حياتنا النفسية

الاكتئاب وأسبابه بين النظرية والاستنتاج

الأربعاء 22 فبراير 2006 - 14:25
الاكتئاب مرض العصر

نشعر جميعاً في فترات متفرقة من حياتنا بنوبات من الحزن والهم، إما نتيجة وقوع أحداث شخصية مؤسفة، أو من جراء تعرضنا لإحباطات شديدة، أو بسبب فقداننا لشيء أو شخص عزيز علينا، ورغم أن هذا الشعور هو شعور إنساني طبيعي، إلا أنه إذا ما تسبب في إحداث اضطراب عميق في ق

هذه التفرقة بين الشعور الطبيعي بالحزن والهم وبين الشعور المرضي، تعتبر محورا أساسيا في الممارسات اليومية للطب النفسي، والذي يطلق صفة الاكتئاب السريري أو الإكلينيكي (Clinical Depression) على الشعور الاكتئابي المرضي، مقارنة بالاكتئاب الطبيعي.

ويحتل الاكتئاب المرضي مكانة خاصة بين الأمراض النفسية المختلفة، بسبب انتشاره الواسع بين أفراد الجنس البشري، حيث يقدر أن 16٪ من البشر سيصابون في فترة من فترات حياتهم بالاكتئاب المرضي، وهو ما يمكن ترجمته إلى الملايين، وربما عشرات الملايين من البشر المصابين بالاكتئاب.

وتختلف نسبة انتشار الاكتئاب بين المجتمعات، وتتباين أيضا حسب الجنس والفئة العمرية، ففي الولايات المتحدة مثلا، وحسب الإحصائيات الصادرة عن المعهد القومي للصحة العقلية، نجد أن الاكتئاب يصيب 6,5٪ من النساء الأميركيات، بينما لا تتعدى نسبته بين الرجال الأميركيين 3,3٪، أما في كندا، فيعاني 5٪ من السكان من الاكتئاب المرضي.

وفي بريطانيا يصاب شخص واحد من بين كل خمسة أشخاص بالاكتئاب المرضي في مرحلة ما من حياته، وهو ما يكلف الاقتصاد البريطاني مليارات الجنيهات سنوياً، في شكل أيام عمل ضائعة ونفقات علاج ورعاية طبية وتعويضات من الضمان الاجتماعي، ولكن على الرغم من هذا الانتشار الواسع للإصابة بالاكتئاب المرضي، فلا زال الطب الحديث عاجزا عن تحديد سبب مباشر خلف تلك الإصابات.

وما يتوفر لنا حاليا لا يزيد على قائمة من العوامل والظروف، يعتقد بوجود علاقة بينها وبين الاكتئاب المرضي، فمثلا يعتقد البعض بوجود عامل وراثي خلف الإصابة بالاكتئاب المرضي، وهو ما يعني أن هذا الاعتلال قد يصيب أحيانا عدة أجيال من نفس العائلة، أما البعض الآخر فيؤمن بأن الإصابة بالاكتئاب المرضي، هي نتيجة اختلال في توازن المواد الكيميائية Neurotransmitters المسؤولة عن التواصل والتخاطب بين الخلايا العصبية في المخ .

هذه النظرية الأخيرة هي الأساس خلف الكثير من العقاقير الحديثة المضادة للاكتئاب، والتي تهدف جميعها إلى زيادة كمية الموصلات العصبية الكيميائية مثل مادة السيروتنين، ويلقي جزء من هذا الفريق باللوم على مادة أخرى، هي هرمون الميلاتونين، الذي يزداد إفرازه من الجسم في أثناء ساعات الليل، ويدعم هؤلاء نظريتهم بأن حالة الاكتئاب المعروفة بالاختلال العاطفي الفصلي، (seasonal affective disorder) تزداد معدلاتها بشكل واضح في أثناء فصل الشتاء، حيث تقصر ساعات النهار وتقل كمية الضوء الطبيعي الذي يتعرض له الشخص في اليوم الواحد، وبالفعل أثبتت الدراسات والممارسات العيادية أن هؤلاء المرضى يمكن تخفيف حدة أعراض مرضهم بشكل ملحوظ، من خلال تعريضهم لضوء قوي لعدة ساعات، فيما يعرف بالعلاج بالضوء .(Phototherapy) .

