هل يمكن وصف بلد ما بأنه مُتقدم، ونعت آخر بأنه مُتخلف استنادا إلي معايير النمو الاقتصادي وحدها؟ كان علينا انتظار صدور "خرافة التقدم والتخلف"، أحدث مؤلفات الاقتصادي المصري الشهير جلال أمين، حتى نطلع على تقييم ممتع، بأسلوب شيق يجمع بين السلاسة والعمق في معرض
جلال أمين، خرافة التقدم والتخلف : العرب والحضارة الغربية في مستهل القرن الواحد والعشرين دار الشروق القاهرة2005. 175 صفحة, والواقع أن الكتاب يثير شكوكا كثيرة في صحة الاعتقاد بفكرة التقدم والتخلف، وفيما إذا كان من الجائز وصف دول أو أمم بأنها "مُتقدمة" وأخرى بأنها "مُتخلفة" أو "مُتأخرة"، صحيح أنه قد تنجح بعض الأمم في تحقيق إنجازات في أمور معينة وتعجز عنها غيرها، ولكن الوصف الشائع لبعض الأمم "بالتقدم"، ولأخرى "بالتخلف"، لا يقترن عادة بتحديد ميدان معين أو ميادين بعينها، بل يطلق بصفة عامة ودون تمييز، وكأن التفوق عام والتخلف في كل شي.
ء
خُصِّص الفصل الأول لبيان أن فكرة التقدم والتخلف، بعكس ما قد يظن، ليست فكرة قديمة، كما أنها ليست بديهية، بل العكس هو الصحيح.
ويتساءل عن السبب في ظهورها وانتشارها، كما يتتبع نشأة وتطور ما يصطلح عليه بالعامية عند الأشقاء في مصر بــ "عقدة الخواجة"، وهي عقدة اقترنت بالاعتقاد بفكرة التقدم والتخلف عند أجيال متتالية من المصريين، وخُصِّص الفصل الثاني للتشكيك في جواز قياس التقدم والتخلف بمقياس اقتصادي بحت وهو التنمية الاقتصادية، وفي اعتبار بعض الأمم أكثر تقدما في مضمار "التنمية الإنسانية" من غيرها (الفصل الثالث).
كما تناول الكتاب ستة ميادين شاع الاعتقاد أن أُمَماً معينة من دون غيرها قد أحرزت فيها تقدما رائعا وإنجازات عظيمة، وهي ميادين الحرية والديمقراطية والنظام الاقتصادي وحقوق الإنسان وثورة المعلومات وعلم الأخلاق.
وهذه محاور توزعت على الفصل الرابع حتى الفصل التاسع, وخُصِّصت الفصول الأخيرة لدحض اتهام بعض الأمم والدول، وعلى الأخص العرب والمسلمين بالإرهاب، (الفصل العاشر)، وللترحال التفكيكي الممتع نحو عالم "التقدم إلى الخلف" (الفصل الحادي عشر)، ثم التفصيل في الفروق المفاهيمية بين "الإصلاح" و"التحديث".
نقد تقديس المستقبل يفتتح جلال أمين عمله، بنقد الاحتفاء المبالغ بدخول العرب القرن الميلادي الجديد (القرن 21)، وقد شملت طقوس "الاحتفاء"، تصريحات السياسيين الذين لا يجدون شيئا يثيرون به الحماسة للعمل والإصلاح أفضل من قولهم بضرورة "تأهيل أنفسنا لاستقبال القرن الجديد، وأننا إن لم نفعل هذا أو ذاك فسنعود أدراجنا إلى القرن التاسع عشر أو حتى إلى العصور الوسطى، بينما يدخل غيرنا القرن الحادي والعشرين بجدارة واستحقاق"، مُلاحظا أنه حتى في تقييم الفنون والآداب ـ وهي التي يفترض أنها لا تخضع لما يخضع له العلم من تقييم موضوعي والمقارنة، بين "التخلف" و"المتقدم" ـ نجد أن من أقوى عبارات الثناء التي يمكن أن تقال في وصف لوحة رسم قديمة، أو إناء من الفخار صنع منذ قرون سحيقة، أو قصيدة شعر قالها شاعر قديم، أن نقول إن هذا أو ذاك "يبدو عصريا بدرجة مدهشة" أي أنه يقترب من نمط رسومنا وفنوننا الحالية بدرجة تدعو إلى الإعجاب، أو أن يقال في مدح هذا العمل الفني أو ذاك بأنه كان "يمهد بدرجة مدهشة لما حدث بعد ذلك من تطور" أو أنه كان "سابقا لعصره".
والحال، وهذه ملاحظة دقيقة للمؤلف، أن مثل هذا التقديس للمستقبل والتسليم الأعمى بفكرة التقدم لا نجدهما بالدرجة نفسها، لدى الكثيرين من البسطاء : بسطاء التعليم وبسطاء الدخل، وهي ظاهرة لا تدل بالمرة على أن هؤلاء هم بالضرورة بُسطاء أيضا في الحكمة، أو أنهم أقل إدراكا "لحقيقة الأشياء".
