الأشخاص بدون مأوى بالمغرب.. تحولات تكشف حدود الحماية وتطرح أسئلة الإدمـاج

الصحراء المغربية
الإثنين 27 أبريل 2026 - 12:08

هل نحن أمام ظاهرة وليدة الأزمة الاقتصادية والهشاشة الاجتماعية المتراكمة، أم أن ثمة عوامل بنيوية أعمق تتعلق بانهيار منظومة التضامن الأسري التقليدي، وتحولات القيم داخل المجتمع المغربي، وإخفاقات السياسات العمومية في بناء شبكات الحماية الاجتماعية الفعالة؟

تاريخيا، تعد ظاهرة التشرد قديمة في المغرب، غير أن ارتباطها بالمجال الحضري جعل منها موضوعا للبحث والدراسة من طرف «علم اجتماع التشرد»، حيث فرضت هذه الظاهرة نفسها بقوة خلال ثمانينيات القرن العشرين، في سياق مرحلة التقويم الهيكلي وأزمة السكن التي أعقبت التحولات في البنية الاجتماعية والأسرية، إلى جانب التركيز، آنذاك، على الخصائص الفردية والنفسية لمن كانوا يعرفون بـ»المتشردين» و»المتسولين».
لذلك، شهدت الأبحاث السوسيولوجية بالمغرب حول التشرد تطورا لا بأس به، إذ تمتلك العلوم الاجتماعية ببلادنا اليوم رصيدا معرفيا مهما في هذا المجال، ساهم في بنائه المتخصصون في الخدمة الاجتماعية، الذين يسعون إلى فهم وتطوير ممارساتهم، إلى جانب الباحثين في علم الاجتماع وباقي العلوم الإنسانية الأخرى، ويظهر ذلك تنوعا في المقاربات النظرية والمعرفية والمنهجية، ومن المهم أن تتعزز هذه الدينامية البحثية بما يدفع نحو المساهمة في بناء رؤى جديدة.

ومن خلال الملاحظة، نسجل وجود دوافع ذاتية وموضوعية تقف وراء ظاهرة الأشخاص بدون مأوى، وما يرتبط بها من قضايا الجنوح والإدمان والعزلة والاضطرابات النفسية، التي ما تزال قائمة إلى اليوم، رغم التنوع الكبير في فئات المعنيين ومسارات تهميشهم، فقد كشفت ثمانينيات القرن العشرين عن بروز ما يعرف بـ»الفقراء الجدد»، وهو ما تعمق أكثر مع توالي الأزمات الاقتصادية إلى حدود المرحلة الراهنة.
لذلك، يتجه البحث السوسيولوجي إما نحو تحليل العوامل الهيكلية (الاجتماعية والاقتصادية) التي تسهم في الإقصاء والعزلة الاجتماعية، أو نحو فهم التجربة المعيشية للفقر والحرمان الاجتماعي، كما تتجلى في الاستفادة من برامج الرعاية الاجتماعية، أو نحو التركيز على تحديد الأسباب الكامنة وراء الإقصاء.

تكشف الدراسات الاجتماعية في سياقات مقارنة أن ظاهرة التشرد لا تصيب فئة اجتماعية واحدة، بل تطال أطيافا متعددة، من ضحايا التفكك الأسري إلى المرضى النفسيين المهملين، ومن المهاجرين غير النظاميين، إلى الشباب الهارب من بيئات هشة.

فكيف تقرأون سوسيولوجيا خريطة هذه الفئات في السياق المغربي الراهن؟ وهل تغير ملمح الشخص بدون مأوى في المغرب خلال السنوات الأخيرة، بمعنى هل باتت الظاهرة تمس فئات كانت تعد في منأى عنها كالشباب والنساء وحتى أصحاب المستوى التعليمي المتوسط؟

في القانون الجنائي المغربي، يعاقب على جريمتي التشرد والتسول، ومع ذلك يظهر الواقع أن ردود الفعل الاجتماعية تجاه الفقر تراوحت باستمرار بين الإدانة والشفقة؛ إذ ما يزال هناك من يرفض وجود الأشخاص بدون مأوى ويرى في ذلك مبررا للعقاب، في حين يطالب آخرون بإلغاء تجريم هذه الوضعيات وإصلاح القانون الجنائي، خصوصا بعد تفاقم الظاهرة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وهو ما استدعى تقديم خدمات اجتماعية ذات طابع استعجالي.

لذلك، نلاحظ هيمنة مصطلح «المشردون»، خاصة عند الإشارة إلى فئة كبار السن الذين استقروا في الفضاءات العامة، نتيجة العزلة الاجتماعية والتدهور العقلي اللذين يلاحظان لدى هذه الفئة، ومع التحولات التي شهدتها المدن الكبرى، أصبح الأشخاص بدون مأوى أكثر تنوعا، ما ساهم في إبعاد الفهم المجتمعي عن إدراك التعقيد الحقيقي للظاهرة.
كما أن التطورات التي شهدتها هذه الظاهرة دفعت إلى بروز مبادرات جماعية وفردية، بما في ذلك تدخلات الدولة، غير أنها تظل دون مستوى تطلعات المواطن المغربي، الذي يعزو استمرار الإشكال إلى ضعف منظومة الرعاية الاجتماعية.

