"سمعت أختي صوت محرك سيارة، ثم طرقا على الباب، فهرولت وفتحت ظنا منها أن الطارق بابا"، كانت تلك بداية مأساة عائلة الزعلي، التي فقدت ابنها عثمان، الذي لا يتعدى عمره 11 سنة.
في حادث مأساوي ارتبط بأسماء أعوان سلطة، وعنصرين من القوات المساعدة، الذين اقتحموا بيت الأسرة، لهدم بعض أجزائه، التي اعتبرت عشوائية، حين كان رب الأسرة الحسين الزعلي في المسجد لأداء صلاة الجمعة، بينما كانت الأم في العمل.
إذ تشتغل في أحد المعامل في المحمدية كخياطة.في الطريق إلى دوار العاتقيين، الموجود في الكيلومتر 17 في اتجاه مدينة الجديدة، حيث كان عثمان يقطن مع أسرته، ويمارس شغبه الطفولي، امتدت الحقول التي أنعشتها التساقطات المطرية الأخيرة، فكستها خضرة تشد الأنظار وتدغدغ الروح، ووقفت بعض المنشآت في عزلة تكسر الفضاء الأخضر الممتد، وبنايات متناثرة أشبه بالأكواخ.
صدى وفاة عثمان، الذي كان يتابع دراسته في الصف الخامس، بمدرسة المواطنة، فرعية أولاد عزوز، غطى أطراف المنطقة، فالسؤال عن منزل أسرة الزعلي المكلومة، يقابله تطوع كل الشباب والأطفال، للإجابة، وتقديم شروحات تدل الزائر على موقع البيت.
في مدخل الحي، تراصت دكاكين تبيع كل شيء، وأخرى تقدم خدمات إصلاح الثلاجات أو أجهزة التلفاز، وأيضا آلات غسل الملابس، وتفصل بين واجهتي الأزقة طرق غير معبدة، كستها أتربة تعلن أن الفضاء العقاري الذي يضم دوار العاتقيين بمنازله ودوره التي تجاوز عددها الستة آلاف بيت، هو في الأصل أرض فلاحية، وبالكاد تزحف السيارة، متوغلة وسط الدور التي يطل من تحت طلاء الجير الباهت، الآجور الذي شيدت به واجهاتها.
أطفال يقرأون جهرا اسم الجريدة التي طبعت على السيارة، وكأنهم يريدون إعلان درايتهم بالقراءة والكتابة، ثم يتقدمون في مجموعات لتقديم الخدمة، "maroc soir" "الصحافة"، ترددت هذه العبارة، ثم قال عدد من هؤلاء الأطفال "الدار من هنا"، بينما تقدم السيارة شاب في العشرين من عمره، وأخذ يطلب من الجميع إفساح الطريق أمام "الصحافة".
فوق سطح البيت، تحلق عدد من الرجال، يشرحون لـ"المغربية" كيف هوت الدعامة على رأس الصبي، وكيف أقدم أعوان السلطة الذين هم الآن رهن الاعتقال، على هدم ما بناه الحسين الزعلي، وأصوات الاحتجاج والاستنكار تعلوا من حين لآخر.
بالقرب من الآلة التي استعملت لهدم البيت وقف أحدهم في بذلة أنيقة بلونها الأزرق الداكن وقميصها الناصع البياض، وهو يردد لماذا لا يهدمون للحاج مصطفى صاحب الأرض، ثم أخذ يشرح كيف أن الحاج مصطفى يسيج مساحات بالإسمنت والأجور، ويبيعها، ليتكلف بعد ذلك المشتري بتقسيم هذا البناء إلى غرف، وقال إنه "يبيع للناس ما يعرف باسم الصندوق".
الحاج مصطفى ليس وحده الذي يبيع هذه الأراضي التي شيد عليها هذا الحي العشوائي، بل إن ورثة العاتقي، وهم إخوة وأبناء عمومة، يبيعون الأراضي التي ورثوها على شكل قطع أرضية، وهو ما جعل المنطقة تحمل اسم دوار العاتقيين.
