تأتي أحداث مخيم نهر البارد في لبنان لتعيد إلى الذاكرة شبكة من الأسئلة، التي تتواتر في حياة المجتمعات العربية المحلية، على الأقل منذ السبعينيات.
إذ مع هذه الحقبة من القرن العشرين، تُفصح عن نفسها معالم أيام صعبة قادمة بالنسبة للعرب.
وصعوبة هذه الأيام تزداد تعقداً واضطراباً وقدرة على توليد الأزمات وعلى إنتاجها، بحيث راح الأمر يبدو كأنه تأسيس للعنة جديدة بعد »لعنة الفراعنة" هي "لعنة النفط"
وشيئاً فشيئاً، ظهر أن هذه الأخيرة كي تكون أكثر ضبطاً لما يُراد لها أن تعنيه وهو مدلولها، ينبغي أن تأخذ الصيغة التالية، وهي : "لعنة النفط السياسي"
فمع تدفق اكتشافات النفط، تدفقت سيولة مالية هائلة، راحت تُحدث تحولات متنوعة في أوساط الناس، وهذا أخذ يفرض نفسه على البنية الثقافية والسيكولوجية والاجتماعية، أي على المرجعيات التي درج أولئك عليها عهوداً مديدة.
وكان ذلك بمثابة اختبار لهم في حقل مواءمتهم بين تلك المرجعيات والوضعية الجيدة، وقد أحدث ذلك ـ في أحيان ليست قليلة ـ حالات من عدم التوازن والاتساق.
واتضح أن تدفق الثروة والاستهلاك باسم حداثة وتحديث مفتوحين، لن يقود إلى أنماط متوازنة مع الحياة الجديدة، إن لم يتم ذلك بالتوازي والمواءمة مع تطوير وتحديث عميقين للمنظومات الثقافية والقيمية والجمالية.
وإذا وضعنا في الاعتبار أن الثروة الجديدة عمّقت التفاوت الاجتماعي الاقتصادي بين فئات من البلدان العربية، إضافة إلى تبلور نظم سياسية مؤسسة على الاستبداد والفساد والإفساد، فإنه سيُصبح مفهوماً لماذا أخذت أصوات احتجاجية تبرز هنا وهناك من العالم العربي، تنادي بالعدالة والحرية والكفاية المادية.
لكن ذلك ذهب أدراج الرياح، مع ارتفاع لغة القمع وتعاظم إخراج الثروة الوطنية إلى الخارج
في تلك الوضعية راح الخطاب "الإسلامي السياسي" يعلن عن نفسه، ويزداد في حضوره عمقاً وسطحاً، كما يتفتق عن أنماط واتجاهات مختلفة، منها الأصولي الظلامي، والعقلاني التَّسْووي (الوسطي)، والثالث المتحرك بين هذا وذاك.
يحدث ذلك مع تبلور درجة أو أخرى من التصميم على جعل تلك الأنماط والاتجاهات مشاريع تنتظر التنفيذ بـ "النيةّ أو باللسان أو باليد"، وفق واقع الحال القائم
إن ذلك يضعنا أمام مُعطى مهم يتمثل في أن الخطاب الإسلامي عموماً والسياسي منه على نحو الخصوص، ليس ذا إحداثية واحدة، وليس ذا أفق واحتمال واحد
ها هنا، تبرز ضرورة الانعطاف نحو ما قدمه الباحث "برنارد لويس" في بحثه المركز "لغة الإسلام السياسي"، الذي أصدره عام 1988 وتُرجم إلى العربية عام 2001 مع مقدمة لنا
فما يراه لويس ها هنا، يقوم على الاعتقاد بأن »المسلمين الطامحين للسلطة يتحركون داخلياً أكثر مما يتحركون تصاعدياً.
والمسلمون الثائرون ينسحبون من النظام القائم أكثر مما ينهضون ضده
إن أقدم حركة ثورية ـ لا بل والحركة النموذجية في واقع الحال ـ ضد النظام القائم كانت حركة الخوارج (Those who go out). إن تدقيقاً في هذه الفكرة يضع اليد على أنها قابلة للنقد، وربما الدحض، فلقد نظر الباحث إلى القراءة المتعددة والمحتملة للإسلام على أنها ذات بنية واحدة، وذات دلالة واحدة، وذات وظيفة محتملة واحدة.
وثمة قاعدة تمتلك حداً معيناً من المصداقية المنهجية والمعرفية على صعيد ما نحن بصدده، وهي : إن النصّ، (أي نص في الحقول الاجتماعية والإنسانية)، يتشظى دلالياً وفق تشظّي الأفهام وكذلك المستويات السوسيوثقافية أولاً، وإن البِنى المجتمعية السياسية والثقافية والحقوقية والفنية الجمالية، هي طرف مهم في قراءة مثل ذلك النص ثانياً؛ مما يعني أن فعل القراءة يتسم بكونه ملوثاً بفعل تلك البنى وغيرها
وقد نرى في النص الذي أوردناه عن »برنارد لويس« وجهاً آخر مُلفتاً، وهو الاقتراب من مرجعية "المركزية الأوروبية" في تمييزها بين صيغتين من حركة الفعل والفكر، واحدة تسلك منحى "داخلياً" أكثر من أن يكون صوب "الأمام والأعلى"، وذلك ذو بُعد تاريخي تقدمي مفتوح، وهذا ذو بعد ذاتي داخلي مغلق، ومن شأن ذلك القول إن الطريق مفتوح أمام البعد الأول، ومغلق أمام البعد الثاني.
عبْر النظر في أنماط الخطاب الإسلامي المعاصر، يمكن أن نصل إلى أن هذه قد تختلف وتتعارض فيما بينها إلى حد كبير (ونتبين ذلك على سبيل المثال فيما كتبه خالد محمد خالد في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، وما يقدمه راهناً أصحاب القراءات التكفيرية، ومنها تلك التي تقدمها جماعة "فتح الإسلام").
ولعلنا نشير إلى نقطة دقيقة الحساسية في العلاقة بين الإسلام والدولة، كمثال على إمكانية التعددية في القراءات الإسلامية إلى درجة احتمال نشوء قراءة قد توصل إلى "دولة مدنية".
ومن ثم، لا يصح ـ كما يرى "لويس" وضعُ خط قاطع وجازم يفصل بين "الشعوب الإسلامية القائمة على تناقض صارخ مع تلك الشعوب التي تعتنق أدياناً أخرى"، ومع هذه الأخيرة، أي التي تشتمل على "ملكيات وجمهوريات ومحافظين وراديكاليين".
باشتراك مع الاتحاد الإماراتية