كل ما هنالك هو أن هؤلاء لم يتعرضوا كما تعرض غيرهم لهذه الجرعات القوية من عقيدة التقدم وتقديس المستقبل واحتقار كل ما هو قديم، بسبب قلة حظهم من التعليم وضعف قدرتهم على متابعة وسائل الإعلام والثقافة الحديثة.
لا يُفهم من كلام الكاتب أنه يدافع بالطبع عن الأمية أو عن انخفاض مستوى التعليم، بقدر ما يلفت النظر إلى ما ينطوي عليه التعليم الحديث من بعض الأفكار المسبقة ومن المسلمات والعقائد التي تغرس في أذهان التلاميذ وكأنها حقائق، ومن بين هذه الأفكار المسبقة ومما يؤخذ كمسلمات وهي مشكوك في صحتها، ويقصد طبعا الاعتقاد بفكرة التقدم .
نقد فلسفة تقارير التنمية أسئلة حرجة، نتعمد صرف النظر عنها تلك التي يثيرها المؤلف في كتابه الرائع، ونقتطف منها الاستفسارات التالية : "أين العلاقة بين كون أمتك أقوى من أمتك عسكريا، أو أكثر رخاء أو أكثر تقدما في العلم والتكنولوجيا، وبين ما إذا كان دينك أقرب إلى الحقيقة من ديني؟ لغتك أرقى أم لغتى؟ أدبك في عصر ازدهاره أجمل أو أقل جمالا من أدبي في عصر ازدهاره؟ موسيقاك أقدر على تحريك المشاعر أم موسيقاي؟ شعبك أخف دما أم أثقل ظلا من شعبي؟ أسرع بديهة أو أكثر فصاحة؟ معاملتك للمرأة أكثر إنسانية أم معاملتي لها؟حبك للأطفال أقوى أم أضعف من حبي لهم؟ ما العلاقة بين القوة العسكرية أو الرخاء المادي أو التقدم العلمي أو التكنولوجي بما إذا كنت أسرع إلى الصفح مني؟ أكثر أم أقل استعدادا للعفو عند المقدرة؟ أو أقدر أم أقل قدرة على ضبط النفس عند الغضب؟".(ص 17)، وبعد سرد مجموعة من الإجابات غير الكلاسيكية على أسئلته الحرجة، يخلص جلال أمين إلى أن العلاقة بين درجة القوة أو الغلبة، أو بين الرخاء المادي أو التقدم العلمي، أبعد ما تكون عن الوضوح والحسم، لولا أنه يبقى من السهل أن يقع الإنسان في الفخ، عبر السقوط في طرق الخداع التي تستدرج المتلقي إلى توهم وجود علاقة أكيدة بين شيئين العلاقة بينهما جد واهية، مفضلا الاشتغال على نموذج طالما تم التطبيل له من قبل الأقلام العربية في معرض تقييم الأداء "الحضاري" للعالم العربي، ونتحدث عن تقرير "التنمية الإنسانية العربية"، ومشيرا أولا ـ وهذا ما غاب في ثنايا العديد من الدراسات النقدية التي تطرقت للتقرير في نسخه القديمة والجديدة ـ إلى أن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" والذي تضمن، بصورة عامة جدا، ما تنوى الولايات المتحدة عمله لتطوير العالم العربي، فوجئنا بإشارته، والتقييم للمؤلف، إلى الأهداف نفسها التي تضمنها تقريرا "التنمية الإنسانية العربية"، الشهيران الصادران عن برنامج الأمم المتحدة للإنماء في العامين 2002 و2003 وهي أهداف الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان، والنهوض بأحوال المعرفة، و"تمكين المرأة" أي تحريرها ورفع صور القهر عنها، وكذلك دفع عجلة التنمية وعلى الأخص بالاعتماد على القطاع الخاص.
