عادت ظاهرة التلاعب في مباريات مختلف أقسام البطولات الوطنية لتأخذ حيزا مهما من اهتمامات الرأي العام الكروي، الذي بدأ يشكك في مصداقية بعض النتائج التي تنتهي بها بعض اللقاءات خاصة التي تكون طرفا فيها فرق طامحة للصعود أو الظفر باللقب أو التي ترغب في تفادي الن
لكن في غياب الحجج والأدلة على ما يتم تداوله تظل الاتهامات مجرد ادعاءات لا أساس لها من الصحة، ويعطى القانون لكل من وجهت له تهمة التلاعب في نتيجة مباراة معينة دون إثبات حق متابعة متهميه قضائيا، إلا أن الأمور تأخذ طابعا آخر عندما يكشف سيناريو التلاعب من طرف مسؤول داخل الفريق يتحمل المسؤولية كاملة في توجيه التهمة لبعض لاعبيه، كما حدث نهاية الأسبوع الماضي في مباراة سطاد المغربي ويوسفية برشيد، هدا الأخير الذي يتنافس مع كل من المغرب الفاسي والكوكب المراكشي عن المركزين الأول والثاني المؤديين إلى حظيرة قسم النخبة.
فقد أعلن رئيس سطاد المغربي جمال السنوسي تورط ثلاثة من لاعبي فريقه في عملية تلاعب من أجل تسهيل مهمة الفريق الضيف.
والأكيد أن ما أقدم عليه رئيس سطاد لن يكون رادعا للسماسرة الذين ينشطون في نهاية كل موسم كروي، ليس في المغرب فقط بل في كل بطولات العالم، مع اختلاف في الطريقة.
فمخاطر المهنة معروفة لدى الوسطاء في عمليات التلاعب في مباريات رسمية، ومع ذلك فإنهم لا يبالون ويظلون يترصدون بعض رؤساء الأندية الذين يريدون أن يتستروا عن فشل سياستهم التسييرية بتغليب لغة المال عن التنافس الرياضي الشريف.
أسماء السماسرة تتردد على كل لسان في كل الملاعب الوطنية، مما يجعل علاقتهم مع بعض المسؤولين الإداريين أو المدربين أو اللاعبين فيها شبهة كبيرة.
وكما جرت العادة في المباريات الأخيرة في كل موسم كروي، الأكيد أننا سنقف أمام مشاهد تثير الدهشة والأسف في الوقت نفسه، وستطرح العديد من رسائل الاحتجاج على مختلف الهيئات المشرفة على تسيير شؤون كرة القدم في مختلف الأقسام.
ومرة أخرى ستنزل الأحكام التي ستقابل بعضها بانتقادات الصحافة الوطنية، لكن ليس هناك أي مؤشر يبرز التفكير في تسطير قوانين رادعة جديدة،تجعل كل من يرغب في امتهان السمسرة في التلاعب في المباريات الوطنية يتخوف، إلى الدرجة التي يصبح فيها غير قادر على مواصلة الاسترزاق بطرق غير قانونية على حساب شرف الرياضة ونبلها.
يجمع المتتبعون لكرة القدم الوطنية على تواضع مستواها وهزالة مردودية المباريات التي تفتقد للفرجة، ومن الأشياء التي يراها غالبية المهتمين بالكرة في المغرب سببا في تراجعها هو هيمنة العقلية المادية ليس بالشكل الذي من الممكن أن يخدم اللاعب ويساهم في تطوير اللعبة كما هو الشأن في البطولات الاحترافية، ففي نظرهم الطريقة التي تتكون بها أغلب المكاتب المسيرة للأندية تتحكم فيها لغة المال، وهذا ما يفتح الباب أمام أناس لا يتقنون إلا الفساد لولوج عالم الرياضة من بابه الواسع، وطبيعي حسب الملاحظين أن تصدر سلوكات غير رياضية من مسير بلغ منصب الرئاسة باستخدام المال
ألوان التلاعب لا يقتصر التلاعب في المجال الرياضي على شراء ذمم اللاعبين أو الحكام بل انه اتسع ليشمل انتخابات المكاتب المسيرة للأندية التي أصبحت تدور في أجواء تشبه تلك التي تشهدها الحروب واعتاد المتتبع لمسار كرة القدم في المغرب على متابعة فصول مواجهات عنيفة بين مناصري رجلين يتنافسان على منصب الرئاسة
ولم يعد مهما في السنوات الأخيرة أن يكون له تاريخ كروي ولا حتى صلة بالنادي الذي يرغب في ترأسه.
لقد جاء نظام الانخراط ليعطي الامتياز للمسيرين أصحاب المال الذين لم تعرف بعض الفرق الوطنية كيف تتخلص من قبضتهم، واستمرارهم يضمنه لهم توفرهم على المال الذي يسمح لهم بشراء الانخراط لمناصريهم الذين ينزلون بقوة يوم الانتخاب ويضمنون له الاستمرار في ممارسة العبث في التسيير دون أن يلمس من يناصروه أنهم بصدد تذمير كرة القدم المغربية، بمشاركتهم في هذا التلاعب الذي يعد الأخطر في المجال الرياضي، لأن ما يجري على أرض الواقع في المغرب يؤكد أن هذه النماذج من المسيرين هي التي توجه إليها أصابع الاتهام في قضايا التلاعب بنتائج مباريات مختلف الأقسام.
