المصابون يخضعون لعلاج جسدي ونفسي ولجان التقصي تتعقب المتورطين

حكايات مؤلمة وشهادات مؤثرة لضحايا كارثة القنيطرة

الإثنين 21 يناير 2008 - 11:26

عاد الهدوء، صباح السبت الماضي، إلى مدينة القنيطرة، لكن مع ذلك لم تضمد بعد جراحها، إذ عاشت ثلاثة أيام على وقع "كارثة إنسانية" نجمت عن انهيار عمارة في طور البناء في المجمع السكني والتجاري "المنال" بحي أولاد وجيه.

ومازال هذا الحادث المؤلم، وفقدان 18 عاملا وإصابة 26 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، أربعة منهم يرقدون تحت العناية المركزة في مستشفى ابن سينا بالرباط بسبب خطورة إصاباتهم، واثنان منهم غادرا مستشفى المدينة، حديث سكان المدينة، حيث يتناقل مواطنون قصصا وحكايات يروون تفاصيلها في ما بينهم، دون كلل أو ملل.

رغم توقف عمليات البحث والتنقيب، التي قامت بها فرق الإنقاذ، للعثور على ناجين أو ضحايا الحادث، في حدود العاشرة من مساء الخميس الماضي، إلا أن الفضول دفع بعض سكان القنيطرة إلى التجمع، ولو بأمتار قليلة عن موقع الانهيار، ما أدى بالسلطات المحلية إلى منع مرور السيارات والراجلين عبر تلك الطريق المحاذية للمجمع السكني والتجاري "المنال".

ولم يكن الفضول نابعا من العبث، وإنما جاء نتيجة للحركة الدؤوبة التي يعيش على إيقاعها هذا الورش، الذي أصبح وجهة للمسؤولين والتقنيين واللجان التي شكلت للبحث والتقصي في موضوع انهيار العمارة.

وفي المقابل، تجمع عدد من الشباب زرافات وجماعات وساروا في الاتجاه المعاكس، قبيل الظهر بساعتين تقريبا، اتجاه الملعب البلدي للقنيطرة لمتابعة مباراة النادي المحلي والمغرب الفاسي، برسم آخر دورة من إياب المجموعة الوطنية لكرة القدم نخبة، يرفعون شعارات مساندة للفريق القنيطري.

أطر مستشفى الإدريسي يلملمون جراح الضحايا

وزع العمال المصابون على ثلاث قاعات، كل واحدة تضم عشرة جرحى، رغم أن زيارة "المغربية" لمستشفى الإدريسي صادف يوم السبت، فقد كانت التعبئة شاملة، والكل يشتغل، خاصة في هذا الجناح، إذ جندت خلية من الأطباء النفسانيين، ودكاترة في علم النفس، ومساعديهم من ممرضين مختصين، لمتابعة الحالة النفسية للمصابين.
وقال مصدر مسؤول بالمستشفى، رافق "المغربية" خلال عيادتها لضحايا "المنال"، إن أطر وأطباء مستشفى الإدريسي، تجندوا جميعا للقيام بمهامهم على أحسن وجه، مشيرا إلى أن عملية العلاج، وفي سابقة أولى من نوعها، تسير بشكل متواز، بين العلاج الطبي للجروح والإصابات والعلاج النفسي.

في هذه الأثناء شهد المستشفى تحركات مكثفة ومستمرة للممرضات اللواتي كن، ينفذن تعليمات الأطباء، من تضميد الجراح إلى مراقبة الوضع الصحي لكل مصاب.
وحسب مصدر من المستشفى، فإن الطاقم الطبي تعبأ لإنقاذ أرواح ضحايا العمارة، إذ أن عمليتي الكشف والفحص، بكل جوانبهما، بما فيها الأشعة مرت بسرعة فائقة، لم تتجاوز أحيانا 15 دقيقة.

معاناة وخوف من المستقبل المجهول

قبل ولوج جناح المصابين، في انهيار عمارة "المنال"، وعلى بعد أمتار قليلة، تسمع أنين بعض المصابين الذين كانوا يتألمون من الجروح الخطيرة التي تعلو أجسادهم، وبعضهم يتذكر المأساة ويروي كيف فقد صديقا في رمشة عين.

