تعيش المؤسسة التشريعية، منذ انطلاق الدورة التشريعية الربيعية، أي ما يقرب من شهرين، أزمة تعكسها أجواء الرتابة والملل والركود، الغالبة على أشغالها .
ومن يدخل البرلمان، في الفترة الحالية، يصدمه الجمود السائد على مستوى الرقابة والتشريع.
فبخصوص الأسئلة الشفوية، لم يساهم البرلمانيون بأي قسط في تطوير أشغال المؤسسة، وإحداث حركية ونشاط داخلها، إذ لم تُدرج، طيلة دورة الربيع، أسئلة ذات شأن حول القضايا المهمة وذات الأولوية بالنسبة إلى الرأي العام الوطني.
وتوالت على مدى شهر ونصف أسئلة مكرورة سبق للبرلمانيين أن طرحوها في الدورة السابقة، ذات صلة بقطاعات بعينها (الفلاحة والتجهيز)، بسط فيها الوزراء أجوبتهم، وقالوا فيها الشيء الكثير، حتى أضحت ردودهم بدورها مكرورة.
وعلى سبيل المثال، بالغ البرلمانيون في تكرار الأسئلة حول استعدادات الحكومة لمحاربة آثار الجفاف، ومعاناة الفلاحين جراء تأخر الأمطار، وهما سؤالان وردا بكثرة على لسان البرلمانيين، مستشارين ونوابا، وما زالا يُطرحان، رغم أننا على أبواب الصيف، ورغم أن أعضاء الحكومة أجابوا عنهما في عدة مناسبات.
وثمة أسئلة أخرى عن دعم الفلاحين، وعن قطاع الدواجن، وتدهور الغابات.
يُعاد طرحها باستمرار، وتتردد على مسامع البرلمانيين والرأي العام الوطني، على حد سواء، بشكل روتيني يبعث على الضجر.
كما أفاض البرلمانيون في طرح أسئلة تتعلق بالطرق والمسالك القروية، وفك العزلة عن العالم القروي، وهي مواضيع تكتسي أهمية، لكنها استُنفدت وقال فيها الوزراء ما قالوا، ولم يعد هناك جدوى من إعادة طرحها مرات عديدة.
أما في ما يخص التشريع، فإن اللجان تواصل مناقشة مشاريع أُحيلت »منذ زمان« على البرلمان، ومنها مشاريع عمرت طويلا، كالمشروع المتعلق بالسكنى والتعمير (الكاط كاط)، وتصفية ميزانيات السنوات السابقة، أما مدونة السير على الطرق، فجرى تجميدها مؤقتا بسبب الخلافات، التي فجرها مهنيو قطاع النقل الرافضون للمدونة.
ولم تتحرك مشاريع القوانين المتعلقة بالتخليق، باستثناء المشاريع، التي أُحيلت منذ البداية على مجلس النواب، وبالأخص مشروع القانون المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، الذي جرت مناقشته والمصادقة عليه في المجلسين، أما المشاريع، التي أُحيلت على الغرفة الثانية، فظلت تراوح مكانها، أمام إصرار المستشارين على رفض مناقشتها إلا بعد صدور قوانين التخليق الخاصة بأعضاء الحكومة.
والخلاصة أن أشغال البرلمان تسير بوتيرة جامدة وباعثة على الملل.
وهناك تفسير غالب يُبرر به ضعف حصيلة العمل البرلماني، يكمن في انشغال النواب بدوائرهم الانتخابية، والتحضير للانتخابات المقبلة، لكن هل يُعقل أن تُهجر المؤسسة التشريعية بهذه الطريقة، ولا نلمس فيها عملا جديا، بسبب أن الانتخابات التشريعية على الأبواب؟ لا يشفع للبرلمانيين القول إن سبب هذه الرتابة يعود إلى انهماكهم في التحضير لخوض غمار الحملة الانتخابية، فالمؤسسة التشريعية مؤسسة دستورية، وينبغي أن تطبع أعمالها الجدية والحماس إلى نهاية ولايتها القانونية.
ثم إن الأمر لا يقتصر على النواب، فالغرفة الثانية لا تعرف أي دينامية في هذه الفترة، والمستشارون لا يساهمون بأي حد أدنى في تنشيط الغرفة الثانية، رغم أنه لا تنتظرهم أي استحقاقات في الشهور المقبلة.
وثمة مشكل آخر أصبح لافتا في هذه الدورة التشريعية، الأخيرة في الولاية الحالية، وهو مشكل مرتبط بالغياب الملحوظ لأغلب البرلمانيين، الذين فضلوا الانخراط، مبكرا، في الحملة الانتخابية، أو المكوث في بيوتهم إيثارا للراحة، بدل حضور أشغال البرلمان، وهو ما ساهم أكثر في إضفاء طابع الجمود على أشغال البرلمان.
وإذا كان من المألوف القول، استنادا إلى التجربة، إن الدورة الربيعية تكون دائما ضعيفة من حيث المراقبة والتشريع، فإن الدورة الحالية مهددة بأن تدخل كتاب »غينيس« للأرقام الأكثر تدنيا وتواضعا، باعتبارها أضعف دورة، ليس من حيث الكم، بل من حيث الجدة والإبداع والمواظبة على الحضور.