغالب الظن أن المناسبة مازال يحتفل بها في أنحاء عدة من المغرب، إلا أن الطرق تختلف من منطقة إلى أخرى، ويبقى تبادل التحية بين الجيران الاستمرارية الوحيدة لهذه العادة على الأقل في الذهن ، إذ تسمع في كل مكان ترديد "مبارك العواشر" بين الناس، أو عبر قصص وروايات يحكيها الأجداد والآباء لأحفادهم وأبنائهم حول طقوس هذه المناسبة "العواشر".
وتأسف مجموعة من المواطنين لتراجع الاحتفال بهذه المناسبة، إذ ترى أن المناسبة، آخذة في الانقراض، علما أنها لا تكلف الكثير، لكنها من الأمور التي تكسر رتابة الحياة اليومية وتقلل من نسبة الملل والضجر، إضافة إلى أنها تساهم في توطيد العلاقات والروابط الأسرية وتحيي روح التآلف والتضامن بين الناس، خاصة الجيران، السمات التي بدأنا نفتقدها في ما بيننا في الآونة الأخيرة.
وتحل الذكرى في المنتصف الثاني من شهر يناير، وتكون موازية لرأس السنة الفلاحية، إلا أن الاهتمام بها تقلص بين عامة الناس.
وتشير بعض الروايات المرتبطة أساسا بالعادات الاجتماعية، إلى أن موعد الاحتفال بـ "الناير" يكون عادة في منتصف شهر يناير، إلا أن هناك من يقول إن الاحتفال يكون نهاية فصل الخريف، الذي يعني فترة نضج الثمار، التي تنضج بشكل طبيعي وليس اصطناعي، وبالتالي فمناسبة "الحواكز" يعني الاحتفال بنضج الثمار.
ويرجع العديد من المهتمين غياب الاهتمام بالاحتفالات بعيد "الناير" إلى توالي فترات الجفاف التي عاشها المغرب، ليتقلص اهتمام فئة مهمة من المجتمع عن التفكير في نضج أو عدم نضج الثمار، للانكباب على توفير سبل العيش، والبحث عن الوسيلة التي يمكنهم بواسطتها ملء القفة اليومية.
سألت "المغربية" عددا من المواطنين حول معرفتهم بـ "الحواكز"، وما هي الطقوس والعادات التي يحرصون على إحيائها في هذه المناسبة، فكان الاستنتاج أن هناك عزوف بسبب الانغماس في صخب الحياة اليومية، إضافة إلى أن شدة الغلاء وقلة الموارد، شغلت الناس فلم يعد لديهم ذلك الاهتمام الذي عاشوه مع آبائهم إزاء مثل هذه الأمور.
وقالت (فدوى، س) موظفة بمحل لبيع السيارات الفاخرة وسط المدينة، وأم لثلاثة أطفال، إنها بحلول شهر يناير من كل سنة تتذكر تفاصيل طقوس هذه المناسبة، نظرا لتشبث وسطها العائلي بالاحتفال بالمناسبات، وحرصها على إحيائها بكل اهتمام، إذ تربى لديها هاجس التحضير لها مسبقا، باقتناء كل ما يلزم تهيئ الوجبات الخاصة. وأضافت أنها، كما تعودت حين كانت تعيش مع أسرتها قبل الزواج، تصر على أن يساهم كل أفراد الأسرة في إعداد ما لذ وطاب من الأطعمة الخاصة بمناسبة "الحواكز" .
