اعتماد النبات في التقطيع الإداري بالجنوب الشرقي المغربي/ لحسن أيت الفقيه

الأربعاء 17 ماي 2006 - 15:41

المقصود بالمجال الوظيفي في البادية التقليدية بالجنوب الشرقي المغربي المساحة الأرضية المتكاملة الوظائف التي تحوي المرعى والمزرعة والمحطب وموارد الماء.

وينسب المجال الأصغر للعشيرة وكلما اتسعت رقعته الجغرافية يصبح ملكا قبليا ويمكن أن ينسب إلى كونفدرالية قبلية تتحرك في إقليم جغرافي واسع متجانس، سلسلة جبلية بكاملها أو هضبة واسعة أو سهل فسيح أوغير متجانس مركب من وحدتين تضاريسيتين على الأقل.

فإذا كانت الطوبوغرافيا تضفي معظم الخصوصيات المرتبطة بالمورفولوجيا على المجال الوظيفي كالتضرس والانبساط، واستراتيجية الموقع، وانغلاقه على المحيط الخارجي أو انفتاحه، فإن للماء كسائل مقدس، ومن خلاله الغطاء النباتي، أهميته في تحديد المجال ومعلمته، وتوفير شروط تعميره والتأثير على أسلوب استغلاله.

فمن خلال الماء تصنف الأرض إلى خصبة أو فقيرة، خضراء أو قاحلة ولمقسمات الماء بين الأحواض النهرية تأثيرها على الغلاف الإثنوغرافي لوسط ما، لذلك استغلها المستعمر الفرنسي في التقطيع الإداري من أجل احتواء كل جماعة ذات لباس إثني موحد في وحدة إدارية متجانسة.
وقد سبق أن فصلنا القول في دور الماء في تحديد المجال بالجنوب الشرقي المغربي في جريدة الصحراء المغربية في عدد يوم الثلاثاء 28 مارس 2006 .

وإلى جانب الماء يأتي الغطاء النباتي ليضفي خصوصيات أخرى على المجال الوظيفي وتنبغي الإشارة إلى أن الجهات المشرفة على التقطيع الإداري لم تهتد إلى توظيف الغطاء النباتي في التقطيع الإداري، من منطلق أن هناك تداخلا بين الماء والنبات فوق أن هذا العنصر النباتي أقل مرتبة من الماء في النسق الثقافي القبلي بالجنوب الشرقي المغربي.

ولايزال التقطيع الإداري الجهوي بالمغرب لم يأخذ بعين الاعتبار النطاقات البيومناخية، حيث تجد جهات مكناس تافيلالت، على سبيل المثال، غير متجانسة نباتيا، وغير متكافئة في الموارد الطبيعية. ولم تخطئ الأصوات المنادية في كل المنتديات المدنية بالجنوب الشرقي المغربي، والنوادي البيئية، بمراجعة التقطيع الإداري لإحداث جهة إدارية تأخذ بعين الاعتبار التجانس بين واحات فيجيج و زيز و درعة.

ولا غرو، فهناك برامج تنموية بيئية تؤسس لهذا المقترح مثل برنامج مكافحة التصحر المسمى (سابان) وبرنامج إنقاذ الواحة الذي يعني طاطا وزاكورة و ورزازات والرشيدية وفيجيج. وباختصار، فقد حان الوقت لاستحضار النبتة في الميدان واعتمادها في التقطيع الإداري، علما أن هناك برامج تنموية لا تفتأ تضرب التقطيع الإداري عرض الحائط وتعتمد التجانس البيومناخي ووحدة الندرة في الموارد الطبيعية والإمكانيات.

وإذا كانت النبتة لم تغز مواطن السلطة الإدارية في المركز فإن في الميدان مؤشرات قوية يمكن اعتمادها وينحصر تأثير النبات في المجال في المعلمة والتنطيق فقط فإذا كان من الصعب الإحاطة بكل الأماكن التي أخذت أسماءها من النباتات فإن ما نقدمه من أمثلة يبين فقط أن هناك وحدات عمرانية بأكملها تختفي وراء النبتة وتأخذ اسمها منها.

فمن النباتات الشوكية التي اكتسبت شهرة في الأماكينية (الطوبونيميا) نجد شجرة السدر التي تنسب إليها قرية (تازكارت), تقع بحوض كير بجماعة واد النعام، و تبعد عن مركز بودنيب بحوالي 25 كيلومترا. وتعني (تازكارت) مؤنث (أزكار) بالأمازيغية، شجرة السدر .وتشتهر تازكارت كذلك بكهف العزيزة المعروف في الخريطة الأثرية لمواقع ما قبل التاريخ بالمغرب.

وهناك هضبة منسوبة إلى السدر قرب معتقل تازممارت، تعرف بهضبة سدور التي تستمد اخضرارها وجمالها من هذه الشجرة التي تنتج خير ما يشتهيه الماعز، فاكهة النبق
وإلى جانب السدر تأتي الرطم، (ألكو) بالأمازيغية، لتطلق على مركز قروي (أملاكو) المشهور في ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تقع أملاكو بحوض غريس وتحتضن مقر الجماعة القروية التي تحمل نفس الاسم .

