رغم مظهرها الذي لا يوحي بالخطر والترويج لها على كونها بديل للتدخين يساعد المدخنين على الإقلاع عنه، إلا أن مادة "الكالة"، التي تباع علنا في محلات بيع التبغ بأسعار زهيدة لا تتجاوز 50 درهما للعلبة الواحدة، تحولت إلى مصدر قلق للأسر وللمؤسسات التعليمية، بعد تسجيل إقبال متزايد عليها من طرف الأطفال والمراهقين.
منتج زهيد يخفي مخاطر كبيرة
خلال جولة في عدد من محلات بيع التبغ وسط مدينة القنيطرة، عاينت "الصحراء المغربية" رفوفا ممتلئة بعلب صغيرة موضوعة بجانب البخاخات الإلكترونية وعلب السجائر، وتتميز هذه العلب بألوانها المختلفة وتباع بسعر 50 درهما للعلبة الواحدة التي تحتوي على 30 كيسا بنكهات متنوعة، من بينها النعناع والليمون والفراولة، وتروج في الأسواق على أنها وسيلة للمساعدة على الإقلاع من التدخين.
إلا أن هذه المنتجات التي أضحت تجذب شريحة واسعة من الزبائن، تخفي وراء غلافها الجذاب مخدر بدأ ينتشر بقوة بين التلاميذ والمراهقين، يعرف باسم "الكالة" وهي مادة تؤدي إلى تنميل عضلات الوجه وارتخاء الجسم وتشويش الإدراك، وصولا إلى الإدمان السريع في حال الاستعمال المتكرر.
وحسب المعطيات التي استقتها "الصحراء المغربية" فإن "الكالة" تتضمن تبغا غير معالج أو بقايا مسحوق التبغ، إلى جانب كميات مهمة من النيكوتين يفوق بكثير ما تحتوي عليه السجائر، وكذلك منكهات صناعية وموادا مساعدة لرفع سرعة الامتصاص، فضلا عن مركبات كيميائية محفزة.
وحسب أحد التجار، تعرف "الكالة" في الأصل باسم "سنوس Snus"، وهو منتج سويدي المنشأ يخضع في بلده لمراقبة صحية دقيقة وضبط صارم لجرعات النيكوتين، وأضاف المتحدث ذاته أن النسخة المنتشرة وطنيا تختلف تماما، إذ تصنع بطريقة غير مراقبة باستعمال تبغ منخفض الجودة، ومنكهات اصطناعية ومواد كيميائية مجهولة المصدر، ما يجعلها أكثر خطورة على المستهلكين، خاصة الشباب والمراهقين.
من جهته، أكد محمد (اسم مستعار)، صاحب محل لبيع منتجات التبغ، أن بيع "الكالة" يتم بطريقة قانونية، وأن العلب التي تحتوي على هذه المادة تأتي من موردين معروفين، مشيرا إلى أن أغلب زبائنها من البالغين الذي يبحثون عن بديل للتبغ أو وسائل للتقليل من التدخين، وشدد على أنه لا يبيع هذه المادة للأطفال أو المراهقين، موضحا أنه لا يملك وسيلة لمراقبة ما يحدث خارج أسوار محله، ما يجعل وصول المادة إلى القاصرين أمرا ممكنا.
شهادات مستهلكي "الكالة"
وحسب تصريحات بعض المتعاطين الحاليين والسابقين لهذه المادة، فإن تأثير "الكالة" يعمل عند وضع الكيس بين الشفة واللثة أو بين أصابع الأقدام، حيث يتم امتصاص محتوى الكيس بسرعة، مما يحدث لدى المستهلك إحساس بتنميل على مستوى الفك والشفاه وارتخاء تام للعضلات وتباطؤ ردود الفعل، وشعور بنشوة لحظية، وهو ما يجذب الأشخاص لتعاطي هذه المادة غير أنها سرعان ما تحدث لدى المستهلك إدمانا، حيث بمجرد زوال التأثير يحتاج هذا الأخير لاستهلاك مزيد من "الكالة".
وفي هذا الصدد، قال عصام، البالغ من العمر 31 سنة، في تصريحه لـ"الصحراء المغربية"، إنه جرب مادة "الكالة" لأول مرة حين كان في التاسعة عشرة من عمره ويدرس في الثانوية، وأوضح أنه شعر فور تناوله "الكالة" بدوخة و"تخدير" على مستوى الوجه، وتسارع في ضربات القلب، مما أثار لديه شعورا بالخوف الشديد والإحساس بأن نهايته اقتربت، على حد تعبيره، وأكد عصام أن هذه التجربة دفعت به إلى الامتناع نهائيا عن استخدام هذه المادة.
