غالبا ما يصادف المعاق تلك النظرة القاسية التي ينظر بها المجتمع إليه، فهي إما نظرة دونية أو شفقة وفي أفضل الحالات لامبالاة تجعل منهم كائنات منبوذة غير مرغوب فيها، في بعض الأحيان، حتى داخل الأسرة نفسها التي تصاب بصدمة حين تكتشف أن مولودها هو طفل معاق ذهنيا
لأن المعاق ذهنيا أو الطفل المصاب بالتثلت الصبغي 21 هو قبل كل شيء إنسان له من القدرات الذهنية ما ينبغي تنميتها ومتابعتها للمزيد من تطويرها، ولا يحتاج أكثر من ذلك التواصل الإنساني مع الأشخاص الآخرين وخاصة الأطفال مثلهم حتى تتطور إمكانياتهم وقدراتهم الفكرية.
منذ تأسيسها سنة 1991، لم يكن للجمعية غير مهمة واحدة هي رعاية الأطفال المعاقين ذهنيا، بهدف إدماجهم اجتماعيا ومهنيا وجعل منهم أشخاص مستقلون ذاتيا غير تابعين أو متعبين لأحد.
وكانت البداية بـ 5 أطفال، عرف أباؤهم أنهم بحاجة إلى رعاية في مجتمع عاد "كانت الظروف جد صعبة في البداية، فالمدرسة العمومية مقفلة في وجههم، وفي الوقت الذي طرقنا باب 30 مدرسة خاصة لم تقبل منهما إلا واحدة فصادفتنا بالتالي مشاكل مادية، لكن إرادتنا كانت قوية وكان يحذونا أمل كبير في خلق الجو المعتاد للأطفال فساعدنا المدرسة على فتح قسم يحتضن الأطفال الخمسة"، تقول نائبة رئيسة الجمعية صباح زمامة التي كرست حياتها لخدمة ورعاية هؤلاء الأطفال بعد إجازة في علوم التربية
وهكذا انطلق العمل بتأن بالنسبة لهذه الجمعية الفتية حتى تضمن مراعاة للأطفال بمقاييس تخدمهم متعارف عليها.
وعلى المستوى الوطني أصبحنا نموذجا يحتذى في مجال التكفل بالأطفال المعاقين ذهنيا، فانتقل العدد إلى 8، لتهتم اليوم أي سنة 2006 بـ 100 طفل من مختلف المستويات.
هذه السنة التي تعرف خلق مصلحة الرعاية المبكرة -أي منذ الولادة- بمساعدة الأباء أولا، وتشرح المسؤولة هذا الأمر : "لقد أردنا بذلك الاهتمام بالحالات النفسية للأباء وتهييئهم لاستقبال ورعاية أطفالهم دون ترك فرصة تأثير الصدمة عليهم، والأمر يتعلق بربط العلاقة بين الطفل ووالديه .
على الأباء أن يعوا دورهم في داخل المحيط العائلي الملائم, لقد لاحظنا أن الطفل في سنه الرابعة وهو مازال لا يعرف شيئا في غياب الاهتمام النفسي لوالديه به، لذا اعتبرنا أن بداية الرعاية يجب أن تنطلق مع السن الثالثة من العمر، وهذا ما دفعنا إلى الاهتمام بهم منذ سن مبكرة لأنهم يحتاجون إلى عمل جاد حتى لاتزداد الإعاقة استفحالا وتطورا" .
وتراهن الجمعية الوطنية للأطفال غير المندمجين على التمدرس كأساس لاكتساب الكثير من المقومات التي من شأنها مساعدته على حياة عادية .
وهذا الأمر يتم حسب رغبة الآباء إما في مدرسة عادية، لكن تقوم الجمعية بتتبع الطفل في مدرسته وتقديم الحلول لكل ما يمكن أن يتعثر به خلال هذه المرحلة من تعليمه.
