عربة بحصانين لنقل تلاميذ دواوير الضرابنة وبوسكورة والشيشان

الأربعاء 23 يناير 2008 - 09:32

ابتكر رئيس جمعية وفاق، بعد تفكير طويل في سبل مواجهة الهدر المدرسي، وسيلة "جديدة" للنقل المدرسي، مستعملا عربة مجرورة بحصانين لنقل تلاميذ دوار الضرابنة.

ضواحي الدارالبيضاء، إلى مدرستهم بسيدي معروف، مقابل درهم واحد للرحلة.
في الوهلة الأولى، عندما تصادف تلك العربة، المزينة باللونين الأصفر والبرتقالي، وبعض "التجهيزات"، تستغرب لوجود هذه الوسيلة التقليدية لنقل التلاميذ إلى مدرستهم بالدارالبيضاء، لكن عندما "يظهر السبب يبطل العجب"، فالعربة هي الأمل الوحيد لأطفال دوار الضرابنة لتأمين متابعتهم الدراسة، التي غادرها العديد منهم، بسبب ظروف المنطقة المزرية، وخاصة غياب وسائل النقل.

فالدوار يفتقر إلى الطريق المعبدة، التي تسمح بوصول وسائل النقل إليه، إضافة إلى انعدام قنوات الصرف الصحي، وأشياء أخرى ضرورية.

تعود فكرة اعتماد العربة المجرورة لحسن المنصوري، رئيس جمعية وفاق، وهو واحد من سكان دوار الضرابنة، عاش مشاكلهم، وذاق مرارة ومعاناة شظف العيش بالدوار، فالتحق بجمعية وفاق، التي كانت تأسست سنة 2002، بمبادرة مجموعة من الشباب من أبناء المنطقة، وكانت أولى المشاريع، التي انخرطت فيها الجمعية، تزويد المنطقة بالماء والكهرباء، لتحسين ظروف العيش بمناطق دوار الضرابنة وبوسكورة وضواحي النواصر، التي تضم حوالي 5 آلاف نسمة.

يقول حسن المنصوري "انخرطت سنة 2004 في جمعية وفاق، التي كانت أسست سنة 2002، والهدف الأساسي الذي كانت تعمل عليه الجمعية آنذاك، هو تزويد المنطقة بالماء، وبعد انضمامي للجمعية أخذت طابعا اجتماعيا، فحققنا العديد من الإنجازات تخدم مصالح المنطقة".

ومضى المنصوري يقول "عشت فترة لا بأس بها خارج المغرب، وحاولت استثمار ما تعلمته هناك لتنمية دوار الضرابنة، الذي يعد منطقة استراتيجية للسكن، لكنه للأسف غير مجهز، إذ تنعدم فيه ضروريات الحياة الكريمة، فلا وجود لمستوصف ولا مدرسة، مما جعل الجمعية تضع على رأس أولوياتها الاهتمام بشباب وأطفال الدوار، وأول شيء قمنا به لصالح هذه الفئة هو تنظيم نشاط رياضي ترفيهي، يتمثل في أول ماراطون لدوار الضرابنة، شارك فيه حوالي 300 طفل. كما حاولنا إخراج المنطقة من العزلة، من خلال الاتصال بوسائل الإعلام للتعريف بدوار الضرابنة، وعملنا على إيصال الماء والكهرباء للمنطقة، ومحاربة الأمية، وحاليا تتابع حاولي 400 امرأة من الدوار دروسا في محو الأمية. كما عملنا على توزيع المحافظ على التلاميذ مع بداية الموسم الدراسي خلال السنوات الأخيرة، ومشاريع أخرى للتنمية داخل المنطقة، مثل تربية الحلزون والنقل القروي ممولة من جهات مختلفة".

وقبل اعتماد هذه الوسيلة العجيبة للنقل المدرسي، كان أطفال دوار الضرابنة يقطعون مسافة 4 كيلومترات مشيا على الأقدام، والمشكل أن هذه الطريق محفوفة بالمخاطر، فهي قفراء، وفي منطقة نائية، والطفل معرض للعديد من المخاطر من قبيل الاغتصاب أو الاختطاف أو حوادث السير، كما أن المسافة التي يقطعها مشيا على قدميه تتعبه، وتفقده التركيز، وتؤثر على مستواه الدراسي.

يقول المنصوري "حاولنا تأمين وسيلة لنقل التلاميذ، ففكرنا في جلب حافلة للنقل المدرسي، إلا أن تضاريس المنطقة لا تساعد على ولوج الحافلة إلى الدوار، فضلا عما تتطلبه من مصاريف البنزين وإعادة الإصلاح في حال العطب، كما أنه يصعب استعمالها في فصل الشتاء وهطول الأمطار، فكانت الفكرة في تأمين وسيلة أخرى تستجيب لمعطيات وطبيعة المنطقة، وفي إحدى رحلاتي إلى البرتغال، زرت منطقة يعتمد سكانها على عربات مجرورة لنقل السياح حفاظا على البيئة، فاستوحيت الفكرة من هناك، وجعلت العربة باللون الأصفر، وهو لون حافلات النقل المدرسي، وفكرت في كل التفاصيل التي تضمن للطفل السلامة والأمان".