عمال جلهم من منطقة الغرب، أو الرباط يرقدون في 3 قاعات خصصت لهم لمتابعة العلاج، جلهم متزوج ووراءه أسرة يعيلها.

ويحكي حميد الوردي ( المزداد سنة 1977)، عامل مساعد في البناء، الذي التحق بالعمل في الورش قادما من سيدي سليمان في شهر أبريل الماضي، قصة سقوطه وزملائه بشكل مفاجئ، وهو يغالب الألم ويبتسم للحياة، أملا في معانقة زوجته وأبنائه الثلاثة.
يروي حميد "كنت في الطابق الخامس، يقصد سقف الطابق الثالث، وكنا حوالي 30 عاملا، نجهز مواد البناء استعدادا لبناء السقف، فإذا بنا نتهاوى في رمشة عين ونسقط إلى الأسفل.. أصيب من أصيب منا ومات من مات، الحمد لله إصابتي أقل من بعض زملائي، إذ أصبت في الرأس والذراع، وأعتبر نجاتي ولادة جديد".

وعلى السرير المقابل لحميد، يرقد أخوه الأكبر منه العواد (من مواليد 1972)، متزوج وأب لثلاثة أطفال أيضا، والتحق في شهر ماي بالعمل في أوراش البناء بالمجمع التجاري والسكني "المنال"، أي شهرا بعد شقيقه.

ويقول العواد "إن انهيار العمارة صادف وجودي في الطابق الخامس، إذ كنت منشغلا مع باقي العمال في إنجاز السقف.. ورغم أن الساعة تجاوزت الواحدة، لم يتوقف العمل، واستمر البناؤون في عملهم، على اعتبار أن عملية (رمي الضالة) لا تتوقف إلا بانتهاء الأشغال".

وأضاف أن جل العاملين في هذا الطابق أصيبوا إصابات متفاوتة الخطورة، توفي أحدهم (الكابران)، ونقل اثنان منهم إلى مستشفى ابن سينا في الرباط، قصد تلقي العلاجات الضرورية، والآخرون يرقدون بمستشفى القنيطرة.

زلزال وأنقاض تحتها جثث

لم يكن العمال يظنون إبان انهيار المبنى أن الحادث نجم عن "غش" في مواد البناء، أو له علاقة "بسرعة إنجاز الأسقف دون احترام المدد الزمنية المحددة في 15 يوما بين السقف والموالي صيفا، و21 يوما في فصل الشتاء"، ولا بوجود "فرشة مائية أو وادي، بالبقعة التي شيد عليها المشروع"، كما يتداول الكثيرون في أسباب وقوعها، ولكن كلهم تقريبا، وهم يتهاوون أرضا، ربطوا الانهيار حينها بزلزال، ضرب المنطقة، بل هناك من خاله بركانا.
وأوضح محمد النعمان (من مواليد 1983)، "خلت وأنا أتهاوى ساقطا من الطابق الخامس إلى الأرض أن زلزالا ضرب المنطقة، وظننت، أنها النهاية ولم تفتني الشهادة، وتذكرت حينها ابني الذي تركته في سيدي سليمان".

وأضاف أنه كان ساعة الانهيار يعمل في السقف الخامس، وإذا به يقع على أشلاء عمال آخرين، ومضى قائلا"كنت أنتظر التوقف هنا أو هناك لكن دون جدوى"، وأضاف "آلمني كثيرا فقدان عامل كان يعمل معنا، (الكابران)، وأتمنى الشفاء لآخرين يتلقيان العلاج في الرباط".

عامل آخر أكد أنه شعر إبان الانهيار، أن زلزالا أتى على العمارة، وهو الطيبي بلميم، (من مواليد 1965)، أب لأربعة أطفال، إذ أكد أنه أول شيء راوده بعد سماعه دوي الانهيار وسقوطه أرضا أن "زلزالا أو بركانا كان السبب وراء سقوط العمارة" التي كان يشتغل في سقفها الخامس.

عمال الورش أنقذوا زملاءهم الأحياء

مباشرة بعد سقوط العمارة، وقبل وصول رجال الوقاية المدنية لمكان الحادث، تطوع عمال بالورش ذاته لإنقاذ زملائهم، خاصة أن قرابة عائلية تجمع بين بعضهم البعض، كما أن العمال الآخرين يتحدرون من المنطقة ذاتها.

