من موازين.. نسيم حداد: "العيطة ليست مجرد صوت.. إنها وطن يغني"

الصحراء المغربية
الإثنين 22 يونيو 2026 - 16:37

خطف الفنان الشعبي نسيم حداد الأضواء، مساء أمس الأحد، خلال حفل فني أحياه على منصة النهضة بالرباط ضمن فعاليات الدورة الحادية والعشرين من مهرجان "موازين – إيقاعات العالم"، في سهرة تقاسمها مع الفنانة جايلان، واستطاع خلالها أن يحول الفضاء إلى عرس فني احتفت فيه الجماهير بالتراث الموسيقي المغربي بكل ألوانه.

واستقبل الحضور الكثيف بالفضاء المذكور، الفنان المغربي بحفاوة كبيرة، قبل أن يأخذهم في رحلة موسيقية عبر ذاكرة العيطة المغربية، مستهلا عرضه بمقطع من "عيطة ركوب الخيل"، التي أشعلت حماس الجمهور منذ اللحظات الأولى، ليتحول الفضاء إلى لوحة جماعية امتزج فيها الغناء بالرقص والتصفيق على إيقاعات التراث الشعبي.
وبرهن حداد، الحاصل على الدكتوراه في الفيزياء النووية، مرة أخرى على قدرته إعادة تقديم الموروث الغنائي المغربي بروح معاصرة، دون التفريط في أصالته، حيث قدم باقة من أشهر العيوط التي تحمل في طياتها حكايات وتفاصيل من تاريخ مناطق مختلفة من المملكة، وتعكس غنى الموروث الثقافي المغربي وتنوعه.
ولم يقتصر العرض على العيطة فقط، بل حرص الفنان على تنويع فقراته من خلال أداء مجموعة من الأغاني الشعبية المغربية التي يحفظها الجمهور عن ظهر قلب، من بينها "مولاي عبد الله"، و"السالبة"، و"خوكم"، وهي الأعمال التي رددها الحضور بصوت واحد، في مشهد عكس حجم الارتباط الوجداني الذي يجمع المغاربة بهذا الرصيد الفني الأصيل.
وقبل ساعات من صعوده إلى منصة النهضة، كشف نسيم حداد في حوار مع "الصحراء المغربية" عن رؤيته لمستقبل فن العيطة، وموقفه من الجدل المرافق لمحاولات تجديده، متحدثا عن أول مشاركة له في مهرجان "موازين"، وعن المسار غير المألوف الذي جمع بين الفيزياء النووية والشغف الموسيقي.
 

تشارك للمرة الأولى في مهرجان موازين، ماذا تمثل لك هذه المشاركة؟
هي لحظة فنية خاصة جدا في مساري، بالنظر إلى المكانة التي يحظى بها المهرجان وقدرته على جمع فنانين وثقافات وجماهير من مختلف أنحاء العالم. أنا سعيد بالحضور ضمن هذا الحدث الكبير.
موازين ليس منصة للحفلات الفنية فحسب، بل يشكل فضاء للتعريف بالثقافة المغربية بمختلف تعبيراتها، وأعتبر مشاركتي فرصة لتقديم رصيدي الفني وتقريب فن العيطة من جمهور أوسع داخل المغرب وخارجه.

مسارك الأكاديمي قادك إلى دراسة الفيزياء النووية، قبل أن يعرفك الجمهور كفنان. كيف تفسر هذا الانتقال؟
في الواقع، لم أعتبر الأمر انتقالا بقدر ما أعده مسارين متكاملين في حياتي. تخصصي العلمي يرتبط بفيزياء الجسيمات ودراسة الكون ومكوناته، وليس كما يعتقد البعض بصناعة الأسلحة النووية. هذا التكوين العلمي منحني الدقة والصرامة والقدرة على طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة، وهي خصال أفادتني أيضا في مساري الفني. لم أتخل عن العلم من أجل الفن، بل أعتبر أن المجالين يرافقانني معا ويشكلان جزءا من شخصيتي ورؤيتي للحياة، فالعلم يساعدني على فهم العالم، بينما يمنحني الفن فرصة التعبير عنه.
 

عادة ما يواجه كل فنان يحاول تطوير العيطة أو تقديمها برؤية جديدة بانتقادات تتهمه بتحريف أصالتها وهويتها، ماهو ردك على هذه الانتقادات؟
أعتقد أننا كممارسين للفن سواء من الجيل القديم أو الجديد، في حاجة إلى التخلص من عباءة من سبقونا، الفن إحساس شخصي قبل كل شيء، وكل جيل من حقه أن يعبر عن ذاته بطريقته الخاصة. إذا بقينا أسرى ما أنجزه السابقون فسندور في حلقة التكرار نفسها. ما أقوله دائما للشباب هو أن يبحثوا عن صوتهم الداخلي وأن يعبروا عن إحساسهم الحقيقي، بعيدا عن الحسابات التجارية أو القوالب الجاهزة. عندما يقتنع الفنان بما يقدمه ويؤمن به، فإنه سيكون قادرا على إقناع الجمهور أيضا.
 

يتعرض الموروث الفني المغربي، بمختلف تجلياته، لمحاولات سطو واستيلاء متكررة. كيف يمكن حماية هذا التراث؟
الحماية تبدأ أولا بالتوثيق، فالأرشفة والتوثيق ضرورة ملحة إذا أردنا الحفاظ على تراثنا ونقله إلى الأجيال المقبلة، وعندما نتحدث عن العيطة مثلا، فإننا نتحدث عن ذاكرة جماعية وعن صوت حي للمغاربة عبر التاريخ، لذلك فإن المبادرات العلمية والثقافية، مثل الموسوعات والأبحاث والأعمال التوثيقية، تكتسي أهمية كبيرة لأنها تمنح هذا التراث قراءة جديدة وتحافظ عليه من الضياع أو التشويه، فالعيطة ليست مجرد لون غنائي، بل هي لسان حال المغاربة وتاريخهم الشفهي.
 

قدت أخيرا جولة فنية تحت عنوان "العيطة العالمية"، هل زادت هذه التجربة من شعورك بالمسؤولية تجاه هذا اللون الموسيقي؟
بالتأكيد. من أكثر الأمور التي أثرت في خلال هذه الجولة أنني رأيت فئات من الجمهور لا تنتمي بالضرورة إلى البيئة التقليدية للعيطة، تتفاعل معها بشكل كبير، هذا الأمر أكد لي أن العيطة قادرة على الوصول إلى الجميع إذا قدمت بالشكل المناسب. شعرت فعلا بمسؤولية أكبر تجاه هذا التراث، لأنه يملك إمكانيات هائلة للتجدد والانفتاح على آفاق جديدة دون أن يفقد روحه. ما خرجت به من هذه التجربة هو أن العيطة ليست فنا من الماضي فقط، بل مشروعا للمستقبل أيضا. ولهذا أردد دائما الشعار الذي أؤمن به، "العيطة ليست مجرد صوت، إنها وطن يغني".

 تصوير: سوري




تابعونا على فيسبوك