تواصل غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بآسفي، النظر في قضية الطبيب (محمدك)المتهم بالتسبب في وفاة الضحية كلثوم شكري محسن، المديرة السابقة للمعهد الموسيقي لآسفي، بعد أن خضعت لعملية إجهاض داخل عيادته الخاصة، لفظت على إثرها أنفاسها الأخيرة.
كلثوم سيدة مطلقة منذ سنوات، انفصلت عن زوجها الذي أنجبت منه طفلين، ورفعت ضده دعوى قضائية لعدم الإنفاق حصلت بموجبها على حكم قضائي يقضي بتأدية الزوج لمبلغ مالي، كانت تستعد لتنفيذ مضمون حكمه قبل أيام من وفاتها.
مضت سنوات على طلاقها قضتها كلثوم بين عملها والركض بين ردهات المحاكم لتنفيذ الدعوى ضد طليقها، وقبل أن تحقق ذلك تعرفت على أحد الأشخاص وجمعتها به علاقة حب تحولت إلى علاقة جنسية حميمية.
في أحد الأيام اكتشفت كلثوم أنها حامل في شهرين، فدخلت في صراع مرير بحثا عن حل لهذا المشكل الذي تورطت فيه.
لتجد نفسها وأمام عجز بعض الأعشاب في تخليصها من الحمل، مضطرة إلى التوجه صوب عيادة الطبيب محمد، بحي أعزيب الدرعي بآسفي، وهي عيادة ذائعة الصيت في مجال الإجهاض، حيث وجدت هناك ترحيبا كبيرا أيقنت من خلاله أنها على وشك تحقيق مبتغاها.
بعد فحص سريع واتفاق على مبلغ عملية الإجهاض، حدد في 2000 درهم أخبرت كلثوم بضرورة العودة خلال اليوم الموالي (يوم السبت) ابتداء من الساعة الثانية بعد الزوال.
مباشرة بعد اقتراب الموعد سارعت كلثوم اتجاه عيادة الطبيب محمد، دون أن تدرك أنها تتجه صوب طريق موت محقق، أشرت على عدد من ملامحه، وما إن ولجت العيادة حتى استقبلت من طرف مساعدة الطبيب، و التي بادرت إلى إدخالها نحو غرفة خاصة بعمليات الإجهاض المتتالية التي كانت عيادة الطبيب محمد تشكل مرتعا لها.
حقن الطبيب كلثوم بحقنة مخدرة غابت بموجبها عن الوعي، ثم شرع في إجراء عملية الإجهاض.
وقبل لحظات من اتمام العملية، لاحظ الطبيب ومساعدته تغييرا في الضغط التنفسي لكلثوم، وتأخر في استجابتها للتخلص من وضعية التخدير، إذ ظلت وبالرغم من مرور أزيد من أربع ساعات في وضعية غير مستقرة، ولم تظهر عليها أي من ملامح ما كان الطبيب محمد يعتقده من نجاح عادي لعملية الإجهاض، على غرار عشرات العمليات السابقة
كانت الساعة قد دنت من الثامنة ليلا، أخذ الارتياب والخوف يظهران على ملامح الطبيب ومساعدته، ورغم من محاولاتهما المستمرة لتخليص كلثوم من تأثير المخدر الطبي، إلا أنها ظلت في غيبوبة تامة، تطورت وضعيتها بشكل خطير، مما أرغم الطبيب عد تفكير عميق إلى الاستعانة بسيارة أجرة صغيرة من أجل نقل كلثوم نحو مستشفى محمد الخامس، وكله أمل في أن ينقذها من موت محقق.
لفظت كلثوم أنفاسها الأخيرة لحظات بعد انطلاق سيارة الأجرة، تظاهر الطبيب أمام الممرضة وسائق سيارة الأجرة بأنه يساعدها على التنفس، لكي لا يربكهما وظل يتحدث أمامهما على أن الضحية تدخل في غيبوبة فقط ستزول مباشرة بعض تلقيها للإسعافات الضرورية بمستشفى محمد الخامس.
