الطبيب المخدر عنصر مهم في غرفة العمليات

الثلاثاء 07 فبراير 2006 - 12:41

توسع علم الطب توسعاً مذهلاً في القرن المنصرم، وظهرت فيه اختصاصات كثيرة، فتفرعت الاختصاصات الكبرى إلى اختصاصات أدق شأنه في ذلك شأن العلوم المعاصرة الأخرى ومنها اختصاص التخدير.

يجهل الكثير من الناس طبيب التخدير واختصاصه، فمنهم من يعرفه حق المعرفة على أنه طبيب يحمل اختصاصاً من اختصاصات الطب الرئيسية والمهمة، وعلى أن مسؤوليته عالية عن حياة المريض أثناء إجراء العملية، ومنهم من يجهل هذا الطبيب تماماً إلى درجة أنه قد يظنه ممرضاً عاديا.
وتعرف معظم الدول العربية نقصا في عدد الأطباء المختصين في التخدير والانعاش ومن انخفاض كفاءة معظمهم، مما يجعل الطبيب الواحد، يتابع أكثر من مريض لأكثر من عملية في آن واحد، مما يزيد من احتمالات المضاعفات وحالات الإهمال.
أما الغرب فقضى على هذه المشكلة من خلال توفير فنيين وممرضين وممرضات للتخدير، يتمتعون بكفاءة عالية يعتمد عليهم طبيب التخدير في المتابعة، خاصة الأجهزة الخاصة بمراقبة الأجهزة الحيوية للجسم.

الطبيب المخدر

ويعتبر الطبيب المخدر، ذلك الطبيب الذي يعمل بصمت، ويتمكن من تنويم المريض دون ألم أثناء إجراء العملية الجراحية.
من مهامه تقييم حالة المريض الصحية وملاءمته لإجراء العملية، وذلك بعد إجراء عدد من الفحوصات السريرية والمخبرية.

ومن المفروض أن يحرص الطبيب المخدر على تقديم شروحات للمريض عن حالته الصحية وملاءمته للعملية، ولنوع التخدير الذي يناسبه وإعطاؤه الخيارات المتاحة إن وجدت، إلى جانب تطمينه وإزالة أسباب القلق والخوف والاضطراب غير المبرر، دون التهوين من المخاطر والمضاعفات المحتملة في حالة وجودها.

ويؤكد الأطباء المختصون في التخدير والإنعاش، أن من مهام طبيب التخدير تحضير المريض للعملية، ويكون ذلك في مساء اليوم السابق للعملية، بإعطاء المريض التعليمات والارشادات الضرورية فيما يخص الطعام والشراب وتناول الأدوية، إذا كان لأمراض أخرى أو لنفس المرض، هذا بالاضافة إلى إعطائه أدوية لازالة القلق والاضطراب.

ويعطي الطبيب التخدير في غرفة العمليات أو في غرفة التخدير المجاورة لغرفة العمليات إن وجدت، مع الحرص على مراقبة المريض طالما هو مخدر، من خلال مراقبة التنفس والنبض وضغط الدم.

وبعد إنهاء الجراح لعمله، يجب على الطبيب المخدر إفاقة المريض من التخدير ومراقبته إلى حين عودة الوعي إليه تماماً، إلى جانب زيارته بعد العملية للاطمئنان على عدم وجود مضاعفات.

جندي الخفاء

بالرغم من المهام والمسؤوليات الجسام التي يتحملها طبيب التخدير قبل وبعد إجراء العملية الجراحية، إلا أنه يبقى عنصرا مستبعدا من ذهن المريض وبعيدا عن عينه، ويعود الأمر حسب مختصين في المجال إلى أسباب عديدة، يعود أهمها إلى طبيعة عمل المخدر، فهو عادة لا يواجه المرضى في عيادته، على العكس مما هو في البلدان المتقدمة التي تتوفر على عيادات لأطباء التخدير، وإنما ينحصر لقاؤه مع المريض في مناسبات محددة.

فالمريض لا يتذكر طبيب التخدير إلا مساء اليوم الذي يسبق العملية الجراحية، أو يوم إجرائها حسب الحالات، على طاولة العملية ومع أن المريض يكون واعياً إلا أنه عادة لا يتذكر منه شيئاً، والمناسبة الثانية، عقب الانتهاء من الجراحة، والفترة ذاتها لا تسمح للمريض بتذكر الطبيب المخدر خصوصا في اللحظات الأولى بعد الإفاقة. ومما يزيد في صعوبة تذكر الطبيب المخدر، زيارته الخاطفة للمريض، إما تقصيراً منه أو لكثرة العمل المطلوب منه.

أنواع التخدير

يعتبر التخدير كما يصفه أطباء التخدير والجراحون، العملية التي من خلالها لا يشعر المريض بالألم ولا يتجاوب بالحركة كرد فعل لأي جرح في جسمه أثناء العمليات الجراحية، وهناك أنواع ووسائل للتخدير.

فمنها " البنج " الكلي الذي يفقد خلاله المريض وعيه تماماً وبصفة مؤقتة، وذلك بإعطائه أدوية تؤثر على نشاط خلايا المخ واليقظة، أو بأدوية تمنع وصول المؤثرات الكهربائية الحاملة للألم من خلال الأعصاب إلى النخاع الشوكي وخلايا المخ، وكذلك باستعمال أدوية أخرى، تحدث شللاً لعضلات الجسم الهيكلية بصفة مؤقتة.