يحكي موسى البريكي (من مواليد 1969)، أب لأربعة أطفال، أن العمال بالعمارات الأخرى سارعوا إلى انتشال الجرحى والجثث من تحت الأنقاض، مضيفا أن أفرادا من عائلته من أنقذوه من بين ركام الدمار.

محمد القدوري، أكبر الضحايا الذين التقتهم "المغربية"، فهو يبلغ من العمر 53 عاما، متزوج وأب لثلاثة أطفال. الوحيد، أيضا، الذي صادفناه من مدينة الرباط، وتحديدا من دوار الدوم باليوسفية، قال إنه لم يشعر إلا وهو أرضا متجاوزا أربعة أسقف، حيث كان إلى جانب الآخرين في السقف الخامس، مبرزا أن عددا من الشباب من تطوع لإنقاذه من وسط ركام المبنى المنهار.

واحد من تسعة عمال ينجو من الموت

أما إبراهيم المومني (من مواليد 1972)، أحد العمال الضحايا، الذين يتلقون العلاج في مستشفى القنيطرة، أكثر ألما من سابقيه.

يحكي المومني قصته، وهو يذرف الدموع "كنا تسعة عمال في الطابق الثالث، ساعة الانهيار، وجدت نفسي تحت الأنقاض، لم أشعر بشيء، كان همي هو الخروج من تحت ركام من الإسمنت المسلح، فكرت حينها في أبنائي الأربعة، خاصة أن البكر معاقة، تبلغ من العمر 13 سنة، فكانوا حافزا لي في التحدي ودفع كل ما سقط فوقي مهما ثقل وزنه بيدي اليمنى، فيما صعب علي تحريك اليسرى، على أن ظهرت يدي، ولمحني عمال في العمارات المجاورة الذين هبوا لإنقاذنا، وأخرجوني من تحت الأنقاض".

وأضاف "لقد ولدت من جديد، خاصة أن جميع الذين كانوا معي، وهم ثمانية، فارقوا الحياة"، لكن يستدرك، وهو يتحدث بأسى وألم،مشيرا إلى رجله، "لقد فقد رجلا تحت الأنقاض".

وقال المومني "مع الشعور بتحرك العمارة، وسقوط جزء منها قررت القفز من النافذة، لكن لبعد المسافة تريث ونطقت الشهادة واستسلمت لأمر الله".

قدره ساقه إلى العمارة ساعة الحادث

مصطفى الحيمر، مصاب آخر، يتلقى العلاج في المستشفى ذاته، وهو شاب في مقتبل العمر، من مواليد 1985 من مدينة القنيطرة، لم تكن له أي علاقة بالعمارة المنهارة، إذ أنه يشتغل في ورش آخر بالمجمع السكني التجاري نفسه، غير أن القدر ساقه إلى موقع الحادث تحديدا في ذلك التوقيت.

قال الحيمر "جئت لأجمع الخشب الذي يستعمل في البناء، وأنا أحاول الخروج، فإذا بدوي يسبق الانهيار، لا أتذكر شيئا حينها سوى أني ركضت في اتجاه ممر وجدته أمامي".
وأكد الحيمر، الذي أصيب بجروح خفيفة، لكنه فقد السمع، أن "عمالا كانوا إلى جواره يجهل أعدادهم ومصائرهم، لأنه مجرد عامل عبر إلى الورش، وعمله الأساس في العمارة المجاورة التابعة للمشروع ذاته".

الحالة النفسية المتدهورة لضحايا حادث العمارة المنهارة، دفع المسؤولين على قطاع الصحة بالقنيطرة إلى إنشاء خلية أو وحدة الدعم البسيكولوجي والنفسي، تضم أطباء نفسانيين ودكاترة متخصصين في علم النفس، ومساعدين للوقوف على حالة الضحايا وأسرهم وعلاجهم في الحين.

وتتابع هذه الخلية عن كثب كل حالة بحالة لمعرفته مدى تأثير الحادث على نفسية المصاب.