مباشرة بعد ولوجهم باب المستشفى، وضعت كلثوم فوق سرير الفحوصات المستعجلة، وتفاجأ طبيب المداومة كونها متوفاة، و بالنظر إلى معرفته السابقة بالطبيب محمد، وإدراكه لحقيقة عمليات الإجهاض التي يقوم بها، ساورت شكوك كبيرة حول وفاة الهالكة و مدى ارتباطها بعملية إجهاض، فوجد نفسه مضطرا لإخبار الأجهزة الأمنية التي سارعت إلى الحضور و فتح تحقيق في القضية.
وجد الطبيب نفسه أمام ورطة كبيرة، وظل طيلة فترة وجوده بمستشفى محمد الخامس شاردا مكتفيا و خلال مرات عدة بالتأكيد لمساعدته على ضرورة إخفاء حقيقة عملية الإجهاض والاكتفاء بالتركيز على إخبار المحققين بإصابة الهالكة بالإغماء لحظات فقط من ولوجها إلى عيادته لإجراء فحص عادي، وهو الأمر الذي سارعت مساعدته إلى إبرازه والتأكيد عليه خلال محضر التحقيق الأمني معها، وفي المنحى نفسه سار الطبيب، إذ أبدى أسفه للحادث، مشددا طيلة تصريحاته على أن الهالكة كلثوم كانت قد حلت بعيادته رفقة شخص مجهول طالبة منه خضوعها لفحوصات طبية عادية جراء إحساسها بالتعب، فاستجاب لذلك حسب تصريحاته، قبل أن يفاجأ بسقوطها مغشية عليها، وأمام عجزه عن تخليصها من الإغماء اضطر إلى نقلها إلى المستشفى.
مباشرة بعد الاستماع إليه من طرف عناصر الدائرة الأمنية الخامسة بآسفي رفقة مساعدته، سارع الطبيب محمد إلى العودة إلى عيادته، و كله يقين بتوفقه في إخفاء حقيقة ما جرى، إلا أن انتشار خبر وفاة كلثوم التي كانت تزاول مهمة مديرة المعهد الموسيقي، جعل القسم الجنائي بمصلحة الشرطة القضائية يتدخل للتحقيق في القضية، والعمل على كشف لغز الوفاة المفاجئة لمديرة المعهد الموسيقي
خاصة أن الفحوصات التي أجريت على جثة الضحية، أبانت على أن حقنة التخدير التي حقنت بها قبل العملية، كانت السبب الرئيسي في وفاتها.
انتقلت عناصر الشرطة القضائية إلى عيادة الطبيب، حيث كشفت عن هول العدد الكبير من عمليات الإجهاض التي أجريت هناك، حيث عثر على عشرات الجدادات الخاصة بفتيات ونساء متزوجات كن قد خضعن لعمليات إجهاض من طرف الطبيب المذكور، قبل أن يتفاجأ المحققون بتضمن عدد كبير من الجدادات، لاسم "وسيطة"كانت تشكل المساهمة الأساسية في إحضار عدد من الراغبات في إجراء عمليات الإجهاض إلى العيادة.
أمام هذه المعطيات الجديدة، سارعت عناصر الشرطة القضائية إلى اعتقال جل من دونت أسماؤهن بجدادات الإجهاض، حيث سارعن إلى الاعتراف بحقيقة قيامهن بعمليات إجهاض داخل عيادة الطبيب محمد الذي اعتقل مباشرة بعد أن سارعت مساعدته إلى التراجع عن تصريحاتها السابقة، وكشفها لدى محققي القسم الجنائي عن حقيقة عملية الإجهاض التي خضعت لها الهالكة كلثوم، وجل الظروف المحيطة بتلك العملية التي أدت إلى مصرعها.
وبذلك حل لغز الوفاة تاركا وراءه سيلا من التساؤلات و التأويلات حول الهوية الحقيقية لمن ربطته بكلثوم علاقة غير شرعية أثمرت حملا تسبب في وفاتها، وعجل بالكشف عن هول جرائم إجهاض ظلت عيادة الطبيب محمد بحي اعزيب الدرعي مركزا رئيسيا لها، رغم تمتيع باقي المعتقلات اللواتي كن قد خضعن لعمليات إجهاض بالعيادة المذكورة، بالسراح المؤقت.