رغم ربط الدوار بشبكة الماء والكهرباء، إلا أنه غير مجهز بالواد الحار، إذ قال جار الحسين الزعلي "لا نتوفر على قنوات الواد الحار، والدور كلها مجهزة بحفر فقط"، في إشارة منه إلى أن هذه الحفر هي التي تلعب دور قنوات الصرف الصحي، وتستقبل المياه العادمة.
في جو من التضامن والمؤازرة وقف رجال ونساء الحي أمام بيت أسرة الزعلي، التي كان كل أفرادها، وقت زيارة "المغربية" لموقع الحادث، في مقر الدرك الملكي في 2 مارس، ووقفت نساء الحي وآثار الحزن تغطي محياهن، بينما تطوع عدد من الرجال لشرح ما حدث.
"هنا في هذا المكان سقط عثمان، وها هي آثار الدماء على الجدار"، قالت ذلك إحدى الجارات، وهي تسترجع ما عاينته ظهر يوم الجمعة، لحظة مصرع الطفل عثمان، الذي تناقلت النسوة أن ميلاده بعد أختيه كان حدثا غير عاد بالنسبة للأسرة، فالحسين الزعلي حين أنجب عثمان اعتبر أنه أنجب من سيرث اسمه، ويحافظ على سلالته، وأضاف أحد جيران أسرة الزعلي، وهو يشير إلى ديكين سمينين أبيضين، "كان المسكين يريد الاطمئنان على ديكيه، حين سمع الصوت الذي أصدرته عملية الهدم".
أطراف البيت توحي أنه بني منذ فترة بعيدة، رغم أن جدرانه غير مطلية، إذ لازالت تحتفظ بلون الإسمنت الداكن، ووسط بهوه، وفي مدخله تحلقت نسوة حول صينية الشاي، الذي لم تقبل على ارتشاف كؤوسه المملوءة أي منهن، الأيادي على الخدود، وآثار الحزن تغلف الفضاء، وبين الفينة والأخرى ترتفع أصوات بعضهن مستنكرة ما جرى.
أدراج السلم الإسمنتية تكسوها الأتربة وحطام الجدران التي جرى هدمها، إذ بصعوبة يمكن صعودها في اتجاه سطح البيت، حيث كان الحسين الزعلي بصدد بناء غرف أو طابق أعلى، من أجل ضمان سكن مستقل لابنته التي تقطن معه رفقة زوجها وابنها ذي السبعة شهور، معطيات تناقلتها النسوة وهن يبررن إقدام الحسين على مغامرة البناء دون رخصة قانونية. لكن ابتسام تتحدث عن طمأنة أعوان السلطة لوالدها بعد أن أدى ما يؤديه كل السكان من مبالغ مالية تعد بمثابة رخصة في هذا الحي المتناثر الأطراف.
سيدة في عقدها الرابع، قالت لـ"المغربية" وهي تلملم دموعها، "كان في نيتهم طمس معالم الجريمة، فقد أحضروا سيارة إسعاف، وسمعت السيدة التي كانت داخلها تقول مات بسكتة قلبية"، وأضافت "كانوا ينوون أخذ الجثة رغما عن والدي الضحية، فقط احتجاج السكان، واعتصام الأطفال وصراخهم، منعهم من ذلك"، ثم استرسلت في الحكي بعد أن مسحت ما نزل على خذها من دموع، "مسكنا بأيدي بعضنا البعض وكونا حزاما أمنيا، لمنع نقل الجثة قبل حضور المسؤولين".
