خريجات مؤسسات الرعاية الاجتماعية بين هشاشة ما بعد 18 سنة وورش إدماج جديد

الصحراء المغربية
الإثنين 27 أبريل 2026 - 12:13

عند بلوغ سن الثامنة عشرة، تجد آلاف الفتيات خريجات مؤسسات الرعاية الاجتماعية أنفسهن أمام منعطف حاد، يتمثل في انتقال مفاجئ من فضاء الحماية المؤسساتية إلى واقع الاستقلال القسري، في ظل غياب منظومة مواكبة متكاملة تضمن الإدماج التدريجي والآمن، هذا التحول، الذي ظل لسنوات خارج دائرة النقاش العمومي، عاد اليوم إلى الواجهة مع إطلاق البرنامج الوطني "رعاية" من قبل وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، إلى جانب تزايد دينامية الترافع المدني، خاصة من طرف جمعية "سيدتي المغربية"، التي تقدم مقاربة ميدانية لمعالجة هذا الفراغ.

برنامج "رعاية".. نحو إعادة تعريف وظيفة مؤسسات الرعاية

شكل إطلاق البرنامج الوطني "رعاية" في 16 أبريل الجاري محطة جديدة في التعاطي مع فئة الشباب المغادرين لمؤسسات الرعاية الاجتماعية، عبر الانتقال من منطق الإيواء إلى منطق التمكين والإدماج، ويستهدف هذا البرنامج، في مرحلته الأولى، حوالي 780 مستفيدا، من خلال هندسة "مشروع حياة" فردي لكل شاب وشابة، يرتكز على مواكبة شخصية، وإدماج مهني، ودعم نفسي واجتماعي، في إطار شراكات مؤسساتية متعددة.
ويرتقب أن يشكل هذا الورش لبنة أساسية في بناء منظومة مندمجة لحماية الطفولة، عبر تحويل مؤسسات الرعاية إلى فضاءات للعبور نحو الاستقلال، بدل أن تكون نهاية لمسار الحماية الاجتماعية.
جمعية "سيدتي المغربية".. تشخيص لفراغ ما بعد 18 سنة
بالتوازي مع هذا الورش الحكومي، تواصل جمعية "سيدتي المغربية" الترافع حول وضعية ما يقارب 100 ألف طفل وطفلة داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، في سياق فراغ تشريعي مرتبط بالقانون 14.05، الذي لا يتضمن أي مقتضيات تضمن المواكبة بعد بلوغ سن الرشد.
وفي هذا الصدد، أوضح وليد بنسليمة، رئيس الجمعية، في تصريح لـ"الصحراء المغربية"، أن هذا الملف ظل لسنوات خارج الاهتمام العمومي، بسبب ارتباطه بفئة وصفها بـ"الصامتة" التي تفتقر إلى تمثيلية ترافعية، إلى جانب تشتت المسؤوليات بين القطاعات الحكومية، وترسخ تصور مجتمعي يعتبر أن الإيواء داخل المؤسسة يمثل نهاية المسار، في حين أن مرحلة ما بعد 18 سنة، حسب تعبيره، هي الأكثر حساسية وهشاشة.
وأضاف المتحدث ذاته أن إعادة طرح هذا الملف جاءت نتيجة توثيق حالات لشابات وجدن أنفسهن في وضعية تشرد مباشرة بعد مغادرة المؤسسات، دون موارد أو دعم نفسي، إضافة إلى تزامن هذا النقاش مع ورش الدولة الاجتماعية والتزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الطفل، خصوصاً ما يتعلق بإقرار نظام "الرعاية اللاحقة".

حلول استعجالية: من الإيواء إلى الاستقلال

في هذا الصدد، قدم بنسليمة حزمة من المقترحات العملية ذات الطابع الاستعجالي، تقوم على ثلاثة محاور رئيسية، أولها، في محور السكن، حيث دعا إلى إصدار مرسوم يمدد الإيواء الاختياري إلى21 سنة، مع تخصيص نسبة من السكن الاجتماعي لهذه الفئة، مقابل التزام الجمعية بإحداث دور انتقالية نموذجية بعدد من المدن الكبرى، بطاقة استيعابية تناهز 200 شابة وشاب سنويا.
ثانيا في ما يخص محور الإدماج الاقتصادي، حيث اقترح بنسليمة تمكين خريجي المؤسسات من أولوية الولوج إلى برامج التشغيل والتكوين، مع تحفيز المقاولات، وإطلاق برنامج مواكبة يمتد لسنة، يجمع بين التكوين والتدريب المؤدى عنه، بهدف تسهيل الانتقال نحو سوق الشغل، وثالثا، محور الدعم النفسي والقانوني، عبر توسيع الاستفادة من التغطية الصحية الإجبارية إلى غاية 25 سنة لفائدة المتابعين للدراسة أو التكوين، مع تعيين مرافقين اجتماعيين لكل حالة، وإحداث خلايا استماع، إلى جانب تقديم منح انتقالية عند مغادرة المؤسسات.

خارطة طريق إلى 2028 وترافع مؤسساتي متصاعد

في هذا السياق، كشف رئيس جمعية "سيدتي المغربية" أن هذه الأخيرة وضعت خارطة طريق تمتد إلى سنة 2028، تشمل إعداد قاعدة بيانات وطنية للفتيات المقبلات على مغادرة المؤسسات، وإطلاق دور انتقالية، قبل الترافع من أجل إقرار قانون إطار خاص بـ"ما بعد الرعاية" يضمن المواكبة إلى غاية سن 25 سنة.
كما أشار ضمن التصريح ذاته إلى استعداد الجمعية لرفع مذكرة مطلبية إلى رئاسة الحكومة والبرلمان، تتضمن مراجعة القانون 14.05، وإحداث "صندوق الاستقلال"، وإقرار خطة فردية إلزامية لكل طفل داخل المؤسسة ابتداء من سن 15 سنة، وتشمل المبادرات أيضا إطلاق حملة وطنية تحسيسية تحت عنوان "بر الأمان"، وتأسيس ائتلاف وطني يضم الفاعلين المدنيين والخبراء والشابات المعنيات مباشرة.

بين البرنامج الحكومي والترافع المدني.. نحو تقاطع في الرؤية

يعكس التقاطع بين برنامج "رعاية" والمقترحات المدنية وعيا متزايدا بضرورة إعادة النظر في مرحلة ما بعد مغادرة مؤسسات الرعاية باعتبارها حلقة مركزية في سياسات الحماية الاجتماعية، حيث إن نجاح هذا الورش، وفق فاعلين في المجال، لا يرتبط فقط بتقديم خدمات آنية، بل ببناء مسارات إدماج مستدامة تضمن الكرامة والاستقلالية.
وفي هذا الإطار، شدد بنسليمة على أن المرحلة الراهنة تتطلب تقاطعا أوضح بين السياسات العمومية والمبادرات الميدانية، من أجل ضمان انتقال سلس لهذه الفئة من وضعية الهشاشة إلى موقع الفاعل الاقتصادي والاجتماعي، بما ينسجم مع رهانات النموذج التنموي الجديد والعدالة الاجتماعية.
 




تابعونا على فيسبوك