من جهتها، قالت إيمان، 18 سنة، إن العديد من زملائها في الثانوية يستهلكون مادة "الكالة" بسبب تأثيرها الفوري في إحداث شعور بالنشوة، وأشارت إلى أن بعضهم يتعاون لشراء علبة واحدة محلات البقالة أو محلات بيع منتجات التبغ، ومن ثم يقتسمون الأكياس فيما بينهم، وغالبا ما يختارون الأكبر سنا بينهم للذهاب إلى هذه المحلات لشرائها، حيث تتوفر بنكهات متعددة وبأسعار مناسبة لهم، كما أوضحت أن بعض التلاميذ الذين يتعاطون "الكالة" يدخلون إلى القسم وهم في حالة شرود، مما يثير استياء عدد من الأساتذة.
من جانبه، تحدث مروان، الطالب الجامعي في عشرينيات من عمره، إلى "الصحراء المغربية" عن تجربته الأولى مع مادة "الكالة"، قائلا إنه عندما كان في السلك الإعدادي دفعه الفضول لتناول هذه المادة بحثا عن شعور جديد بين أقرانه، ومع مرور الوقت، أصبح يعتمد على تعاطي "الكالة" يوميا، حيث أدى به الأمر إلى إدمان قوي على هذا المنتج.
وأوضح المتحدث ذاته أن تعاطيه المستمر لمادة "الكالة" أثر على تركيزه وجعله سريع تقلب المزاج، كما أنه يشعر بالتوتر والقلق عندما يتأخر عن تناول جرعته اليومية، حيث يتراوح استهلاكه من ثلاث إلى خمس أكياس يوميا، وأشار إلى أن هذا الإدمان غير علاقاته بمحيطه الاجتماعي، وجعله يفضل العزلة والانفراد بـ"المخدر" الذي يمنحه شعورا زائفا بالمتعة والاسترخاء.
وأكد مروان في ختام تصريحه أنه يدرك تماما أن هذه المادة تؤثر بشكل كبير على حياته اليومية وصحته، لكنه يجد صعوبة بالغة في الإقلاع عنها، مشيرا إلى أن الفضول الذي بدأ به تحول إلى سجن نفسي وجسدي لا يستطيع التخلص منه بسهولة.
الدكتور حمراس: منتجات النيكوتين غير المحروق مثل السنوس والكالة يهدد الصحة العامة ويفتح أبواب السرطان
حذر الدكتور عصام حمرراس، أخصائي جراحة الجهاز الهضمي والجراحة العامة، من المخاطر الصحية الجسيمة التي تنطوي عليها منتجات النيكوتين كالسنوس والتبغ غير المحروق، مؤكدا أن غياب عملية الاحتراق لا يعني غياب الخطر، حيث أوضح أنه من الناحية الكيميائية، تحتوي هذه المنتجات على مزيج من المواد الضارة، أبرزها النيكوتين، والنيتروزامين ذو الخصائص المسرطنة القوية، إضافة إلى المعادن الثقيلة والمركبات القلوية التي تعزز امتصاص هذه المواد، وتدخل هذه المكونات الجسم عبر الغشاء المخاطي للفم، ثم تبتلع مع اللعاب لتصل مباشرة إلى المعدة والأمعاء.
وعلى صعيد تأثيرها في الجهاز الهضمي، أوضح الدكتور حمرراس في تصريحه لـ"الصحراء المغربية" أن النيكوتين ينشط الجهاز العصبي اللاإرادي، مما يرفع إفراز الأحماض المعدية وينشط إنزيم البيبسين، فيهيج الغشاء المخاطي للمعدة ويفضي إلى التهابها وقرحتها، فضلا عن ذلك، يضيق النيكوتين الأوعية الدموية فيقلل تدفق الدم إلى جدار المعدة، ويثبط إفراز المخاط والبيكربونات اللذين يشكلان درع الحماية الطبيعي للمعدة، مما يجعلها أكثر عرضة للتقرح والالتهاب المزمن.
كما نبه الطبيب الأخصائي إلى أن هذه المواد تلحق أضرارا بالخلايا المخاطية وتخل بالتوازن الدقيق لبكتيريا الأمعاء النافعة، وهو ما يترتب عنه عواقب صحية واسعة، تشمل آلام البطن والانتفاخ واضطرابات الترز، إلى جانب مخاطر الإصابة بسرطاني المريء والبنكرياس.
وفي معرض مقارنته بالتدخين التقليدي، أوضح الدكتور حمرراس بأن هذه المنتجات لا تسبب سرطان الرئة نظرا لانعدام الاحتراق، غير أن ذلك لا ينفي خطورتها، إذ تزيد من احتمالية الإصابة بسرطاني البنكرياس والمريء إذا ما تم استهلاكها إلى جانب السجائر العادية، كما تفضي إلى إدمان شديد بسبب ارتفاع تركيز النيكوتين فيها، وأكد في ختام تصريحه على أن استبدال التدخين بهذه المنتجات ليس حلا آمنا، والخيار الأمثل للصحة العامة وصحة الجهاز الهضمي يبقى الإقلاع عن جميع أشكال التبغ دون استثناء.
