وسط أجواء امتزجت فيها مشاعر الاعتزاز بروح التضامن الاجتماعي، عاشت جماعة أيت إسحاق بإقليم خنيفرة، صباح الخميس 21 ماي 2026، على وقع محطة تنموية جديدة، بعدما أشرف عامل إقليم خنيفرة، محمد عادل اهوران، على تدشين مركز متعدد الوظائف مخصص لدعم النساء في وضعية هشاشة، وذلك تخليدا للذكرى الحادية والعشرين لإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بحضور عدد من المنتخبين ومسؤولي المصالح الأمنية والعسكرية ورؤساء المصالح الخارجية، إلى جانب نساء حملن في أعينهن ملامح الأمل في مستقبل أكثر استقرارا وكرامة.
وقد بدت ملامح الفرح والاعتزاز واضحة على وجوه الحاضرات وهن يتابعن تفاصيل هذا الحدث الاجتماعي، فيما أضفت الزغاريد المتقطعة وحركية الوفود الرسمية على فضاء المركز أجواء إنسانية دافئة، عكست حجم الانتظار الذي صاحب خروج هذا المشروع إلى حيز الوجود.
وقبل إعطاء الانطلاقة الرسمية لهذا المشروع الاجتماعي، كان فضاء المركز يعج بحركية لافتة، حيث اصطفت النساء داخل الورشات في مشهد يعكس جدية التكوين وروح الانخراط في مسار التمكين الاقتصادي والاجتماعي. فداخل قاعة الخياطة، كانت المستفيدات يعملن على ترتيب التجهيزات، خاصة آلات النسيج، وآلات أخرى وسط أجواء طبعتها الدقة والتركيز والإصرار، بينما ارتسمت على وجوههن نظرات تختزل رغبة حقيقية في بناء مستقبل مختلف. وفي ورشة الطبخ، رتبت الأواني بعناية توحي ببداية مشروع مهني واعد، فيما انهمكت مستفيدات أخريات في إعداد المطبخ وتنظيم التجهيزات استعدادا لتهييء نماذج من الحلويات والأطباق المحلية مستقبلا. أما ورشة الحلاقة، فقد استقبلت المؤطرات والمستفيدات في أجواء غلبت عليها ملامح الحماس والثقة، وسط مرايا تعكس تفاصيل المكان وترتيب المعدات بعناية، إلى جانب الحركة الدؤوبة التي عرفتها قاعة الإعلاميات وباقي الورشات الأخرى، حيث كانت الحواسيب والطاولات المنظمة بحس مهني تمنح الفضاء طابعا حديثا يفتح أمام المستفيدات آفاقا جديدة للتكوين والانفتاح. مشاهد اختزلت حجم الرهان الذي تحمله المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في إعادة بناء الثقة لدى النساء في وضعية صعبة، ومنحهن فرصة حقيقية للاندماج داخل المجتمع وسوق الشغل.
وعقب قص الشريط الرمزي، قام عامل الإقليم والوفد المرافق له بجولة تفقدية داخل مختلف مرافق المركز، حيث قدمت شروحات مفصلة حول طبيعة الخدمات التي سيؤمنها هذا الفضاء الاجتماعي، والذي تطلب غلافا ماليا فاق 3 ملايين درهم. وخلال هذه الجولة، استوقف انتباه الحاضرين التنظيم المحكم لمختلف الفضاءات، ونظافة القاعات، وطريقة توزيع الورشات بشكل يراعي راحة المستفيدات وظروف اشتغالهن. ويضم المركز فضاءات للاستماع والتوجيه والمواكبة النفسية والاجتماعية، إلى جانب ورشات للتكوين المهني في مجالات النسيج والفصالة والخياطة والطبخ والحلاقة، فضلا عن فضاءات للإيواء، في تصور متكامل يراعي حاجيات النساء المستفيدات ومتطلبات سوق الشغل المحلي. كما عكست الابتسامات المتبادلة بين المستفيدات والأطر المشرفة حجم الثقة التي بدأ هذا المشروع يزرعها داخل نفوس النساء المقبلات على مرحلة جديدة من حياتهن.
ويطمح هذا المشروع الاجتماعي إلى مواكبة نساء جماعة أيت إسحاق والمناطق الجبلية المجاورة، عبر برامج للتأهيل والتكوين وتنمية القدرات، بما يتيح لهن فرصا أفضل للولوج إلى سوق الشغل أو خلق أنشطة مدرة للدخل تضمن لهن الاستقلالية الاقتصادية وتحسن ظروف عيشهن. كما يشكل هذا المركز لبنة جديدة ضمن الدينامية التي تقودها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على مستوى إقليم خنيفرة، من أجل ترسيخ مقاربة إنسانية تجعل من كرامة المواطن وتأهيل الفئات الهشة مدخلا أساسيا لتحقيق تنمية منصفة ومستدامة. وبدا واضحا، من خلال تفاعل النساء الحاضرات وحديثهن عن تطلعاتهن المستقبلية، أن هذا المشروع لا يقدم فقط خدمات اجتماعية، بل يفتح نافذة حقيقية نحو استعادة الثقة في الذات وبناء مسار مهني واجتماعي أكثر استقرارا.
ولم يكن هذا التدشين مجرد افتتاح لبناية جديدة، بل حمل في تفاصيله رسائل قوية حول أهمية الاستثمار في الإنسان، خاصة المرأة القروية التي ظلت لسنوات تواجه تحديات الهشاشة. فمن داخل الورشات، وبين ابتسامات المستفيدات ونظراتهن المفعمة بالأمل، بدا واضحا أن هذا المشروع يتجاوز الجانب الاجتماعي إلى بناء فضاء يعيد للنساء الثقة في ذواتهن، ويفتح أمامهن أبوابا جديدة نحو الاستقرار والاندماج وتحقيق الذات. وبين جدران هذا المركز، حيث تختلط أصوات الآلات بحماس البدايات الجديدة، تولدت صورة إنسانية مؤثرة لنساء يخضن أولى خطواتهن نحو مستقبل أكثر أمنا وكرامة، في مشهد يلخص جوهر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية باعتبارها ورشا إنسانيا يضع الإنسان في صلب التنمية.
عزالدين كايز