الجاني ارتمى في أحضان الانحراف مبكرا وأدين بثلاثين سنة سجنا نافذا

قتل شقيقه الأكبر بشاقور بعد أن طالبه بنصيبه من الإرث

الأربعاء 16 غشت 2006 - 10:56

عاشت أسرة رشيد أزهى أيامها في بادية نواحي فاس، جلبت لهم الخير والمنافع، نمت الخيرات واستمتع الكل بما جادت عليهم أراضيهم الواسعة من طيب العيش وأرغده.

مرت سنون وتوفي الأب تاركا ابنا بكرا فلاحا شهما وإخوة صغار من زوجة ثانية، كان رشيد أصغرهم، ومع استمرار تحكم أحمد الشقيق البكر في ثروات الأب المتوفى، نمت الضغينة بين الطرفين، لينتهي لهيبها بقتل أحمد ودخول رشيد جدران السجن وبوار ثروة فلاحية ورثوها أبا عن جد.

في حضن تلك العائلة البدوية الثرية، ترعرع رشيد طفلا مدللا مزهوا بنعيم خيرات حباها الله لأسرته، ترعرع خارج جدران المدرسة وأدبيات البيت والأسرة المحافظة، كل ذلك عجل به لأن يرتمي عند مراهقته وطيشه بين مخالب الرذيلة والانحراف، ومع إدمانه على شرب الخمور والتعاطي للمخدرات، لم يكن حينها يجد بدا من اللجوء بمساعدة شقيقه الأوسط مصطفى الذي سار في ركبه باعتماد أساليب الخدع والمكر في تخريب بيت عائلته وسرقة خيراتها.

وبمجرد ما أن فطن أحمد الشقيق الأكبر لمكائد شقيقيه المراهقين، اندلعت بينهما شرارة العداء والكراهية، إذ لم يكن أحمد بما بذله من جهد ومثابرة في الحفاظ على تماسك الأسرة والخيرات والثروة التي تركها له والده، قادرا على أن يترك شقيقيه يفعلان ما يحلو لهما فعله، وعمل كل ما في وسعه في أن يعوض أشقاءه الصغار سلطة أبيهم وهيبته، في الوقت الذي بدأ فيه شقيقاه يعملان في الاتجاه المعاكس لتفجير ذلك التماسك.

كانت البداية حينما أقدم مصطفى وزميل له على اقتراف جريمة قتل في حق أحد الرعاة على خلفية نزاع تافه، كان عمره آنذاك لا يتعدى 16 سنة، قضى 15 سنة سجنا وراء القضبان، قبل أن يطلق سراحه قبل سنوات مضت، حينها وجد شقيقه رشيد يقضي بدوره عقوبة حبسية مدتها ثلاث سنوات، إذ كان اعتقل ضمن عصابة إجرامية اختصت في السرقة والاغتصاب القسري واعتراض سبيل المارة.

دخل الشقيقان عالم الانحراف والإجرام من بابه الواسع، وأمام تمسك الشقيق البكر باحتضان ثروة والدهما والحفاظ عليها من الضياع، ازدادت عداوة الشقيقين المنحرفين ضراوة، مما تسبب في إصابة شقيقة لهما بالصرع والجنون، عندما فاجأها رشيد ليلا عاري الثياب وفي حالة تلبس بسرقة كمية من الحبوب داخل مخزن خاص بذلك.

عاد رشيد بعد ذلك إلى السجن من جديد لارتكابه جريمة في حق غريم له، قضى منها شهورا، قبل أن يفرج عنه من جديد، لم تكن الفترة التي قضاها داخل المؤسسة السجنية كافية لأن يعدل عن فعل ذلك، إذ سرعان ما أن ودع أسوار السجن، فكر جليا في تصفية شقيقه الأكبر الحارس الأمين على ثروة أبيه.

اعتقد أن إقدامه على ذلك سيتيح له الجو المناسب، لأن يتصرف في ممتلكات والده كما يطيب له، إذ كان شديد الإدمان على التعاطي للمخدرات والمشروبات الكحولية وهو الحال نفسه الذي صار عليه شقيقه مصطفى، كانت الرغبة تحذوهما لأن يعملا على تنفيذ عملية اغتيال شقيقهما الأكبر وتنحيته عن ممتلكات كثيرة أسالت لهما لعاب الانتقام للاستمتاع بتلك الثروة، وإنفاقها في ما يحلو لهما.

