انتشرت ظاهرة التسول بشكل لافت في مختلف المدن المغربية، والملاحظ أن الظاهرة لم تعد تقتصر على المعوزين، بل أصبحت حكرا على المحترفين، يتربصون بالمواطنين.
في كل الفضاءات، فحسب الإحصائيات الرسمية، هناك نوعان من التسول، الأول بسبب الفقر ويمثل 51.8 في المائة، يخص الأشخاص المهمشين والمحتاجين، الذين لم تتح لهم فرص الشغل، والنوع الثاني المتعلق بالتسول الاحترافي ويمثل 62.4 في المائة من المجموع.
والتسول في الدار البيضاء مثلا تتنوع طرقه بين الشفوي والكتابي، عبر آلة موسيقية، أو عبر سرد قصة أقرب للخيال منه إلى الواقع، هناك من يتسول عارضا مشكله بلسانه، أي التسول الشفوي، فهناك فئة جديدة من المتسولين "المثقفين"، الذين يدونون المشكل على ورقة تستنسخ منها العشرات، وتوزع على ركاب الحافلات أو رواد المقاهي، يعود المتسول أو المتسولة لجمعها، وجمع ما جاد به المواطن.
وتتنوع قصص وحكايات المتسولين سواء "الرواة"، أو الذين لجأوا للتدوين.
واحتل المتسولون كل الفضاءات، من محطات طرقية، وأمام أبواب محطات القطار، بالأسواق، والمراكز التجارية، وأمام المساجد، وإن حاول المواطن تفاديهم وإغلاق باب منزله فلن يتركوه آمنا، إذ يطرقون بابه، طالبين صدقة.
مواطن سئم لقاء تلك الوجوه التي تتصنع البؤس، أو المستغلة من طرف "عصابات" محترفة، هذه الأخيرة تستغل الأطفال والمعاقين في عملية التسول، قال "إن الظاهرة باتت مستفزة، لا يمكن للمواطن أن يتبضع في السوق أو يجلس في بيته أو في مقهى دون أن يعترض سبيله أو يطرق بابه أو يلجأ إليه متسول، بشكل أصبح مقرفا، خاصة حين يلجأ البعض لاستغلال الأطفال للتسول".
وأضاف أن الظاهرة لا تتعلق بمدينة الدار البيضاء، وإنما انتشرت " في المدن الصغرى، وفي القرى أيضا"، وأوضح أن "الجفاف لعب دورا في انتشارها ببعض المدن الصغيرة، القريبة من المناطق التي عانت من هذه الكارثة الطبيعية، لكن هناك مدن كبرى، بسط متسولون محترفون سيطرتهم على أهم المواقع، وسخروا معاقين وأطفالا، ونساء لخدمتهم.
ورغم محاولات وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن، فالظاهرة في انتشار وزحف واسعين، خاصة بالمدن الكبرى من ضمنها الدار البيضاء، وأرجع تقرير استفحالها لانتشار ظاهرة التسول الاحترافي.
من جهته، اعتبر شاب الظاهرة "مرضية"، و"تسيء لسمعة المغرب"، خاصة عندما يعترض "متسولون سبيل السياح الأجانب أمام المقاهي، والفنادق"، واستغرب احتلال المتسولين لفضاءات بعينها، خاصة أمام الفنادق، بل "الأكثر من هذا أنهم على علم بتحركات بعض السياح أو العرب الخليجيين، خاصة بالنسبة للرحلات المنظمة، إذ تجدهم يتسابقون في اتجاههم".
وأكد شاب آخر أن انتشار المتسولين أمام فنادق خمسة نجوم، وتربصهم بالأجانب، يستفز السياح، الذين يختلط عليهم الأمر أحيانا، بعد اعتراض سبيلهم، إذ يعتقدون أن الأمر يتعلق بلصوص لا بمتسولين، إذ يثيرون الخوف والرعب في نفوسهم.
وأبدع المتسولون طرقا متعددة للتسول، لتتحول الظاهرة من الحاجة وطلب لقمة العيش إلى تجارة مربحة، وهذا ما أكده عامل في محطة بنزين، إذ أن متسولا يدعي العمى، يعرج عليه يوميا بعد نهاية مشواره، ليحول القطع النقدية إلى أوراق ، يبلغ معدل مجموع القطع النقدية لوحدها إلى 300 درهم في اليوم.