قراءة أنثروبولوجية لظاهرة "الكالة": بين الممارسة الاجتماعية والموضة الشبابية
أبرز السوسيولوجي صلاح الدين بوماري، والمكلف بقطب التكوين والمواكبة في جمعية اليمامة للحد من مخاطر الإدمان ومساندة نزلاء الإصلاحيات، أن مخدر الكالة يعد أحد أبرز الممارسات الاجتماعية والثقافية المتجذرة في السلوك اليومي لدى بعض الفئات، مشيرا إلى أن الممارسة ازدادت ظهورا مؤخرا بعد تعديلها وتحسين طرق استعمالها وفق منطق العرض والطلب، لتتحول إلى سوق تداول نشط بين فئات عريضة من الشباب.
وأفاد بومارى أن الكالة في التداول الشعبي تحيلنا إلى آلية "التعديل والتوقيف"، أي تعديل الحركة والحد من الانحراف، وهي ممارسة متداولة في مجال النقل والتنقل، وأضاف أن هذه الممارسة تشبه موقف الشاحنات والسيارات بعد الركن، حين يضع السائق حجرا أو قطعة خشب لتفادي أي خطأ ميكانيكي أو خلل في نظام الفرامل، فتعتبر عملية احترازية، وأوضح أن الدلالة الاجتماعية للكالة تشبه هذه العملية الاحترازية، حيث يمارسها الناس كترويض للجسد وضبط الإيقاع اليومي، مشيرا إلى أن غالبية الشعوب المتفردة بثقافتها المحلية لديها ممارسات مشابهة، مثل مضغ نبتة القات في اليمن أو استخدام أوراق التبغ في بعض المجتمعات اللاتينية لخلق حالة من الانتشاء والاسترخاء.
وقال المكلف بقطب التكوين والمواكبة في جمعية اليمامة للحد من مخاطر الإدمان، إن الكالة مادة تبغية مطحونة، مكونة من النيكوتين ممزوجا بالكيف، توضع داخل ورقة شفافة وخفيفة بين الشفة واللثة العليا للفم، وأحيانا بين أصابع الأرجل، ما يطرح تساؤلات حول فعالية مكان الاستعمال مقارنة بالسيجارة أو الشيشة، موضحا أن دور الكالة الحيوي يشبه دور الخشب والحجر في عملية الفرملة، حيث يخلق التفاعل بين المادة والفم، وهو جهاز استشعاري طبيعي، إحساسا بالانتشاء والاسترخاء لدى المتعاطي.
وأضاف أن الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للكالة متعددة، فهي تدخل ضمن ما يعرف بـ"اقتصاديات التبغ الممزوج"، إذ تباع بكثرة وبسعر زهيد، مما يوسع قاعدة مستهلكيها دون وجود دراسات رسمية دقيقة حول أضرارها، وأوضح أن استعمال الكالة يشبه، مجازيا، وضع قطعة خشب خلف عجلات الشاحنة، فهي وسيلة لفرملة الجسد وضبط السرعة اليومية وتجنب المشاكل، كما يلاحظ ذلك في سلوك بعض "السائقين"، الذين يستخدمون الكالة لتحسين المزاج والتخفيف من حدة المشادات أثناء العمل.
وقال بوماري إن الأضرار الرئيسية للكالة تتركز على الفم واللثة والشفاه والأعضاء الحسية المرتبطة بها، إضافة إلى تأثيرات على الجهاز الهضمي، لكنها أقل خطورة مقارنة بالمخدرات الصلبة، لأنها تؤثر داخل الجسم دون أن تسبب العنف أو الجرائم المباشرة، بخلاف المخدرات الأخرى، مثل البوفا او المخدرات الصلبة، وأوضح أن بعض الأطباء اقترحوا في الآونة الأخيرة أنواعا من الكالة المسوقة بنكهات معلبة، تشبه المبخرات الكهربائية، للاستعمال ضمن بروتوكولات علاجية، لكنها قد تفتح الباب أمام الإدمان المفرط إذا غابت الثقافة والوعي بالمخاطر.
وأكد المتحدث ذاته أن مجتمع الكالة أصبح "مجتمعا سائلا"، إذ لم تعد مرتبطة بفئة محددة، بل امتدت لتشمل اللاعبين الرياضيين، وسائقي السيارات، والمراهقين، تحت تأثير الإشهار ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت إلى موضة اجتماعية وأداة لإثبات الذات، على غرار مفهوم "أنا أتعاطى إذن أنا موجود".