تلاعب من نار داخل سطاد كشف جمال السنوسي نائب رئيس فريق سطاد المغربي المنتمي لأندية الدرجة الثانية بشجاعة أن فريقه كاد يكون ضحية مؤامرة خسيسة، اتضحت خيوطها بفعل اعتراف حارس المرمى رفيق خرباش بتورط ثلاثة من أبرز لاعبيه في محاولة للتلاعب بنتيجة مباراته في الدورة الحادية والعشرين من البطولة الوطنية أمام يوسفية برشيد في ملعب أحمد الشهود بالرباط.
وقال في حديث خص به "الصحراء المغربية" أن بعضا من لاعبيه كانوا ضحية تشويش في الأيام التي سبقت المباراة ، وأضاف أن المكتب المسير توصل بإخبارية تفيد بوجود اتصالات من جهة معينة ببعض اللاعبين لحثهم على التلاعب بنتيجة الأحد الماضي مقابل مبلغ مادي مهم وتابع أنه في ظل تضارب الأقوال يصعب تحديد المبلغ المتفق عليه :
"بعد تلك الإخبارية اتخذنا كل الاحتياطات اللازمة، وقمنا بمجموعة من التحريات وبدا لنا جليا أن هناك لاعبا وهو عميد الفريق مصطفى الزروقي، وهو لاعب سابق للنادي القنيطري، وأنه ساوم مجموعة من زملائه للتلاعب بالنتيجة، ووعدهم بالحصول على مقابل مادي مهم سيتقاضون نصفه قبل المباراة والباقي بعد نهايتها".
وكشف مصدر مقرب من النادي فضل عدم الكشف عن اسمه أن الفريق وحفاظا على عدم تسميم أجواء الاستعدادات لهذه المباراة وجه الدعوة للاعبين المتورطين للالتحاق بالمعسكر التدريبي بمعية العشرين لاعبا الآخرين، دون لفت الانتباه لما حدث سيما وأن الفريق كانت تنتظره مباراة صعبة بالنظر إلى وضعيته في سبورة الترتيب، حيث يحتل المركز ما قبل الأخير برصيد خمس عشر نقطة فقط من ثلاثة انتصارات أولها في الدورة العاشرة خارج الميدان أمام النادي القنيطري والثانية والثالثة بالميدان أمام كل من الرشاد البرنوصي وهلال الناظور بهدف نظيف في الدورتين الرابعة عشرة والتاسعة عشرة، وسبعة تعادلات وإحدى عشر هزيمة.
وتابع جمال السنوسي أن الاتفاق بين أعضاء المكتب المسير والمدرب كان على طردهم بعد كشفهم أمام زملائهم داخل مستودع الملابس قبل المباراة :
"بعد دراسة الموضوع من جميع النواحي بمعية المدرب عبد الكبير العلوي السليماني اتفقنا على طرد اللاعبين مباشرة قبل بداية المباراة ليكونوا عبرة لزملائهم فتقبل اللاعبون القرار بصدر رحب وهذا يكشف تورطهم في موضوع التلاعب، لو كان هناك شك كان يجب أن يكون رد فعلهم عنيفا، لكنهم انصرفوا وهذا بحضور اللاعبين والمسيرين والمدرب، هناك جهات تقول إن هناك مدرب تربطه صداقة متينة باللاعب مصطفى الزروقي، وهو الذي حاول التأثير عليه للتلاعب بنتيجة المباراة".
في إشارة واضحة لمدرب فريق يوسفية برشيد منير الجعواني على اعتبار أنه لعب لفريق النادي القنيطري وهو ما رفضه المدرب المعني بالأمر جملة وتفصيلا، حيث نفى في حديث لـ "الصحراء المغربية"أن يكون مصطفى الزروقي صديقا له برغم أنهما كانا ينتميان لفريق ومدينة واحدة :
"أريد التوضيح فقط، أولا لم يكن أبدا مصطفى الزروقي صديقا لي، كنا دائما على خلاف داخل النادي القنيطري، وأظن أن مسؤولي الفريق عوض تحمل المسؤولية وإنقاذ الفريق يبحثون عن شماعة يعلقون عليها أخطاءهم، أنا على استعداد للرد على أي سؤال، لأن ضميري ولله الحمد مرتاح وفريق يوسفية برشيد بعيد عن كل الشبهات، إن فريق سطاد المغربي يسيره أناس أكل عليهم الدهر وشرب، ليتحققوا أولا مما حدث خلال مباراة المغرب الفاسي ونهضة بركان لا أريد الحديث عن شيء لاعلاقة لي به، أنا مستعد للمواجهة، الفرق ظاهر لو كان فريق سطاد المغربي لعب منذ بداية الموسم بالطريقة التي لعب بها أمامنا ما كان ليكون في المراكز الأخيرة، وعوض الحديث في الأمور الفارغة ليبحثوا عن حل لفريقهم المهدد بالنزول".