وتحتل شجرة العرعار المرتبة الأخيرة في معلمة المجال نسبت إليها قرية تعرعارت قرب مركز تونفيت بإقليم خنيفرة ولئن كانت شجرة العرعار الغابوية تجلب فأس الحطاب في فصل الشتاء وتستقطب العشاب بفعل فعاليتها في معالجة الروماتيزم، فهي اسم لتجمع سكني قرب مركز تونفيت، يسمى تعرعارت.

وفي المجال المسقي حضور للتين، (تازارت) بالأمازيغية، حيث نجد مركز تازارين بإقليم زاكورة، وقرية تازارين بأقصى شرق دائرة إملشيل الإدارية، وهناك قرية (أزار) بواد ايت عيسى غرب إقليم فيجيج، وفج (ام تازارت) بجماعة امزيزل,غرب الريش.وفي شرق مدينة ميدلت جماعة (أمرصيط) التي تعني بالأمازيغية ذكر التين.

وللإشارة فسكان الأطلس الكبير الشرقي يقدرون التين بعض التقدير لأنها فاكهة المسغبة، فوق أنهم يعتقدون أنها وفرت الخلوة للنبي أدام، جد البشرية، للتبرز في الجنة، وكان الحدث سببا لإخراجه من دار النعيم إلى دار الشقاوة والجحيم وهناك من يتبرك بأوراق شجرة التين في الأعراس ويوظفها في حفلة الحناء.

وفي المجال المسقي دائما ذكر لنبتة الفَوّة (تاروبيا) التي يستخلص منها الأحمر الأمازيغي الذي أدهش الفرنسيين في القرن الثامن عشر ولايزال فج (تاروبيا) بجبل العياشي يذكرنا بماضي تجارة القوافل المغربية في المحور التجاري سجلماسة-فاس
وفضلا عن معلمة المجال يقسم الغطاء النباتي الطبيعي أو الزراعي الأحواض النهرية إلى نطاقات عمرانية وإثنوغرافية.

فهناك نطاق النخيل ونطاق الذرة ونطاق اللوز ونطاق الجوز ونطاق النباتات الطبية والرعوية ولقد تم توظيف النخيل للفصل بين الإقليم الصحراوي وغير الصحراوي
وعلى سبيل المثال تشكل نهاية جنان النخيل حدا فاصلا بين قيادة بوذنيب وقيادة كرامة بحوض كير. وفي حوض زيز اعتمد النخيل كحد فاصل بين جماعة الخنك وجماعة كرس تيعلالين.

ونفس الشيء ينطبق على حوض غريس حيث اتخذت النخلة فاصلا بين دائرة أسول الجبلية ودائرة كلميمة الواحية ونسجل أيضا أن النخيل أقوى من الماء والطوبوغرافيا في المعلمة .
وقرينتنا على ذلك، أن التحديد الإداري بشمال إقليم الرشيدية لم يعتمد التقسيم التضاريسي لفصل نطاق الهضبة عن نطاق الجبل، بل اعتمد النخل فقط, لذلك توغلت الجماعات المحلية شبه الصحراوية في القسم الجبلي من إقليم الرشيدية لتضم كل التراب الذي يحوي النخل.

وفي شمال نطاق النخل يحل نطاق الذرة الذي يغطي كل الأراضي التي لا يتجاوز ارتفاعها 200 متر ولقد اعتمده المستعمر الفرنسي إلى جانب الماء للفصل بين قيادة إملشيل وقيادة أو تربات وللنبات لباس إثنوغرافي، حيث تلمس عشائر كثيرة تحبد أن تقترن هويتها بمنتوج نباتي ما.

والمثال من قبيلة ايت عطا التي اشتهرت بالحناء ومن ايت مرغاد التي عرفت باللوز وينسب الجوز لقبيلة ايت يحيى، ويتردد المتسولون على قرية تيليشت شمال الريش طلبا لفاكهة الخوخ. ويفضل سكان قرية زاوية سيدي بوكيل إنتاج بذور نبتة الفصة، وتعد البطاطس زراعة مفضلة لدى سكان إملشيل، وبالأمس القريب بدأت مدينة ميدلت وما جاورها من القرى تنظم موسم التفاح كما كانت مدينة أرفود تنظم موسم التمر.

وفي حياة الترحال نطاقات جغرافية ذات صلة بالنبات الطبي، من ذلك مثلا أن شهرة بلدة النزالة، شمال إقليم الرشيدية، في قربها من موطن نبتة أزير الطبية، وتحتضن قبيلة ايت يحيى غابة العرعار الكثيفة إن حضور النبات في المجال البيومناخي بالجنوب الشرقي المغربي جعلها ترقى إلى مستوى التحديد والمعلمة.نأمل أن ينتبه المسؤولون مستقبلا إلى دور النبات في معلمة المجال لاعتماده في التقطيع الإداري ضمانا للتجانس وتسهيلا لفعل تنموي واعد.




تابعونا على فيسبوك