ويتم هذا التعليم على مرحلتين : "التهييء الذي يحظى بمعاملة جد خاصة لصعوبة تحقيق اندماجهم كليا في حياة عادية، إذ يبدو من الصعب وضعهم في المجتمع بشكل تلقائي فهم بحاجة إلى تعلم مبادئ النظافة اعتمادا على أنفسهم.
ثم هناك مرحلة مابين 6 و10 سنوات التي تتطلب جهدا لتعويدهم على الاستقلالية الذاتية من اعتناء بنظافته وصحته وهندامه.
كما يتعلم هنا مبادئ التعامل مع المجتمع والتربية على الاستقلالية الاجتماعية والتغذية والملبس" .
التمدرس هو الأساس
يسهر على تربية ورعاية هؤلاء الأطفال 100 شخص من متخصصين وتربويين ومعالجين رياضيين منهم 40 موظفا و9 متطوعين يشكلون المكتب المسير للجمعية، ويقومون بكل الأنشطة التي تساعد الأطفال على راحتهم وراحة آبائهم "لكننا نريد دائما أن نبقي هؤلاء في الوسط العادي الذي يخص حتى الأسوياء، لذا نلح على أن تكون لهم أقسام مدمجة في المدارس العادية.
لكن مع الأسف ما زلنا لانتوفر في هذه الأقسام على الأدوات التربوية الخاصة لمثل هذه الحالات.
والذي يخفى على الكثير من الناس هو أن لكل طفل من هؤلاء مشروعه الخاص في التربية حسب مؤهلاته وقدراته الذهنية،التي تؤهله للإندماج في مستوى معين يعني أننا نبحث في الطفل عما يجيده ويتقن القيام به حتى نطوره ولا يهمنا ما لا يجيده أو لا يستطيع القيام به".
بعد 14 سنة من التواجد لم تجد الجمعية بعد جوابا عن الإدماج المدرسي الذي تطمح إليه في المدارس العمومية "فإدماجهم هو الذي يتيح تعاملهم مع الأسوياء، وشعورهم بالمساواة مع أقرانهم من التلاميذ".
وتواصل الجمعية مشوارها الدراسي مع هؤلاء لإعدادهم مهنيا "فقد التحق منهم بمراكز التكوين المهني 33 شابا ما بين 14 و18 سنة، نجد اليوم أنهم استطاعوا أن يحققوا بعض الاستقلالية الذاتية ومستعدين لمباشرة حياتهم المهنية بكل نجاح.
لكن هناك من لهم صعوبات وهم من نعمل معهم بتركيز أكبر حتى يتم تأهيلهم مهنيا بشكل أفضل" توضح صباح زمامة مشيرة إلى أن مجال تخصص هؤلاء في التكوين المهني يهم الجلد والحذاء والحلاقة والفندقة.
إلا أن الجمعية تسعى إلى توسيع هذه الاختصاصات بحسب إمكانيات وقدرات هؤلاء الأطفال الفكرية.
واستطاعت الجمعية هذه السنة أيضا أن تنطلق في تجربة جديدة, فبعد أن كانت تعتمد في إعداد وجباتها الخاصة بالمتمدرسين على جهات خارجية، فقد أعدت مطبخا خاصا بالمركز يشرف عليه أشخاص معاقون تأهلوا في هذا المجال، ليعدوا الوجبات للأطفال وإن كانوا يتقاضون راتبا رمزيا.
وقد أبانت هذه التجربة المهمة عن أنهم كانت فقط تنقصهم الفرصة للعمل "إننا نريد أن تقتضي ببعض التجارب الدولية كفرنسا مثلا التي تخصص أنواعا من المهن للمعاقين فقط مثل تلفيف أو إلصاق الطرود البريدية، وهذا ما يجب أن يقوم به المغرب أيضا لصالح هذه الفئة من المعوقين".
ويظل هذا الاهتمام متواصلا من قبل الجمعية حيث يحظى كل الأطفال برعاية وتكفل متخصصين من صغرهم إلى كبرهم وحتى أثناء الشغل "هناك ساعات خاصة لهذه الرعاية حتى نحافظ على توازنهم وتنمية مداركهم لأن نموهم لا يتوقف ويجب متابعته سنة بعد أخرى.
