يبدو أن الأيام القليلة المقبلة ستعرف عملية شد الحبل بين وزارة التعليم العالي والطلبة، إلى درجة أن إمكانية استحضار سيناريوهات التصعيد التي سبقت العطلة من الممكن أن تتكرر.
وقد تأخذ منحى آخر مع نهاية فترة الهدنة، وهذا ما يمكن أن يستشف من خلال العديد من التحركات التي تقوم بها بعض الفصائل الطلابية في مختلف جامعات المغرب، وكانت آخر هذه التسخينات قيام منظمة التجديد الطلابي بصياغة مذكرة مطلبية بعثت بها إلى وزارة التعليم العالي، تناولت فيها جملة من المطالب الملحة التي ترى أنها بإمكانها أن تحد من الغليان الذي تعرفه الجامعات، وأكدت في سياق ذلك، بضرورة دمقرطة الهياكل الجامعية بالانتخاب الحر لجميع المسؤولين والتدبير المستقل للقرارات والسياسة العامة للجامعة،.
وطالبت في الآن نفسه بإطلاق سراح جميع الطلبة المعتقلين وتوفير ضمانات ضد ما يمكن أن يفضي إلى الاعتقال في الأوساط الطلابية، وذلك بالحد من كل ما من شأنه أن يحد من حريات الطلبة في ممارسة حقوقهم المشروعة، وطالبت المنظمة بضرورة حماية الجامعة من الفساد الذي أصبح يتفشى بشكل جلي في أوصالها، وذلك بمحاربة الغش في الامتحانات والمحسوبية والزبونية والرشوة واستغلال النفوذ وما أصبحت أيضا تطفح به عدد من الجامعات من سلوكات منافية للأخلاق من خلال بروز التحرش الجنسي كمقابل في بعض حالات التنافي، وأجمع لـ "الصحراء المغربية" مجموعة من الطلبة، أنه لا حل لمواجهة هذه المشاكل بدون فتح حوار جدي بين إدارة الجامعة والتشكيلات الطلابية، وأبرزوا أن دخول المسؤولين في مثل هذه المبادرات من شأنه أن يجنب الجامعات المغربية مشاكل المقاطعة والإضرابات التي تضر بشكل كبير بالسير العادي للتعليم الجامعي، وتؤثر سلبا على سمعة الجامعة كمؤسسة للتتلمذ والتهذيب والتأهيل، كما اعتبروا أن تعويد الطلبة على تقبل الحوار ومقاربة مشاكلهم والجلوس على الطاولة من شأنه أن يكرس لثقافة تدبير الاختلاف لديهم، ويجعلهم أكثر إقبالا على مثل هذه الصيغ الحضارية في تبديد مشاكلهم وما يرونه يعوق مسارهم التعليمي، ورجع محدثونا إلى مسألة تخليق التسيير في الجامعات، مؤكدين أنه في السنوات الأخيرة بدأت ظواهر لا أخلاقية تمس أطقم الإدارة وهيئة التدريس وتجعلهم يساهمون في تخريب غير معلن للجامعة وإخراجها من مستواها القيمي، ودعوا إلى مواجهة هذه الأورام السرطانية بتشديد المراقبة وإحداث تجديد في الهياكل الإدارية حتى لا يطالها الركود.
أما في جانب التدريس فأكد محدثونا أن طغيان الجانب المادي لدى بعض الأساتذة يجعلهم يجنحون إلى الابتزاز والضغط على الطالب للإدغان إلى مطالبهم، ولخصوا ذلك في عملية شراء المطبوعات الخاصة بهم بالرغم من افتقاد بعضها للمعايير المطلوبة وعدم استيفائها للخاصيات التي تطرحها الامتحانات.
ومن جهتها اعتبرت سليمة العواني (طالبة)، "أن الجامعة المغربية فقدت حيويتها باعتبارها كانت مشتلا حقيقيا للمواهب في مختلف المجالات الرياضية والثقافية والفنية والعلمية، لكن سرعان ما خاب نجمها وأصبحت عديمة الفائدة"، مبرزة في الوقت ذاته الوضعية المزرية لعدد من الأحياء الجامعية التي تتطلب التدخل العاجل من أجل إنقاذها من البؤس الذي تعيشه، وذكر خالد سينوح (طالب مجاز) في السياق ذاته بضعف التغذية في الأحياء الجامعية والتي كثيرا ما تسببت في أمراض جانبية وأخرى حادة نتيجة التسمم، ولم يفت محدثنا الفرصة بدون التذكير بالأخطار المحدقة بالطلبة في محيط الجامعات، بسبب تواجد بعضها في أماكن بعيدة عن المناطق الآهلة بالسكان، مما يساهم بشكل كبير في تكاثر العصابات وقطاع الطرق، الذين يجدون في الطلبة والطالبات على وجه الخصوص طعمهم السائغ.
ورجوعا إلى المذكرة التي طرحنا بعضا من نقطها، من المنتظر أن تعقد منظمة التجديد الطلابي، ندوة صحفية في الأيام القليلة لشرح مضامينها وحيثياتها باعتبارها المحور النضالي لهذا الفصيل الطلابي في الأيام القادمة، في انتظار ما ستخرج به الفصائل الأخرى من حركات احتجاجية وتحسيسية بالمشاكل التي تهدد الجامعة المغربية.
إن المساهمة في حل المشاكل العالقة وتهيئ الأجواء المناسبة للتحصيل الجامعي ولتطبيق الإصلاح وتذليل صعوباته، مسؤولية حكومية بالدرجة الأولى، وأي استخفاف بهذه المسؤولية أو تخل عنها أو مماطلة في أخذها مأخذ الجد، لا يمكنه إلا أن يكون على حساب الرهانات الكبرى للوطن، واجتيازها بنجاح في كل محطاتها واستحقاقاتها، وهو ما تبدو مؤشراته السلبية في الأفق بهذه المراكمة للسخط والتذمر والارتباك والارتجال وضعف أداء المنظومة التربوية والتكوينية وتوالي حالات الفشل في تطبيق الإصلاح الجامعي بشقيه الإداري والتربوي، الأمر الذي يفتح الباب على مساءلة الحكومة عن معنى إصرارها على المضي في طريق سد الآذان وإغماض العيون علي ما يجري في جامعاتنا من تعطيل للتحصيل وإجهاض متواصل للحياة العلمية الجامعية في زمن إصلاح منظومة التربية والتكوين.