وأوضحت أن المناسبة تمثل رأس السنة الفلاحية، وتصادف الثاني عشر من يناير من كل سنة، إذ يحتفى باليوم الأول بإعداد أكلة "العصيدة"، وهي عبارة عن دقيق الشعير الذي يطبخ في الماء، وبعد أن ينضج يضاف إليه زيت الزيتون، مبرزة أن والدتها كانت تلح أن يتذوقها كل واحد من أفراد الأسرة، تيمنا بحلول العام الجديد. وفي اليوم الثاني، تحضر فدوى وجبة الدجاج المحمر مع البيض المسلوق، بيضة لكل فرد، علما أنه يحبذ ذبح الديك أو الدجاجة في المنزل. أما في اليوم الثالث فتهيئ وجبة الكسكس بسبعة أنواع من الخضر، مشيرة إلى أن هناك من الأسر في مناطق أخرى من المغرب تفضل تحضير "التريد" أو ما يصطلح على تسميته بـ "الرفيسة". وأكدت فدوى أنها تحرص على الاستمرار في احترام العادات والطقوس نفسها، معبرة عن تمنياتها في أن يحافظ أبناؤها عليها، لأنها في نظرها جزء من التقاليد، التي هي أحد مظاهر حضارتها المغربية الأصيلة.
وحكت (بشرى،ي)، التي تفضل أن يناديها من يعرفها بـ "أم عثمان"، أن علامات اقتراب السنة الفلاحية، تنطلق منذ حلول عاشوراء، مشيرة إلى أنه يتوازى مع اقتناء ما لذ وطاب من أنواع الفواكه الجافة، وبعض الحلويات.
وقالت إن المناسبة لا يستثنى منها غني أو فقير، إذ يشتري كل واحد حسب إمكانياته وقدراته المادية. وأضافت أن هناك اختلافات في ما يتعلق ببعض أنواع المأكولات بين المنطقة التي تنتمي إليها، التي توجد شرق المغرب، وبين ما تحضره جاراتها في المناسبة في الدار البيضاء، اللواتي إما يتحدرن من مختلف المناطق البيضاوية، أو ولدن وترعرعن في المدينة.
وأبرزت أنه عند حلول وقت حاكوزة الرسمي، خاصة ليالي الثالث والرابع والخامس عشر من يناير، تنطلق الاحتفالات بالمناسبة، بموائد أكل مختلفة، إذ في الليلة الأولى تقوم بطبخ طبق محلي يعرف في أنحاء المغرب الشرقي باسم "المردود"، أو "بركوكش"، مضيفة أن هناك من يسميه "الطعام". وذكرت أنه كانت توضع تمرة في الطعام، ويكون الحظ من نصيب من يعثر عليها في لقمته أثناء الأكل بين الأهل والأحباب في جو من الفرحة والبهجة. وفي الليلة الثانية يذبح ديك، أو ديك رومي، أو دجاجة، فيما تخصص الليلة الثالثة لتحضير وجبة الكسكس بأنواع مختلفة من الخضر.
وأضافت أن ما كانت تستحسنه أكثر خلال هذه المناسبة، وما تحرص على أن تخلده مع أبنائها، هو فترة إفراغ طبق الفواكه الجافة والحلويات، وتقسيمه على كل أفراد العائلة، بالتساوي، إذ يحمل كل فرد إناء أو كيسا ليملأه بنصيبه من الفواكه.
وتوضح الكتابات التاريخية أن حكاية الاحتفال بـ "الحاكوزة" أو "الناير" تعود إلى قصة أحد ملوك الفراعنة يدعى "شيشنق" الذي حكم المملكة المصرية رقم 22، بعد نصره أيام 12 و13 و14، والكيفية التي اعتلى عرش الفراعنة قبل آلاف السنين، وجرى جعل أيام انتصاره ذكرى لتاريخ الأمازيغ ويوم احتفالهم بما اصطلح عليه اليوم "حاكوزة" أو "الناير"، ولا يهم إن احتفل "الملك العظيم شيشنق" أو لم يحتفل.
ومن الوثائق التاريخية ما يفسر أن ظاهرة "الناير" تعود إلى أقدم الحضارات، خاصة الحضارة المصرية، وأنه إلى وقتنا الحالي مازال بعض المصريين وسكان شمال إفريقيا يحتفون بها.