في مدخل مقر سرية الدرك الملكي في 2 مارس، جلست ابتسام أخت الضحية، وبين يديها طفلها، وقالت إن أخاها عثمان، الذي ووري جثمانه الثرى يوم السبت، في جو مهيب، ورافقه إلى مثواه الأخير حشود من سكان الدوار، وزملاؤه في الدراسة، حاول الاطمئنان على ديكيه اللذين يمتلكهما، حين كان أعوان السلطة في جدال مع والده قبل أن تنطلق عملية الهدم، وبينما الضحية في الأدراج الأولى للسلالم، فاجأته قطعة من الإسمنت المقوى والآجور، فصعقته على مستوى الرأس، وخلفت جرحا غائرا على مستوى خذه الأيمن، قبل أن ترديه قتيلا.
وأكد الجيران، أن أعوان السلطة وبعد تأكدهم من وفاة الطفل لاذوا بالفرار، مخلفين الأدوات التي استعملت في عملية الهدم، والتي عاينتها "المغربية" في مسرح الأحداث.
الحديث مع الجيران، يبرز أن أعوان السلطة، حاولوا مساومة أب الضحية، عبر منحه مبلغا ماليا حدد في 30 مليون سنتيم، وباستنكار ردد الجميع "هل سيعيد المال الروح لابنه" ووحدها إحدى الجارات التي حاولت الاستفراد بـ"المغربية" قالت "الله يستر ما قنعاتهمش 30 مليون".
جميع سكان الحي العشوائي، الذين التقت بهم "المغربية" تحدثوا عما يمكن اعتباره تعريفة الترخيص غير القانوني بالبناء، إذ قالوا إن "بناء مسكن من 30 مترا مربعا، يقتضي دفع رشوة حددت في ألفي درهم، وأن بناء مسكن مساحته 60 مترا مربعا، يفرض دفع مبلغ ثلاثة آلاف درهم، إلى جانب إكراميات توزع على أعوان السلطة".
وقال السكان إن عملية البناء "تنطلق بالاتفاق، يوم الجمعة بعد صلاة الظهر، وتستمر يومي السبت والأحد، حين تكون الإدارات في عطلة نهاية الأسبوع"، وأكد هؤلاء أن "هذا التواطؤ، يفرض أيضا أن تنتهي أشغال البناء، قبل فجر يوم الاثنين، وأن يجري الحرص على طلاء البناء للإيهام بأنه مشيد منذ فترة بعيدة".
أفادت مصادر أمنية أن سرية الدرك الملكي في 2 مارس، أرجأت إحالة أعوان السلطة الأربعة وعنصري القوات المساعدة، الذين ارتبطت أسماؤهم بحادث مصرع الطفل عثمان الزعلى، على النيابة العامة إلى يومه الثلاثاء، وقررت تمديد فترة الحراسة النظرية لمدة 24 ساعة من أجل تعميق التحقيق في الحادث الذي ذهب ضحيته الطفل عثمان ظهر الجمعة المنصرم، حين أقدم المتهمون الستة على هدم أحد أجزاء بيت الحسين الزعلي بدوار العاتقيين، الذي يقع على امتداد الكيلومتر 17 بطريق الجديدة، ضواحي الدارالبيضاء. وذكرت المصادر ذاتها أن أعوان السلطة يوجدون رهن الاعتقال، منذ وقوع الحادث، ويتعلق الأمر بمقدمين وشيخين، وعنصرين من القوات المساعدة.
وقال شهود عيان إن والد الضحية، الذي كان بصدد تشييد غرفة في سطح بنائه العشوائي، الذي يقطنه منذ عدة شهور، حاول مقاومة أعوان السلطة، الذين كانوا يعتزمون هدم ما بناه، ودخل في مشاداة معهم، وأبرزوا أن أعوان السلطة، بعد توجيههم ضربات لدعامة البناء في محاولة لهدمها، انهار السقف، وانهارت معه الدعامة.
وأكد الجيران أن أعوان السلطة، بعد تأكدهم من وفاة الطفل، لاذوا بالفرار، مخلفين الأدوات التي استعملت في عملية الهدم، والتي عاينتها "المغربية" في مسرح الحادث.