وبخلاف الأسباب الوراثية والكيميائية للاكتئاب المرضي، يلقي البعض باللوم على الإصابة بأمراض أخرى يكون الاكتئاب مصاحبا لها، أو على شرب الكحوليات وتعاطي المخدرات، أو حتى على الحياة مع شخص آخر مصاب بالاكتئاب، هذه القائمة الطويلة من النظريات الساعية لتفسير سبب الإصابة بالاكتئاب، والتي يحمل كل منها في طياته جزءا من الحقيقة، تدفعنا للاستنتاج بأن الكثير من حالات الاكتئاب، ربما كان لا ينتج عن سبب واحد بعينه، بل الأرجح كونه عملية نفسية بالغة التعقيد، كما هو الحال مع بقية العمليات العقلية والحالات النفسية الإنسانية التي لا يمكن ردها إلى سبب واحد فقط.

فمثلا قد يصيب الاكتئاب البعض نتيجة وجود ميل وراثي أو اختلال جيني بين أفراد العائلة، بينما قد يصيب آخرين بسبب وجود اختلال في السيروتنين أو الميلاتونين أو خلافه، وربما أيضا أن يكون الاكتئاب المرضي هو نتاج تضافر مجموعة من العوامل المختلفة. ومما يزيد الأمر تعقيدا، تواتر الأبحاث والدراسات، التي يكشف بعضها عن عوامل وظروف جديدة خارج القائمة المعتادة، تؤثر في الحالة المزاجية النفسية، وتؤدي أحيانا إلى الإصابة بالاكتئاب، وآخر تلك الدراسات، ربما كان التقرير المعروف بتغذية العقول، (feeding minds) الصادر عن مؤسسة الصحة العقلية البريطانية الخيرية.

وملخص هذا التقرير، هو أن التغيرات التي طرأت خلال الخمسة عقود الأخيرة على طرق إنتاج الغذاء، والمترافقة مع تغيرات مماثلة في أنواع وكميات الأغذية التي أصبح يستهلكها إنسان العصر الحديث، أصبحت تلعب دورا أساسيا في الزيادة الملحوظة في معدلات انتشار الأمراض النفسية، مثل الاكتئاب وخلافه، فمثلا يمكن تفسير زيادة معدلات الإصابة بالاكتئاب، على أنها نتيجة لانخفاض ما أصبحنا نتناوله من أسماك، بما تحتويه من أحماض دهنية omega-3 وهي ضرورية لصحة المخ وقدرته على أداء وظائفه بشكل سليم متوازن.

أما الشيزوفرينيا أو انفصام الشخصية، فتظهر الإحصائيات الوبائية حدوث انخفاض في الأحماض الدهنية غير المشبعة بين المصابين بها، بينما تظهر دراسات أخرى، أن تناول غذاء غني بالخضروات، ربما قد يحقق قدرا من الوقاية ضد مرض الزهايمر، أما لدى الأطفال، فيعتقد الباحثون بوجود علاقة بين مرض فقدان التركيز المصاحب بالنشاط الزائد ADHD وبين انخفاض تركيز الحديد والأحماض الدهنية في أجسام هؤلاء الأطفال.

ولا زالت تتواتر الدراسات والأبحاث العلمية في الدوريات الطبية، التي يربط كل منها بين الاكتئاب والاعتلالات النفسية العقلية، وبين طائفة واسعة من الأسباب والمسببات، وهو ما يجعل البحث عن سبب واحد خلف تفسير إصابة الملايين حول العالم حاليا بالاكتئاب الإكلينيكي، هدفا صعب التحقيق، ويفرض علينا مقاربة الاكتئاب على أنه حالة مركبة بالغة التعقيد، بقدر تعقيد المخ البشري وتراكب النفس الإنسانية ذاتها.




تابعونا على فيسبوك