وهكذا فالجمعية تتحمل مسؤولية متابعة كل التطورات وعلى جميع المستويات"
وللجمعية مصلحة استماع وإرشاد تستقبل العائلات المعنية تخضعهم لحصص نفسية وتوجههم للتعامل مع أطفالهم بشكل سليم وصحيح.
تنظم الجمعية الوطنية لغير المندمجين مدرسيا "أناييس"، لفائدة الأشخاص المعاقين ذهنيا، حفلا ساهرا للموسيقى الأندلسية بمشاركة جوق البريهي، وألمع العازفين على الصعيد الوطني
وينشط هذا الحفل الفكاهي سعيد الناصري، وذلك يوم الجمعة 10 مارس ابتداء من الساعة التاسعة صباحا بمنزل السيد ادريس المسفر الكائن بشارع المنظر العام رقم 540 الدارالبيضاء.
وعلى الراغبين في حضور هذا الحفل الخيري الذي يعود ريعه لفائدة الأطفال المعاقين وذوي التثلت الصبغي 21، طلب التذاكر من مقر الجمعية : 27، زنقة حجاج ابن أرتعة الدارالبيضاء الهاتف : 022491788 الفاكس : 022277037 العنوان الالكتروني : [email protected] الموقع الالكتروني : www.anais-maroc.org كما يمكن الحجز على الأرقام الهاتفية التالية : السيدة بنزاكور : 061833845 أو 064207099 كتابة الدكتور التيال : 022300009 السيدة زمامة : 060238999
وتعتمد الجمعية في تكوينها على عدد من الأنشطة الموازية مثل الرسم والمسرح والرقص والجيدو والعدو، والسباحة التي يمارسها الجميع لأن عبرها يكتشف الأطفال ذواتهم، كما تنظم الجمعية لفائدة أطفالها خرجات وتشركهم في مخيمات صيفية
وقد استطاع أبناء الجمعية أن يحققوا نتائج جد مهمة في كل المنافسات الرياضية منها الألعاب الأولمبية الأخيرة للمعاقين حيث مثلوا المغرب تمثيلا مشرفا وحصلوا على عدد من الميداليات في السباحة والعدو وكرة الطاولة.
إمكانيات غير كافية وطموح كبير
تعاني الجمعية رغم كل المجهودات المبذولة والنتائج المحققة من خصاص في الكثير من الأدوات والتجهيزات الخاصة.
فموارده جد محدودة "لقد حددت الجمعية واجب التمدرس في 1900 درهم، لكن هناك حوالي 35 طفلا يؤدون 10 دراهم رمزية نظرا لظروف عائلاتهم المزرية جدا و22 منهم تؤدي عنهم التعاضديات فتبقى نسبة 20٪ للآباء من ذوي الإمكانيات المادية الميسوري الحال وهم من يؤدوا واجب 1900 درهم" غير أنه ينبغي التذكير أن كل الأطفال ودون استثناء يحظون بدعم الجمعية المادي، لأن كل طفل يكلف الجمعية 2900 درهم في حين لا يتجاوز الواجب الشهري 1900 درهم.
أما موارد الجمعية فهي مداخيل كل الحفلات الخيرية التي تنظمها، بالإضافة إلى بطاقات تهاني يصنعها الأطفال بأنفسهم وبعض الهبات من المحسنين.
لكن المعيقات تبقى أكبر، خاصة بالنسبة للأسر الضعيفة الحال، "وينتابنا قلق وتخوف كبيران من أن نجد أنفسنا ذات يوم دون موارد وبالتالي يتوقف عمل الجمعية لأنه لا يمكننا ضمان استمرارية الهبات والمساعدات من قبل الخواص.