وأوضحت الدكتورة حنان لكبير، طبيبة نفسانية، أن الحالة النفسية للضحايا كانت جد متدهورة، تتزاوج بين الخوف والانزعاج، ويزيد من استفحالها الخوف من المستقبل.
وأكدت لكبير، في تصريح لـ "المغربية"، أن اللبس والغموض اللذين يلفان مستقبل الضحايا جعلا نفسيتهم تتأزم في البداية، قبل أن يستقر الوضع بعد العلاج المتواصل، وزيارات المسؤولين للضحايا، ووعودهم بالوقوف إلى جانبهم، كما أن العناية التي يحظون بها من طرف الطاقم الطبي والصحي للمستشفى، والمتابعة الدقيقة للعلاج، كان لها دور في عودة الطمأنينة إليهم.

من جهته، أبرز محمد المعروفي، مختص في علم النفس، أن الحالة النفسية للضحايا تتجه نحو الاستقرار، مضيفا أن العلاج والزيارات، التي قام بها المسؤولون للضحايا، كان لها دور كبير في عملية الاستقرار النفسي للضحايا.

وأوضح كل من الدكتور المعروفي والطبيبة لكبير "أن الفرد عندما يتعرض إلى فاجعة، لا يفكر سوى في جسده وسلامة أعضائه، والإصابات التي قد تلحقه، أما نحن فنفكر في ما قد يترتب عن الفاجعة، وعن تفكير المريض نفسه، وهذا ما دفع للاهتمام بالجانب النفسي لضحايا العمارة المنهارة بشكل متواز ومتزامن مع علاج الإصابات".

وأكدا أن عملهما يستحضر ما يمكن أن يحدث من انعكاسات نفسية للضحايا مستقبلا، وهذا ما قاد إلى إنشاء هذه الوحدة المكونة من الأطباء الدكاترة مصطفى العيماني، والبوشيخي، إضافة إلى حنان لكبير، والمختص النفساني المعروفي، وممرضين مختصين، يعملون في المركز الصحي مولاي الحسن.

وأشارا إلى أن عمل الوحدة لن ينتهي بخروج المصابين من المستشفى بعد شفائهم، بل سيستمر بعد ذلك، في إطار حصص بالنسبة للقاطنين في القنيطرة، أو من يرغب في تتبع هذه الحصص العلاجية بالمدينة، أما بالنسبة للباقي فستسلم لهم رسائل لمتابعة العلاج في مدنهم، لتفادي أي تعقيدات نفسية مستقبلا.

وأوضحت لكبير أن كل ذلك مرتبط بالرغبة الشخصية للفرد الذي يخضع للعلاج.

لجان لتقصي الحقائق بين الأنقاض

ركام من الإسمنت المسلح، وأنقاض وحركة غير عادية في ورش توقفت الأشغال فيه بأمر من السلطات المسؤولة إلى غاية انتهاء البحث والتحقيق في دواعي انهيار عمارة ضمن المجمع التجاري والسكني برمته.

ففي حدود الحادية عشرة صباحا، تجمع عشرات المواطنين لمتابعة حركة السلطات المحلية ولجان البحث والتقصي. فضول المواطنين جعلهم يتسمرون بعيدا بأمتار، حيث وضعت حواجز لمنع الاقتراب من الورش، ولتسهيل مهمة أعضاء لجنة البحث.
وفي موازاة مع عملية البحث والتقصي، حلت شاحنة كبيرة تحمل جرافة، يبدو أنها ستشرع في جرف الأنقاض، لاكتشاف ما يوجد تحتها، أو كما أشار أحد المواطنين المتجمهرين، لعل جثة تحت ذلك الركام، وهذا ما نفاه مصدر للعثور على ناجين أو ضحايا انتهت في العاشرة من مساء الخميس الماضي.

وشرعت السلطات المختصة في إجراء التحقيقات اللازمة لتحديد ظروف وملابسات انهيار العمارة.

ويواصل المختصون باللجان، التي تضم ممثلين عن وزارات الداخلية والتجهيز والمكتب العمومي للدراسات والتجارب (إل بي أو أو)، إلى جانب ممثلين عن المصالح الخارجية بالقنيطرة المعنية بملف الإسكان (الوكالة الحضرية، قسمي التعمير والتقني بالعمالة)، أبحاثهم حول التربة وتجميع المعطيات لتقييم مدى ملاءمة الأشغال للمواصفات القانونية.