ولم يكن هناك بد لأي شخص حصيف، عندما يقرأ هذا الكلام، من أن يجد فيه الكثير من دواعي السخرية من أهمها أن أي هجوم استعماري قديم أو جديد، كان دائما يغطي الأهداف الدنيئة بشعارات سامية، والأرجح أن الهجوم على العراق لا يختلف في هذا عن الهجمات الاستعمارية السابقة، ومن ثم تستخدم شعارات الديمقراطية والمعرفة وتمكين المرأة والتنمية للتغطية على أهداف أخرى كالسيطرة على النفط وفتح أسواق للسلع والاستثمارات وتمكين إسرائيل الخ ص( 57)من هكسلي إلى أورويل ما الذي يجمع بين ثنايا الكتاب الشهير "ياله من عالم جديد رائع"، لصاحبه ألدوس هكسلي(صدر عام 1932) والرواية الأخرى الشهيرة لجورج أورويل وقد أطلق عليها اسما غير مألوف وهو( 1984)؟ (صدرت عام 1948) لنُلاحظ بداية أنه على رغم مرور أكثر من نصف قرن على كتاب أورويل، وأكثر من سبعين عاما على كتاب هكسلى، نجد أن ذكر هذين الكتابين يتكرر بمعدل متزايد، والاهتمام بهما يشتد ويزداد تكرر السؤال : هل العالم يقترب من الصورة التي رسمها هكسلى للمستقبل، أو تلك التي يرسمها أورويل؟ هل كان الاثنان محقين في تنبؤهما بهذه الصورة المخيفة للعالم؟ ولنلاحظ أيضا أنه مباشرة بعد صدمة تفجيرات نيويورك وواشنطن، ازداد الاهتمام بهذين الكتابين، وعندما حل عام 2003 الذي يكتمل به مرور قرن كامل على ميلاد أورويل، ضاعف من الاهتمام بذكراه ما كان مايزال سائدا من قلق بسبب ما وقع في شتنبر 2001 وما تلاه من تطورات خطيرة في السياسة الأميركية وفي العالم بوجه عام، فإذا بالمقالات الصحفية تتردد فيها تعبيرات كان قد صكها أورويل لأول مرة في روايته لوصف ما يمكن أن يكون عليه العالم في المستقبل، والملاحظ أخيرا، أن الكتب الحديثة تصدر للإشادة بنفاذ بصيرة أورويل وصدق تنبؤاته ولكن يكتب البعض أيضا أن العالم الذي صوره هكسلي قبل أورويل بعشرين عاما هو الأقرب إلى ما يحدث في العالم اليوم، وأن تنبؤات هكسلي هي الأقرب إلى الصدق.
يرى المؤلف أن هكسلي لم يكتب روايته ولا أورويل كتب روايته( 1984)، كمجرد تمرين للقدرة على التخيل والتنبؤ أو لمجرد التسلية، بل كان كل منهما يقصد شيئا أخطر من هذا بكثير.
كان هكسلي وأورويل كاتبين شديدي الجدية، وعلى مستوى عال جدا من الالتزام الخلقي والاهتمام بقضايا المجتمع والإنسان بوجه عام، كان كل منهما في المقام الأول كاتب مقال، وأهميتهما ككاتبي مقال أكبر بكثير من أهميتهما كروائيين.
ذلك أنهما رأيا، أن الرسالة الأخلاقية التي يريد كل منهما توصيلها للناس تصبح أقرب منالا عن طريق الرواية منها عن طريق المقال, وقد كتب كل منهما روايته مدفوعا بشعور قوى جدا بالخوف والتشاؤم من المستقبل الذي يهدد العالم.
إن وسائل الإعلام لا تخدع الناس فقط بنشرها أخبارا مختلفة وترديد تفسيرات واحدة لا تتغير ومعدة سلفا، بل تخدعهم أكثر، كما قال هكسلي في مقدمة سنة 1946 بتجنب الحديث في أمور معينة وحظر تناول موضوعات حساسة قد يؤدي الكلام فيها إلى فضح الروايات الرسمية، أو على حد تعبيره "قول الحق شيء عظيم فعلا ولكن الأعظم منه، من وجهة النظر العملية، السكوت عليه"، والإحالة هنا على الرواية الرسمية لتفجيرات 11 شتنبر 2001، تلك التي طالما انتقدها جلال أمين في العديد من مقالاته، وخاصة مقالاته المنشورة في يومية "الحياة اللندنية مستنتجا أن الناس في عالم ما بعد 11 شتنبر، يبدون إذن كما تصور هكسلي في 1932 وكأنهم يعيشون في عالم خيالي لا يمت للحقيقة بصلة : يستغرقون في عمل ميكانيكي وروتيني في الصباح، ولكنه بالغ الكفاءة لكي يلقو بأنفسهم في المساء مرهقين وفاقدي القرى، أمام تليفزيون لا يكف عن تكرار أخبار ملففة وتعليقات كاذبة ولكنها مدروسة بعناية ومقترنة بصور جذابة تجعل تصديق الأخبار والتعليقات أمرا حتميا والشك في صحتها مستحيلا، وترسخ في هذه الأذهان المرهقة أفكارا بعينها عن الإرهاب والإرهابيين، وعن الإسلام والمسلمين، وعن روعة الحياة الأميركية وجمالها، وأنه لا شيء في الإمكان أبدع مما هو كائن لولا ما يمكن للإرهابيين عمله لإفساد هذه الحياة.
ولكن الحكومة وأجهزة الأمن متيقظة، ولا داعي في الحقيقة للشعور بالخوف، أو بالأحرى لا بأس في الحقيقة من الشعور بالخوف والطمأنينة في نفس الوقت (ص 151) كتاب ممتع ومفيد وقلق لمختزلي التقدم والتخلف في مؤشرات بورصة نيويورك وثقافة "الماك".