ويوضح المنصوري أن "العربة حاليا مزودة بكل ما يلزم من إشارات ضوئية، في حالة نقل التلاميذ مساء، وكذلك بمنبه (كلاكسون)، وجهاز راديو، إضافة إلى هاتف، في حالة وقوع عطب، أو رغبت الأمهات في مكالمة أبنائهن".

وأضاف "بعد تجريب هذه الوسيلة، واختبار متانتها، وجدنا أن العربة يمكن أن تنقل ما يقارب 36 تلميذا، مقابل درهم واحد للرحلة، أي 60 درهما في الشهر، تؤديها العائلات شهريا".

وأضاف أن مشكلا آخر طرح بعد تسجيل التلاميذ، وهو تزامن أوقاتهم الدراسية، خصوصا أن عددهم 84 تلميذا، والعربة لا يمكن أن تحملهم جميعهم، لذلك نسقت الجمعية مع إدارة المدرسة لتعديل مواعيد دخول وخروج بعض التلاميذ، لتفادي الاكتظاظ على العربة، مما ساهم في التغلب على هذا المشكل.

العائلات مرتاحة لهذا الحل، وتعتبر أن هذه الوسيلة آمنة وممتعة في الوقت ذاته.
تقول فاطمة مهداوي، من سكان الدوار "أرسل ابني يوميا إلى المدرسة عبر هذه العربة دون أن أشعر بأي قلق في ما يتعلق بسلامته، كما أن الأطفال يستمتعون وهم يركبون العربة وأصبحوا يصلون في الوقت المحدد إلى مدارسهم، على عكس ما كان عليه الوضع سابقا، حين كانوا يقصدون المدرسة مشيا على الأقدام، وكنا نضطر إلى غسل ثياب أطفالنا كل يوم مع ما تعرفه الطريق من وحل، خصوصا مع هطول المطر، إلى أن وفرت الجمعية هذه العربة مع بداية السنة الدراسية الجديدة".

وحسب ما ذكره رئيس جمعية وفاق، فالطلب على العربة مرتفع، وبعض الأسر لديها ثلاثة أبناء كلهم يدرسون، ما يجعل 60 درهما للطفل الواحد مبلغا كبيرا تعجز بعض العائلات على تأديته، إذ أن بعضها لا يلتزم بدفع مستحقات نقل الأبناء، مع العلم أن إمكانيات الجمعية محدودة، إضافة إلى توفير الأكل والعلاج للحصانين، والأجر الشهري للسائق، الذي يبلغ 1400 درهم شهريا.

وبالنسبة لسائق العربة، محمد الهجهوج، من مواليد 1959، فهو كان يعمل سابقا حمالا بأحد الأسواق، كما اشتغل بإحدى الشركات مدة 11 سنة، قبل أن يتعرض للتوقيف من العمل، فوجد ملاذه في الجمعية، التي هيأت له فرصة العمل سائقا لهذه العربة، مع بداية السنة الدراسية الجديدة 2007/2008. يقول الهجهوج "منحتنا جمعية وفاق هذه العربة لمساعدتي على كسب لقمة العيش، فأنا رب أسرة وأب لأربعة أبناء، وأيضا لمساعدة أطفال دوار الضرابنة، ليتمكنوا من متابعة تعليمهم. ولم يسبق أن تعرضت لأي حادث على الطريق، فالعربة مصنوعة بشكل دقيق، وتراعي كل الشروط من أجل سلامة التلاميذ".
وأشار الهجهوج إلى أن عدد التلاميذ، الذين يتنقلون ذهابا وإيابا، مسافة 4 كيلومترات، بين الدوار والمدرسة، يبلغ حوالي 84 تلميذا يوميا، على شكل أفواج، حسب مواقيت دخولهم وخروجهم، وأبرز أن هذا العدد لا يقتصر على تلاميذ دوار الضرابنة، الذي يقطن به، بل هناك أيضا دوار القطاع، وهو أول محطة يقف عندها في رحلة العودة، ثم دوار الشيشان، وآخر محطة هي دوار الضرابنة، بثمن درهم للفرد الواحد للرحلة.

من جهة أخرى، حاولت الجمعية إنشاء مدرسة بالقرب من المنطقة، من خلال اقتناء قطعة أرضية، على أساس أن يساهم السكان في المشروع، لكنه لم يلق التجاوب المنشود، بسبب موقع المشروع، الذي يناسب البعض دون الآخر، فجرى استغلال المشروع في بناء 3 أقسام، تستغل في محاربة الأمية.

وحسب حسن المنصوري، رئيس الجمعية، فتشييد مدرسة في هذه المنطقة يعد أمرا صعبا، نظرا لموقعها الجغرافي، ووجود المساكن في أماكن متفرقة ومتباعدة، وانعدام قنوات الصرف الصحي، إضافة إلى افتقارها للإسفلت، الذي يسهل عملية العبور.




تابعونا على فيسبوك