يتعامل الخطاب الرسمي في الغالب مع ظاهرة الأشخاص بدون مأوى من زاوية الاستجابة الطارئة والإيواء المؤقت، هل هذا الإجراء ساهم في التخفيف من الظاهرة؟

في الواقع، من الضروري دراسة الأشخاص بدون مأوى «في بيئتهم الطبيعية»، أي ضمن سياق حياتهم اليومية، زمانيا ومكانيا، ومن خلال تفاعلاتهم الاجتماعية، دون إغفال التطرق إلى تجارب النساء بدون مأوى، بالنظر إلى هشاشتهن المتزايدة، وآليات التكيف الخاصة بهن في الآن ذاته، وهو ما يفتح آفاقا للتأمل في هذه الظاهرة وعلاقتها بما يمكن تسميته بـ»مسارات البقاء النسائية»، وبمسألة الهوية التي تختبرها النساء خلال تجربة العيش في الشارع على المدى الطويل.
وبعيدا عن اختزالهن في صورة المنبوذات اجتماعيا أو المعدمات تماما، فإن النساء بدون مأوى، بكل تنوعهن، يطورن أنماطا من التكيف والتأقلم مع فضاء الشارع، ويكتسبن مهارات للبقاء، ترتبط بالقدرة على تدبير واقعهن المعقد، وبأشكال التوزيع المكاني لوجودهن، فضلا عن العلاقات الاجتماعية التي ينسجنها مع غيرهن، والتي تتسم أحيانا بالتضامن وأحيانا أخرى بالصراع، كما أن التثبيت المكاني والزماني لهذه الفئة يفرز نوعا من البنية الأخلاقية الخاصة بهذا العالم، أي منظومة من القيم المشتركة التي تتشكل بفعل التواجد المستمر في الشارع، وتسهم في هيكلة الواقع الجماعي الذي يعشن ويعيش فيه.
فالأشخاص بدون مأوى إما أن يعيشوا في الشارع بشكل مؤقت أو دائم، وقد يكرس بعضهم وقته وهويته لعالم الشارع، وفي هذا السياق، يستخدم مصطلح «التشرد» لوصف فئات من الشباب الفقراء الذين يتعاطون المخدرات، ويتنقلون باستمرار، ويترددون على المهرجانات والمواسم الدينية وأماكن الاحتفالات، وتشكل هذه الفئات تحديا لأنظمة الدعم المؤسسي المقدمة لهم، لكونهم في الغالب شبابا انقطعت صلاتهم بأسرهم، وكان لبعضهم ارتباط سابق بمؤسسات حماية الطفولة، ويعانون من سلوكيات منحرفة، وإدمان المخدرات، ومسارات تنشئة اجتماعية مهمشة.
لذلك، وبدل الاقتصار على المقاربة الأمنية التي تختزل الظاهرة في مجرد إشكال مرتبط بالنظام العام، فإن المغرب، اليوم وغدا، مدعو إلى التعامل مع هذه الظاهرة انطلاقا مما توفره العلوم الاجتماعية من أدوات تحليل ومقترحات عملية موجهة لصانع القرار، حتى لا تظل هذه الفئة الإنسانية الهشة رهينة الإقصاء والتهميش المزدوج، ذلك أن مسألة مغادرة الشارع تتطلب آليات تدخل فعالة، وإحداث مراكز إيواء تحفظ الكرامة الإنسانية، وتعزيز خدمات المساعدة الاجتماعية والطبية المتخصصة، في إطار سياسة عمومية مدعومة ماليا. فالأشخاص الذين يعانون من التشرد، سواء بشكل مؤقت أو دائم، يظلون مواطنين يعيشون أوضاعا هامشية ضمن عالم الشارع، في ظل أشكال تنظيمية خاصة، دون أن يعني ذلك انقطاعهم التام عن الانتماء إلى المجتمع.

في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي يعرفها المغرب، تبرز ظاهرة الأشخاص بدون مأوى كأحد المؤشرات الدالة على تعمق الهشاشة الاجتماعية واتساع الفوارق المجالية، خصوصا داخل كبريات الحواضر. من الدار البيضاء إلى الرباط والقنيطرة ومراكش وطنجة، لم يعد حضور هذه الفئة في الفضاء العام مجرد حالات معزولة، بل تحول إلى مشهد يومي يطرح أسئلة ملحة حول نجاعة السياسات العمومية، وحدود منظومة التضامن التقليدي، وبالرغم من أن الظاهرة ليست جديدة في السياق المغربي، فإن امتداداتها الراهنة تكشف عن تحولات بنيوية تتجاوز التفسيرات الاختزالية المرتبطة بالفقر أو الانحراف الفردي، لتلامس إشكالات أعمق تتعلق بتفكك الروابط الأسرية، وتراجع أدوار الوساطة الاجتماعية، واختلالات منظومة الحماية الاجتماعية. في هذا الحوار، الذي خص به «الصحراء المغربية»، يقدم عالم السوسيولوجيا رشيد بكاج قراءة تحليلية لخريطة الأشخاص بدون مأوى بالمغرب، مستنطقا تطور الظاهرة وتعدد فئاتها وحدود المقاربات المعتمدة في تدبيرها، بين منطق الإيواء الظرفي ورهانات الإدماج المستدام. تتصاعد في المدن المغربية الكبرى، من الدار البيضاء إلى الرباط ومراكش وطنجة، ظاهرة الأشخاص بدون مأوى بشكل لافت ومقلق، في مشهد بات يستوقف المارة ويثير تساؤلات المجتمع، من المنظور السوسيولوجي.
 




تابعونا على فيسبوك