وهكذا أبدى أحمد معارضته الشديدة لأي تصرف قد يمس ثروة والديه من قبل شقيقيه، طالما أن والدتهما ما زالت على قيد الحياة، وما دام أنه ينفذ وصية أبيه قبل الوفاة بدعم من زوجة أبيه، وكانت زوجته وشقيقتاه يبدين مساندة له في صراعه المرير تجاه شقيقيه.

وشكل الصراع العلني الذي دار بين الطرفين لسنوات حول اقتسام الثروة، سببا في تقهقر ثروتهما وبوارها، إذ لم يعد أحمد يهتم بالمزارع والحقول والأغراس، كما أنه اضطر إلى بيع جزء من قطيع الماشية الذي كان بحوزتهما في سباق ضد الساعة، بينما كان شقيقاه ينفذان بين الفينة والأخرى عمليات سرقة وسطو على تلك الثروة.

اضطر الشقيق الأكبر لأن يمتهن التجارة سعيا منه لتعويض الخسائر التي تعرض لها من جراء تخليه عن استغلال جزء من الأراضي والمغارس التي تركها لشقيقيه من أجل تدبير استغلالها، لم يكن ذلك كافيا إذ لم يكن في وسع الشقيقين بذل أي جهد للحصول على المال.

وأمام ازدياد حدة العداوة بين الإخوة الأعداء، فكر الشقيقان رشيد ومصطفى بجدية في تصفية شقيقهما أحمد، كان الاتفاق على أساس أن رشيد سينفذ عملية القتل ودخول السجن، فيما سيظل مصطفى خارج اللعبة من أجل استحواذه على الثروة واقتسامها في ما بعد مع شقيقه رشيد هكذا كانت خطة الطرفين.

في صيف السنة الماضية، قرر رشيد تنفيذ جريمته، وتحين فرصة توجه شقيقه الأكبر رفقة شقيقة له إلى العزيب، حيث مكمن الثروة الفلاحية، وبينما كان الشقيق الأكبر في طريقه إلى منزل الأبوين التقليدي ممتطيا حصانه، كان رشيد متربصا به عند أكمة معشوشبة وبيديه "شاقور" ومدراة "تبن".

كان الوقت يشير إلى الظهيرة والجو حارا، ولا يبدو أحد من المارة، هكذا اختار رشيد ظرفية تنفيذ عمليته، إذ وجه إلى رأس شقيقه أحمد ضربة "شاقور" حادة أسقطته أرضا، قبل أن ينقض عليه بالمدراة وعمل على إزهاق روحه.

كانت سميرة شقيقته آنذاك تقيم بالمنزل وبينما سمعت صوتا مدويا لأخيها توجهت على وجه السرعة إلى مكان الحادث غير بعيد عن المنزل، فوجدت شقيقها البكر جثة هامدة وسط بركة من الدماء، لم يكن بوسعها آنذاك إلا أن تفر بجلدها، بعدما أبدى شقيقها القاتل رغبته في التخلص منها، وطاردها لمسافات أطول قبل أن تنهار قواها أمام ثلة من المواطنين.

ظل الشقيق القاتل فارا لبضعة أيام، مهددا بتصفية أمه وشقيقتيه وزوجة الضحية، وبينما كان بصدد الهجوم على مسكن أهله، وجد القاتل نفسه محاطا بقوات عمومية وأمنية كانت طوقت منطقة معزولة أربع كيلومترات إلى الجنوب من مدينة تاونات عند موقع الجريمة.

وجرى اعتقاله وإحالته على غرفة الجنايات باستئنافية فاس، التي كانت قضت قبل أسابيع بإدانة المتهم بالسجن بـ 30 سنة سجنا نافذا لاقترافه جريمة قتل في حق شقيقه، ومحاولة قتله ضحايا آخرين ولتورطه في سوابق عدلية، وصدور مذكرة بحث في حقه.




تابعونا على فيسبوك