أوضح مصدر من لجنة التحقيق، لـ "المغربية"، أن التحاليل تنطلق من الصفر، دون اعتبارات مسبقة، لا تستند إلى أي معطى خاص، بما سبق إنجازه من دراسات أو أي شيء من هذا القبيل، إذ يشتغل تقنيون في البحث في عين المكان وتحليل التربة ومدى قابليتها وملاءمتها لمواصفات البناء، كما يجمع العمال والتقنيون كل المعطيات حول الخرسانة ومدى مطابقتها للأوصاف القانونية.

وبعد التحليل والدراسة الجيوتقنية، يشرح المصدر، يمكن معرفة مكامن الخلل، وتحديد المسؤوليات، وهنا تنتهي مهمة اللجنة لتنطلق مهمة القضاء.

إلى جانب لجان البحث، يحضر، بين الفينة والأخرى، مهتمون ومختصون للاستطلاع ومعاينة موقع الحادث، إذ حل وفد يضم أعضاء الفيدرالية المغربية للاستشارة والهندسة، يتقدمهم الرئيس منصف الزياني، الذي قال، لـ"المغربية"، إن زيارتهم تدخل في إطار الوقوف على أسباب الانهيار، مشيرا إلى أنها زيارة استطلاعية علمية وتقنية، للاستفادة التقنية وأخذ الدرس من هذه المناسبة الأليمة.

وأكد أن وفد الفيدرالية التقى والي القنيطرة وعبر عن استعداد الفدرالية المساهمة في التحقيق، إن طلب منها ذلك.

وكان يرافق الرئيس مجموعة من الأعضاء، الذين كانوا يتحركون بين ركام العمارة المنهارة، ويصورون بعض المواقع، كما كان ضمن هذا الوفد نبيل نور الدين، عن جمعية الاستشارة والهندسة الخاصة بالبنايات التابعة للفدرالية، والجمعية المغربية للمختبرات في البناء والأشغال العمومية.

روايات مختلفة حول سبب الانهيار

يجهل إلى حد الآن السبب المباشر في انهيار العمارة، وفي انتظار انتهاء التحقيقات، والدراسات تتضارب الآراء حول الأسباب. فهذا تقني متخصص صادفناه في الورش، يقول إن المنطقة التي بني عليها المشروع تقع على فرشة مائية، وأن الجهات المعنية أخطأت حين الترخيص للمقاول للبناء، وهناك من ينفي هذا المعطى ويعتبره مجرد كلام، مادام أن دراسات أنجزت وخولت عملية البناء في المنطقة.

وأرجع المصدر انهيار العمارة إلى عامل السرعة التي كانت تنجز به الأسقف دون احترام المدد الزمنية المحددة بين بناء سقف وآخر، إذ حسب المصدر من المفروض أن يبنى السقف الموالي بعد مرور 15 يوما من بناء الأول في فترة الصيف، وبعد 21 يوما في فترة الشتاء، وهو ما لم يحترم أثناء عملية البناء في هذه العمارة، وهو ما أكده عمال ومتتبعون في القنيطرة.


