شباب الجيل الحالي والبحث عن الذات

الأربعاء 08 فبراير 2006 - 13:16

يبدو للبعض أن هناك صراعا جليا بين شباب اليوم والجيل الثاني، الذين هم آباء أو أولياء أمور الجيل الحالي، باعتبار أن هذا الأخير متهور وفاقد لانتمائه وغير مبال ويتميز بالعند الزائد، ولا يعتبر القدوة، والأخذ بتجارب من سبقه ضرورة حياتية، فجيل اليوم، حسب منتقديه

ومع أن طبيعة هذا الاستثناء والتضاد طبيعي باعتبار أن إيقاع الحياة لدى الأجيال يختلف، فالوتيرة التي كانت تسير عليها أنماط الحياة في الماضي ليست كاليوم، حيث السرعة على أشدها ووسائل التواصل أكثر إبهارا وإغراء إلى درجة تيهان جيل الحاضر في دوامة البحث عن النمط الجدير بالإتباع، في ظل التنوع، والذي لم يكن متاحا في السابق حيث التواصل شفاهي أو كتابي والمواصلات بطيئة ولا تسمح بالتباعد، مما يجعل الأسرة الواحدة تلتئم وتعيش قنوعة بما يحيط بها من موارد العيش.

إن أول شيء يثير انتباه جيل السلف في شباب اليوم، أنه يفتقد لخاصية احترام من هو أكبر منه، ويرجع البعض سبب هذا التواري للاحترام لدى البعض، إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة التي تعيش عليها معظم أسر اليوم، حيث يضطر الآباء والأمهات على حد سواء الى الاشتغال لساعات طوال لتوفير لقمة العيش لأبنائهم، وهذا التباعد والغياب المستمر عن حضن الأسرة، يجعل الأبناء يعانون من عوز تربوي ونقص في المتابعة المستمرة ويرتمون جراء ذلك في غياهب سلوكات ضارة ورذائل مضرة.

أما البعض الآخر فيرى أن مسألة ضبط العديد من الأسر لنسلهم، جعلهم يغيرون طريقة تعاملهم مع أبنائهم، فمن الصرامة والتوبيخ والإذعان للأوامر، إلى النقاش والحوار والتفاهم وتنازل الآباء في بعض الأحيان، لصالح إرضاء ابنهم أو ابنتهم أو كلاهما، خصوصا أن حجم الأسرة الحالية لا يكاد يتعدى خمسة أفراد أو ستة، الشيء الذي ساهم في توزيع الآباء لوافر المحبة والأحاسيس على أبنائهم المعدودين، وهذا ما يجعل البعض من الأبناء يتعاملون مع هذا المعطى (غير آبهين) بشكل عكسي، حيث تبرز فيهم سلوكات غير سوية في بعض الأحيان وهي نتيجة طبيعية »للفشوش«، الذي قد يؤدي إلى إحداث اضطرابات نفسية لدى بعض شباب اليوم يدفعه إلى التعاطي للمخدرات كوسيلة هروبية أو دفاعية، أو يجعل بعضا آخر منه، مرتبطا مشيميا مع الأسرة، يعول عليها في كل حركاته وسكناته إلى درجة فقدان هذا الأخير لروح المبادرة والانغماس الكلي في الحياة لسبر أغوارها واكتشاف ما بأحشائها، وهذا النوع الآخر من الشباب يكون سلبيا وغير ذي مفعول، فيما هناك نوعية أخرى تحتفظ على جميع الخصال الطيبة التي تربت عليها واستوحتها من فضاء الأسرة.

ومن هنا، فالحديث عن الصراع بين الأجيال، إنما هو نتيجة طبيعية لتغيرات كبرى طرأت على أنماط عيش مجتمعنا، لم نستطع مواكبتها بالإمكانيات المطلوبة والكفايات الضرورية، الشيء الذي ترك المجال سانحا لسيطرة المادة على الروح والجوهر، وبالتالي تغيرت مقاييس الحياة، والمسؤولية هنا لا يتحملها جيل اليوم ولا جيل الآباء، إنما هي مسؤولية للحكومات المتعاقبة في بلادنا التي لم تستطع أن تعطي مدلولا للتغيرات الطبيعية التي طرأت على إيقاع الحياة، وبالتالي تراكمت الأزمات الاقتصادية وتشابكت المشاكل الاجتماعية، وظهرت سلوكات، لا تمت بصلة إلى مجتمعنا منها الحقد والبغض والكراهية والنميمة وغيرها من الخصال الدميمة.

إن طبيعة هذا المنحى التنازلي، ليحتم على مجتمعنا، وضمنهم المؤسسات الأسرية أن تحاول قدر المستطاع إحداث نقد ذاتي، نحو تعزيز الإيجابيات وتجاوز السلبيات، وطرح أسلوب تربوي ومنهجي جديد من شأنه أن يعيد الاعتبار لأفراد الأسرة الواحدة ويجعلهم فاعلين متفاعلين مع كل طارئ أو أي مستجد، وبهذا يمكن لهذا الصراع أن يتحول إلى تواصل وتكامل في صالح أبناء المجتمع الواحد.




تابعونا على فيسبوك