وتوجد هذه الأدوية على شكل حقن وريدية أو عضلية، تمتاز بإمكانية سحبها من الجسم.
و"البنج" النصفي، هو تخدير لنصف الجسم الأسفل أي أسفل الدماغ "الرأس والعنق" من خلال حقن بأدوية في حيز ما حول النخاع الشوكي من خلال ثقب بالأم الجافية، وتعتبر هذه الطريقة أقل ضرراً من الأولى بسبب خروج سوائل النخاع الشوكي مما يقلل من حجم وكمية هذه السوائل.

أما النوع الثالث، فهو "البنج الموضعي"، وهو عبارة عن حقن أدوية في موضع إجراء العملية إذا كانت صغيرة وفي مكان محدود بالجسم وغير نافذة إلى تجويف الجسم، كالأطراف من خلال أدوية مخدرة للأعصاب تقفل أطرافها القنوات الناقلة المترجمة للمواد الكهربائية والمميزة لنوع الحدث.

احتمالات حدوث مضاعفات

يعتبر "البنج" أكبر من مجرد حقنة تعطى للمريض، فالخطأ أو المضاعفات الناجمة عن استخدام البنج ليس هو ما يحاسب عليه طبيب التخدير، وإنما يحاسب على إهماله في المتابعة قبل وبعد إجراء التخدير للمريض، والتي تتمثل في ضرورة التأكد من سلامة المعدات الرئيسية ووجود غاز الأوكسجين وعدم ترك متابعة المريض المخدر.

وتعود الأضرار الجانبية للبنج إلى قيام أعضاء الجسم بعمليات كيمائية بغرض تغيير فاعلية المواد التخديرية، وبالتالي التخلص من تأثيرها تدريجياً من خلال إخراجها عن طريق القنوات المرارية بالكبد أو الكلي من خلال البول أو عن طريق الرئة بواسطة إخراجها أثناء الزفير.

هذا بالإضافة إلى الهبوط الشديد في ضغط الدم والدورة الدموية وعضلة القلب لدرجة تصل لتوقف هذه العضلة نتيجة لعدم انتظام ضرباته، إلى جانب التأثير السلبى للبنج على وظائف الكبد وفسيولوجية خلاياه، وهي سلبيات تظهر بوضوح في الأعمال المتوسطة، أو عند المصابين أساساً بالكلي والكبد وضغط الدم العالي، وقصور الشرايين التاجية الناتجة من الشيخوخة.

ويفيد الأطباء المختصون، أنه نادراً ما يتسرب البنج الموضعي داخل الدورة الدموية، وإن حدث، فيكون ذلك بسبب الحقن الخاطئ داخل الأوعية الدموية أثناء التخدير الموضعى، ومن المضاعفات ظهور حالات حساسية تجاه بعض الأدوية المخدرة، تؤدي إلى تقلص بالشعب الهوائية وضيق شديد بالتنفس يتطلب تدخلاً سريعاً للاسعاف، ويكون أشد تأثيراً في حالات الربو.

وتفيد الحقائق العلمية، أنه إذا كان هناك قصور لاستخدام "البنج"، فذلك يعني إعطاء المريض نوعا غير مناسب من مواد التخدير لأجهزته الحيوية أو لنوع الجراحة ذاتها، فكل عملية لها طريقة تنويم خاصة أثناء إجرائها وترتيبات خاصة للتخدير، خاصة ما يتعلق بضرورة توافر الأوكسجين طوال فترة الجراحة.

تاريخ التخدير الحديث

بدأ العمل بالتخدير منذ قيام الدكتور "وليم جرين مورتون" باستخدام غاز الإثير عام 1846 لإزالة ورم، وشاهد ذلك الجراح "هنري بيجلو" الذي قدمه كحدث للمجتمع الطبي، وفي الأربعينيات استعمل الدكتور سيسمون "الكلورفورم" في عمليات الولادة.

ويعتبر دكتور "جون سنو" أول من استخدم "التخدير" بمعناه الحالي من خلال تخديره لحوالي 1000 مريض بالكلورفورم دون حدوث حالة وفاة واحدة، بل إنه أعطى للملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا شمة كلورفورم حتى تلد بدون ألم.

وقد استخدم قدماء المصريين الخشخاش موضعياً وليس بالحقن كوسيلة للتخدير، فقد أظهرت النقوش الفرعونية المريض مفتوح العينين واعيا، مما يعني أن عملية التخدير لم تكن حسب التعريف الحالي لتخدير فقد الوعي، وعدم الإحساس بالألم وارتخاء العضلات الإرادية. وقام اليونان والرومان بإجراء جراحاتهم تحت تأثير مزيل للآلام، ولكن ليس كتخدير كامل.

وقدم "ابن سينا" أول أنبوبة قصبة هوائية للعالم مصنوعة من الذهب أو الفضة من خلال الهضم بواسطة اصبعه، وذلك لعلاج حالات الاختناق، وفي القرن التاسع قدم العرب الأسفنجة المخدرة وهي عبارة عن اسفنجة مغموسة في مشتقات الموروفين الطبيعية والمواد العطرية ووضعها على أنف المريض، وهو ما يؤكده عودة العالم في الثمانينيات من القرن قبل الماضي، إلى أسلوب التخدير بمشتقات الموروفين المختلفة كأحدث صيحة في هذا المجال.

ومع تأسيس كلية أطباء التخدير الملحقة بالكلية الملكية للجراحين في إنجلترا عام 1947، اعترف بالتخدير كتخصص كامل على قدم المساواة مع العلوم الطبيعية والجراحية الأخرى بعدها بعام فقط.
ويشار إلى أنه منذ عام 1516 وحتى عام 1950، اكتشف العديد من المواد والمركبات الفعالة في التخدير.




تابعونا على فيسبوك