الموضوعية والمسؤولية بين رئيس البلدية والمعارضة

دعا عمر بومقس، رئيس بلدية القنيطرة، الذي انتخب أخيرا رئيسا للبلدية خلفا للرئيس السابق، الذي رخص للمقاولة بالبناء، إلى التعامل مع الحادث بموضوعية، وعدم استغلال مآسي الناس لحسابات انتخابوية.
وأضاف أن هناك من يتعامل مع أي حدث في القنيطرة بمنطق "الشوافة"، تتحكم في أحكامه فرضيات غيبية، ليشير إلى أن المشروع، من خلال اطلاعه على ملفه، بني على ضوء تصميم تهيئة مصادق عليه في عام 2004 من طرف مكتب دراسات خاص.
وأضاف أن البقعة، التي بني عليها المشروع حسب التصميم ذاته، خاصة بالسكن، وأشار إلى أن السلطات المختصة أوقفت عملية البناء بالورش، في انتظار خلاصات لجان التقصي.
وأضاف أن السلطات جندت كل إمكانياتها لتفادي خسائر كبيرة في الأرواح، وشكر كل من ساهم في عملية الإنقاذ من وقاية مدنية ودرك وجيش، كما لم يفته التذكير بأن الوالي تابع عملية البحث والتنقيب عن الناجين إلى الساعات الأولى من صباح اليوم الموالي للحادث.
وأوضح أنه طبقا للأوامر الملكية، خصصت سيارات لنقل جثامين المتوفين إلى مدنهم، كما سهرت وحدة من أطباء نفسانيين على استقبال أسر الضحايا، في إطار جلسات للتخفيف من انعكاسات فقدان ذويهم على نفسيتهم.
وفي الوقت، الذي لم يستبعد مصدر أن يطالب السكان المحتملون لشقق تلك العمارة وغيرها من شقق العمارات مشروع بما سبق أن دفعوه من مبالغ مالية مقابل ثمن شقة، أوضح مصدر من المعارضة بالمجلس البلدي أن "الانطلاقة كانت مشبوهة من الأساس، وأن تفويت الأرض لم يخضع للمعايير المتبعة، عبر إعلان وفتح باب المنافسة أمام الجميع، وإنما فوت في البداية مقابل 200 درهم للمتر المربع لصاحب مشروع المنال، قبل أن يرفع الثمن إلى ألف درهم للمتر المربع، بعد رفض السلطات المركزية للمقترح الأول، على حد تعبير المصدر.
وأضاف أن المنطقة المعروفة بـ "لوفالون" كان من المقرر أن تصبح منطقة خضراء، حسب تصميم التهيئة، لكن فوتت إلى المقاول وتحولت إلى مشروع تجاري سكني.
وأضاف المصدر أن الاتفاق الأولي كان يقضي ببناء عمارات من طابقين، قبل أن يرخص له بإضافة طابق ثالث.
وأكد المصدر أن الأشغال تنطلق من السابعة صباحا إلى حدود الثامنة ليلا، وأحيانا دون توقف، مشيرا إلى أن التساقطات المطرية الأولى كشفت عيوب البناء بهذه العمارة، حيث انهار جزء منها، موضحا أن الأمطار الموالية التي تهاطلت على المغرب فضحت هشاشة البناء، بعد أن غرق سرداب العمارة في المياه استدعى تدخل رجال الوقاية المدنية، لكن دون أن يحرك أي مسؤول ساكنا.
وأكد أن السرعة في إنجاز الأسقف وعدم احترام المدد القانونية، بين بناء السقف والثاني عجل بانهيار العمارة.
من جانبه، اعتبر عبد العزيز كرماط، عضو المجلس البلدي بالقنيطرة، أن انهيار العمارة يدخل في إطار ما أصبحت تعيشه المدينة من غزو للإسمنت على حساب المناطق الخضراء، غزو وصفه كرماط بغير المبرر، خاصة أن مسؤولين "اغتنوا من هذه العملية، كما تقوى سماسرة العقار، وأصبحوا يشكلون لوبيا يسيطر على المدينة ويتحكم فيها".
وأكد أن هذا الانهيار ليس الأول، لأنه سبقته انهيارات أخرى، ملحا على ضرورة محاسبة كل من تلاعب بمصالح سكان المدينة وحول القنيطرة إلى مدينة إسمنتية، كما أشار إلى أن "المحاسبة يجب أن تنطلق من المسؤولين الكبار بالمدينة لا أن يسقط الصغار ضحية ويفلت الكبار".

آخر مكالمة لبناء والنوم ينقذ آخر من الموت

يروي سكان مدينة القنيطرة قصصا وحكايات يمتزج فيها الواقع بالخيال، فحسب رواية تداولها الكثيرون أن عاملا لقي حتفه، وهو يتحدث في هاتفه المحمول، لتكون آخر مكالمة له.

أما آخرون فتحدثوا عن عامل غالبه النوم، ورغم إلحاح زوجته، ليستيقظ فضل الاستمرار على السرير، وخصم مقابل يوم من عمله على الذهاب إلى العمل، قبل أن يسمع بالحادث كباقي سكان القنيطرة، ويلتحق بعين المكان ليجد زملاءه في العمل تحت الأنقاض.

كما أن عمالا كثيرين نجوا لتزامن الانهيار مع فترة استراحة لتناول وجبة الغداء، إذ هناك من يفضل تناول الطعام مع أسرته، خاصة من سكان مدينة القنيطرة.




تابعونا على فيسبوك