سلط قضاة وجامعيون، خلال ندوة "دور القضاء في تخليق الحياة العامة" على الآليات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بمكافحة الفساد المالي وترسيخ مبادئ الشفافية، مؤكدون أن تخليق الحياة العامة لم يعد خيارا ظرفيا، بل توجها استراتيجيا يقتضي تعبئة شاملة لمختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم السلطة القضائية.
ونظمت هذه الندوة العلمية بالرواق المشترك بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، أول أمس الثلاثاء، ضمن فعاليات الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.
وفي هذا الإطار، أبرز الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش، خالد كردودي، أن الجرائم المالية تمثل تحديا حقيقيا للاقتصاد الوطني بالنظر إلى انعكاساتها على المرفق العمومي والسياسات التنموية، مشيرا إلى أن مواجهتها تستند إلى مقاربة متكاملة تجمع بين الحجز والمصادرة والبحث المالي الموازي.
وأوضح أن هذه الآليات مترابطة، إذ يظل البحث المالي الموازي أساسا لتتبع حركة الأموال وتحديد مصادرها والمستفيدين منها، بما يمكن من استرجاع العائدات غير المشروعة، في تحول ملحوظ نحو التركيز على الأموال بدل الاقتصار على متابعة الأشخاص، مشددا على أهمية التنسيق بين مختلف المتدخلين، من نيابة عامة وشرطة قضائية وهيئات مالية، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي، خاصة في ظل الطابع العابر للحدود الذي يميز جرائم غسل الأموال والفساد المالي.
من جانبه، تناول رئيس شعبة القضاء الإداري بقطب القضاء المتخصص بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، عبد العزيز الغزاوي، دور القضاء الإداري في تأطير وتخليق الممارسة الانتخابية، معتبرا أن الانتخابات أضحت منظومة قانونية متكاملة تتجاوز بعدها التقني لتكريس التعبير الحر عن إرادة الناخبين، مبرزا أن القضاء الإداري يواكب العملية الانتخابية في مختلف مراحلها، من القيد في اللوائح إلى إعلان النتائج، مرورا بضبط شروط الترشح وتأطير الطعون، مؤكدا أن الاجتهاد القضائي أسهم في إرساء قواعد دقيقة لضمان النزاهة وتكافؤ الفرص، مع اعتماد مقاربة متوازنة في التعامل مع المخالفات الانتخابية، بحيث لا يتم إلغاء النتائج إلا في حال ثبوت تأثيرها الفعلي على المسار الانتخابي، كما يمتد دوره إلى مراقبة سلوك المنتخبين عبر آليات العزل والتجريد حماية للمرفق العام.
وفي سياق متصل، استعرض رئيس فرع الغرفة الرابعة بالمجلس الأعلى للحسابات، شفيق البهوي، الأدوار القضائية وغير القضائية للمحاكم المالية، مبرزا أن تخليق الحياة العامة يرتبط باستقامة التدبير العمومي، وليس فقط بغياب الجريمة، مبرزا أن الرقابة المالية تقوم على بعدين متكاملين، زجري يهدف إلى معاقبة المخالفات، ووقائي يستشرف الاختلالات عبر مراقبة التسيير وتقييم الأداء، مشيرا إلى أهمية آليات التصريح بالممتلكات وتدقيق حسابات الأحزاب ونفقات الحملات الانتخابية، فضلا عن تتبع تنفيذ التوصيات، باعتبارها أدوات عملية لتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
بدوره، ركز المحامي العام لدى المجلس الأعلى للحسابات، جمال حاحو، على الأدوار الزجرية للمحاكم المالية، موضحا أن تخليق الحياة العامة يرتبط بعلاقة عكسية مع الفساد، وأن رصد الاختلالات يعتمد على تحليل مؤشرات مثل الضغط والفرص والمبررات، محذرا من مخاطر التسيير بحكم الواقع لما يتيحه من تجاوزات تمس المال العام، وأن بعض المخالفات المالية قد ترقى إلى جرائم جنائية تستوجب الإحالة على القضاء المختص.
واعتبر الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، عبد الرحمن الشرقاوي، أن تخليق الحياة العامة خيار استراتيجي للدولة تعزز منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، وتكرس دستوريا مع دستور 2011 الذي أقر استقلال السلطة القضائية وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أنه سجل أن النجاعة تظل رهينة بإحياء الضمير المجتمعي، مبرزا أن الإصلاح القانوني والمؤسساتي يحتاج إلى سند أخلاقي وثقافي ينطلق من المدرسة والأسرة والإعلام.