في إشارة ضمنية إلى أن فريق سطاد يخدم مصالح فرق أخرى تراهن على تحقيق الصعود، سيما وأنه حامت شكوك حول تلاعب مدافعين بنتيجة مباراة الدورة الحادية عشرة التي انهزم فيها فريق سطاد المغربي بميدانه أمام نهضة بركان بثلاثة أهداف نظيفة، والنتيجة أن الفريق طردهما بدوره من صفوفه، ويفضل نائب الرئيس عدم ذكر اسميهما تجنبا للأذى الذي سيلحقهما على اعتبار أنهما يلعبان الآن لفريقين آخرين، وأيضا في مباراة الدورة السابعة عشرة أمام المغرب الفاسي بعد هزيمته مرة أخرى بعقر داره بهدفين مقابل هدف، ولم يتم الكشف عن اسم المتلاعبين المفترضين.
وعلق جمال السنوسي على إثارة موضوع التلاعبات في أكثر من مرة داخل فريقه بقوله : "عندما تكون الإمكانات المادية ضئيلة والمنح هزيلة تكون هناك مغريات أخرى من جهات معينة فاللاعب يستسلم وينساق، فهذه الفئة تكون مستهدفة خاصة من الفرق التي تبحث عن الصعود للقسم الوطني الأول".
واستطرد أن عميد الفريق وهدافه مصطفى الزروقي حاول التأثير على ثلاثة لاعبين وهم عيسى العثماني الذي كان موقوفا لمباراة واحدة لجمعه أربع بطاقات ملونة ونورالدين بوفردوس في حين رفض حارس المرمى رفيق خرباش المساومة وكشف الخطة لأعضاء المكتب المسير .
وإذا كان المدافعان السالفي الذكر التحقا بفريقين مختلفين فإن اللاعبين الثلاثة المطرودين لن يحصلوا على رخصهم مهما كان : »إن قرار الطرد نهائي ولا رجعة فيه، ولن يحصلوا على أوراقهم مهما كان، وربما ستتوقف مسيرتهم الكروية في هذه المحطة«
ويحتل فريق يوسفية برشيد المركز الرابع برصيد سبعة وثلاثين نقطة بفارق أربع نقاط عن المغرب الفاسي والكوكب المراكشي صاحبي الصدارة ونهضة بركان المحتل للمركز الثالث بفارق نقطة واحدة.
طرق التصدي للتلاعب إذا نظرنا إلى كرة القدم من جانبها الرياضي المحض فإننا سنقف على الغاية من ممارستها وبرمجة تظاهرات كبيرة لها تجتمع فيها مختلف الشعوب، ونتيجة مباراة في كرة القدم تفرز في الأخير الفريق المتفوق أي الذي يوجد في قمة الاستعداد بدنيا وتقنيا ونفسيا،ويدخل الحظ كعامل خارجي بإمكانه ترجيح كفة الفريق الذي لا تتوفر فيه هذه الشروط، ومن هنا يأتي التشويق في كرة القدم.
لكن بدخول المال عالم الكرة أصبحت هذه الأخيرة تحت رحمة أصحاب الثروات الكبيرة من أصحاب المؤسسات التجارية العالمية التي أصبحت العديد من التظاهرات الكبيرة تسير على هواها، وهذا ما قاد رجال القرار داخل الـ "فيفا" إلى إعطاء الاعتبار للجهات التي تمول المسابقات الكروية التي تجري تحت إشرافها، وقد أفرز رضوخ الاتحاد الدولي لكرة القدم لأصحاب المال إلى ظهور مرض التلاعب في المباريات ويكفي أن نذكر هنا تواطؤ ألمانيا والنمسا على الجزائر في مونديال 1982 في اسبانيا لقطع الطريق عليها للمرور إلى الدور الثاني، والسيناريو نفسه تكرر مع المغرب في نهائيات كأس العالم 1998 بفرنسا عندما راح ضحية توجيه نتيجة مباراة البرازيل والنرويج .
وكيفما كانت التسمية أو الصيغة التي جاء بها التحكم في نتيجة لكرة القدم فانه يظل تلاعبا .
ظاهرة التلاعب في مباريات كرة القدم أصبح التصدي إليها على المستوى الوطني في غاية الصعوبة عندما أخذت الصبغة العالمية، لكن إذا نظرنا إلى الظاهرة المرضية بمثابة داء مخرب للجسم الرياضي المغربي فإن النظرة ستتغير وستصبح مسألة وطنية، والمواطن المغربي سواء كان مسيرا أو لاعبا أو مدربا أو مشجعا ليس في حاجة إلى تشريح للظاهرة، وقدرته كبيرة للتصدي لها لإعطاء درس جديد في الوطنية لكل الدول التي نتنافس معها لتأكيد حضورنا الكروي قاريا وعربيا ثم عالميا .