فوحدها رواتب الموظفين تأخذ 80٪ من ميزانيتنا، وهذه تكلفة جد باهضة ومع كل ذلك نسعى إلى أن يكون عملنا مطبوعا بالكثير من الشفافية بحيث تخضع المؤسسة إلى افتحاصات وخبرات مادية وتربوية كل سنة، هذه الخبرة التي تثبت دائما احترامنا للقانون ولمعايير الكفاءة التي يجب أن تشتغل بها مثل هذه المؤسسات حتى يطمئن لنا المنخرطون والواهبون والآباء.
وهذا هو مصدر افتخارنا حتى الآن "تشرح نائبة رئيسة الجمعية مع إصرارها على أن هذه الاستمرارية لا يمكن أن تتحقق إلا باستمرارية الموارد التي وحدها الدولة قادرة على ضمانها والقطاعات المعنية.
ويبقى مشكل التكوين للمكونين والتربويين أكبر عائق أمام رهان نجاح مشروع تمدرس وتأهيل المعاقين ذهنيا".
فضاء "أناييس" ببوسكورة
من مشاريع الجمعية إنشاء فضاء "أناييس" ببوسكورة والذي سيقام على حوالي 7000 متر مربع سيكون مشروعا خاصا بالأطفال من 14 إلى 18 سنة "هذا المشروع من شأنه أن يوسع من اختصاصاتنا ومن القدرة الاستيعابية لمؤسستنا التي تعمل اليوم فقط بـ 5 أقسام يضم كل واحد 6 أطفال لذا نحتاج اليوم إلى فضاء ملائم يستجيب أكثر لحاجيات هؤلاء الأطفال" والهدف من المشروع هو التكفل بحوالي 300 طفل لكنه يحتاج إلى دعم الكثير من الشركاء حتى يرى النور.
"وسيكون هذا المشروع أيضا بمثابة مركز المساعدة بالشغل ينهل من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال، حيث سيكون من مهامه توفير إطار ملائم لاندماجهم المنشود مهنيا بالخصوص"، كما من شأنه أن يتيح فرصة توسيع التخصصات حسب قدرات المعاقين فكريا.
ولإنجاح هذا المشروع تهيب الجمعية بكل القطاعات المعنية وكل الشركات المهتمة أن تساهم في تمويل هذا الفضاء الذي يجعل من المعاقين ذهنيا أشخاصا قادرين على التحدي والصمود أو العيش بكرامة في جو من المساواة وتكافؤ فرص العمل بدل اعتمادهم على الغير وانتظارهم الشفقة والإحسان.
كما تريد الجمعية الفضاء مركزا متعدد الاختصاصات يستقبل الرضع والأطفال والمراهقين والبالغين، فضاء للتعليم والتكوين والمعالجة النفسية وللشغل.
باختصار تريده فضاء للاعتماد على النفس و لتحقيق معنى ذاتيا لهذه الحياة
تعقد الجمعية جمعها العام كل سنة، وكل سنتين تنتخب مكتبها المسير من 9 أعضاء يشكلون فريقا من الأطباء والمتخصصين الذين لا يبخلون بجهدهم المادي والمعنوي على تقديم كل الدعم والمساعدة الطبية والتربوية لهذه الشريحة من الأطفال ".
وبالفعل فالنتيجة التي حققناها منذ التأسيس حتى اليوم تبدو سارة ومشجعة بالنسبة للبالغين الذين كانوا أطفالا قبل 14 سنة وتكفلت بهم الجمعية انطلاقا من هم واحد هو تربية الطفل المعاق ذهنيا وضمان اندماج عائلي ومدرسي ومهني سليم له في هذا المجتمع .
فقد توصل 14 بالغا اليوم من بلوغ مستوى جيد من الاستقلالية والنمو والخروج إلى المجتمع بشكل جد عادي ومتميز بفضل المتابعة الدائمة لهم"، تقول صباح زمامة مشيدة بتفاني عمل كل الأعضاء وعلى رأسهم رئيسة الجمعية زينب العراقي الحسيني، فأغلبيتهم من المتطوعين من أباء أو أصدقاء عائلات الأطفال المعاقين ذهنيا.