وتتنوع طريقة التسول حسب الفضاء، إذ أن المتسولين والمتسولات أمام المساجد، عادة من المعاقين أو الذين يتصنعون الإعاقة، أو النساء "الأرامل"، و"المطلقات"، اللواتي يصطحبن أبناءهن، رضعا أو أطفالا صغار، فيما تنتشر في الممرات ووسط المدينة النساء اللواتي يعين أنهن أرامل، ورفقتهن أطفال رضع.
وينتشر متسولون "جدد" بلباس أنيق أمام محطات القطار، والمحطات الطرقية، يدعون أنهم غرباء عن المدينة، فقدوا أموالهم بشكل أو آخر، ويتسولون ثمن تذكرة ركوب القطار أو الحافلة إلى منزلهم.
وفي محطات الحافلات تجد شبابا يطلب ثمن ركوب الحافلة إلى حيه، فيما أن فتيات جميلات يرتدين إما وزرة مدرسية أو هنداما عاديا، يعترضن سبيل المواطنين من الذكور خاصة في المساء، بدعوى أنهن من مدينة قريبة، وخرجن من المدرسة، أو وكان لهن موعد مع أحد أفراد الأسرة أو صديقا، تخلف عن الموعد، ومصروفهن لا يكفي للعودة إلى بيتهن.
واعتبر مواطن اعتاد مصادفة المتسولين يوميا في حافلة النقل الحضري أن "الظاهرة تبعث عن الاشمئزاز، إذ أن ركوب الحافلة من بيتك نحو العمل، في ظرف30 دقيقة، قد تصادف 3 أو 4 متسولين، يصعدون لحافلة لاستجداء الركاب".
ويتنوع المتسولون حسب كل خط وطبيعة ركابه، إذ يقول أحد الركاب، هناك من "يدعي الإصابة بمرض مزمن ويطلب تكاليف الدواء، وهناك من يدعي الإعاقة أو عجزه عن تدبير ثمن تذكرة العودة لمدينته بعد زيارة لسجين أو أفراد العائلة، انتقلوا من منزلهم إلى وجهة مجهولة، فالأسباب متنوعة والهدف واحد".
كما أن الهدف الوحيد للمتسولين لم يمنع من تعدد طرق التسول، كما سبقت الإشارة، إذ يوضح مواطن أن "التسول في الدار البيضاء يتوزع في صفوف المحترفين خاصة، بين الشفوي والكتابي، عبر سرد قصص أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، يحكيها المتسولون "الرواة"، أو هؤلاء الذين لجأوا للتدوين"، لكسب تعاطف المواطن.
ورغم الجهود المبذولة لمحاربة الظاهرة من طرف وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن، التي أعدت استراتيجية وطنية لمحاربة التسول بالمغرب وانطلقت في مرحلتها الأولى بكل من مدينتي الرباط والدارالبيضاء، لتنتقل إلى مدينة فاس يوم الجمعة 28 دجنبر الماضي، فالظاهرة في انتشار واسع، نظرا للأرقام الكبيرة لعدد المتسولين، خاصة من المحترفين، وكانت نزهة الصقلي في عرضها لخريطة التوزيع الجغرافي للمتسولين أكدت أن جهتي فاس - بولمان ومكناس - تافيلالت في المرتبة الثالثة على الصعيد الوطني بأكثر من 28 ألف متسول أي بنسبة 14.4 في المائة.
وذكرت نزهة الصقلي بأن البحث الذي قامت به الوزارة سنة 2007 أكد أن عدد المتسولين على الصعيد الوطني يقارب 200 ألف منهم 51 في المائة نساء.
كما سبق أن أشارت في تصريح لـ "المغربية" إلى أنه على مستوى الدارالبيضاء لوحدها، في إطار برنامج محاربة التسول، وخلال الفترة ما بين فاتح مارس و31 غشت، جرت معالجة 1838 حالة استغلال الأطفال في التسول، وجرى إدماج 80 في المائة من هذه الحالات في أسرهم، في حين جرى إدماج 17 في مائة منهم في مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وأحيلت 13 في المائة من هذه الحالات على المحاكم المختصة، موضحة أن هذه الحالات تتعلق باستغلال الأطفال والأشخاص المعاقين في التسول.
وأمام انتشار الظاهرة، وخاصة في جانبها الاحترافي، أصبح مقاومتها واستئصالها يتطلبان مجهودا إضافيا، إذ بالإضافة إلى إدماج الحالات المهمشة والفقيرة، وإعادة تأهيل الأطفال منها، للاندماج في الحياة العامة من جديد، لابد من مواجهة التسول الاحترافي، الذي يستغل الأطفال والإعاقة والأشخاص المعاقين وذلك بتطبيق القانون بشكل صارم.