قال حسن طارق، وسيط المملكة، أن المؤسسة عبرت لرئيس الحكومة عن تحفظها إزاء الاقتصار على المساطر الإلكترونية للولوج إلى برامج الدعم الاجتماعية، ما يشكل عائقا أمام الفئات الهشة أو المتضررة من "الشرخ الرقمي"، معلنا أن سنة 2026 ستكون "سنة الوساطة المرفقية".
وحذر وسيط المملكة، خلال اللقاء المفتوح حول "الوساطة المؤسساتية: من الحماية إلى الحكامة"، الذي نظمه مختبر القانون والحقوق بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، يوم الجمعة 27 فبراير 2026، مما وصفه بـ"الخطاب الانبهاري" الذي يحتفي بالتكنولوجيا دون استحضار آثارها الحقوقية والاجتماعية، واعتبر أن تحول القرار الإداري من قرار بشري كامل إلى قرار تنتجه خوارزميات "خيار غير منصف في ظل هشاشة اجتماعية ورقمية"، لكون الخوارزميات "قد تنتج عدالة رقمية، لكنها لا تنتج الإنصاف الإنساني القائم على فهم السياق والاستثناء والبعد الاجتماعي، وهو ما يقتضي إخضاع القرارات المرفقية لإشراف بشري فعلي ومعايير شفافة".
وكشف أن حوالي 51 في المائة من التظلمات تصل للمؤسسة عبر الوسائل الإلكترونية، غير أن التحليل أظهر أن المستفيدين هم أساسا من سكان المدن الكبرى، ومن ذوي التعليم المرتفع، ما يعكس استمرار "الشرخ الرقمي"، مشددا على أن التحول نحو ما سماه بـ"دولة المنصات" لا ينبغي أن يؤدي إلى إفراغ القرار الإداري من بعده الإنساني.
ولفت إلى أن النقاش المغربي حول الرقمنة يتسم أحيانا بخطاب احتفالي "يكاد يكون طفوليا"، في مقابل تخوفات حقيقية تعبر عنها دول أوروبية بشأن السيادة الرقمية. مؤكدا أن وظيفة المؤسسة ليست التصفيق للفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، بل التفكير فيه من زاوية حماية حقوق المرتفقين والإنصاف.
وخلال اللقاء الذي نظم في سياق تخليد مرور ربع قرن على الوساطة بالمغرب، ضمن برنامج "حوار المؤسسات"، صحح حسن طارق الخلط بين "الاقتراح" و"التوصية". ففي بعدها الحكاماتي، تمارس المؤسسة اقتراحا وتفاعلا مع الحكومة ضمن تمرين مؤسساتي يقوم على التكامل. أما في بعدها الحمائي، فالأمر مختلف، مشيرا إلى أن توصيات الوسيط قرارات صادرة عن مؤسسة دستورية باسم القانون، وليست للاستئناس وأن الإدارة ملزمة بتنفيذها.
وكشف، أيضا، أن التقرير الأخير للمؤسسة لسنة 2024، سجل ما يقارب 2800 ملف معالج، تم بشأنها إصدار نحو 1800 قرار تسوية، كما عرفت إصدار 146 توصية، نفذ منها 100، فيما لا تزال 46 في طور التنفيذ، معتبرا أن هذه النتائج تعكس تطورا في منسوب التفاعل الإيجابي للإدارة مع قرارات المؤسسة.
كما توقف وسيط المملكة عند آلية «المخاطب الدائم» المعين داخل القطاعات الوزارية، مبرزا أنها تشكل حلقة وصل أساسية بين المؤسسة والإدارة، وغالبا ما تسند مهمة المخاطب الدائم إلى المفتش العام للوزارة المعنية.
وأكد أن هذه الآلية، التي تطورت منذ ظهير إحداث ديوان المظالم سنة 2001، وتعززت بمقتضيات قانونية تنظيمية، ليست دفاعا عن الإدارة ولا اصطفافا مع المؤسسة، بل آلية تهدف لتعزيز حكامة المرافق، وضمان تتبع فعال للتوصيات وإعداد تقارير سنوية قبل متم شهر فبراير من كل سنة، بما يسمح بمعالجة الاختلالات المرفقية بشكل استباقي.
وعلى المستوى الترابي، شدد حسن طارق على أن تقريب خدمات الوساطة من المواطنين يمثل أولوية استراتيجية، معلنا عن توسيع شبكة التمثيليات الجهوية، عبر إحداث مندوبية بجهة درعة تافيلالت ونقطة اتصال بجهة كلميم، في أفق استكمال التغطية المجالية ضمن المخطط الاستراتيجي 2026-2030.
كما أشار إلى أن طبيعة التظلمات شهدت تحولا من شكايات فردية نمطية إلى ديناميات جماعية مرتبطة بالسياسات العمومية، مستحضرا تجربة تدخل المؤسسة في بعض الملفات ذات البعد القطاعي والاجتماعي، في إطار السعي إلى بناء مناخ الثقة بين الإدارة والمرتفقين، باعتباره شرطا لتعزيز الاستثمار والاستقرار الاجتماعي. وخلال اللقاء، الذي أشرف على تقديمه الدكتور سعيد خمري، رئيس المختبر، وسيره الدكتور والأستاذ الجامعي عمر الشرقاوي، بحضور محمد شادي، عميد الكلية، وثلة مميزة من الأساتذة الجامعيين والطلبة الباحثين، ركز حسن طارق على التحولات التي عرفتها مؤسسة الوسيط منذ إحداث ديوان المظالم سنة 2001، وصولا إلى دسترة المؤسسة بموجب دستور 2011 وإعادة تنظيمها في إطار مؤسسة وسيط المملكة، بما عزز استقلاليتها ومكانتها داخل البناء الدستوري، ومكنها من لعب دور مركزي في حماية حقوق المرتفقين وتعزيز ثقافة الحكامة داخل الإدارة.
واختتم اللقاء بالإعلان عن إطلاق قافلة «جسور الحكامة» بين المؤسسة والجامعات، انطلاقا من المحمدية ثم الجديدة وفاس. كما أعلن أن سنة 2026، بمناسبة مرور 25 سنة على إحداث الوساطة المؤسساتية بالمغرب، ستكون "سنة الوساطة المرفقية"، وستشهد إطلاق جائزة للباحثين الشباب في موضوع الوساطة المرفقية، وإصدار ببليوغرافيا محينة للأعمال الأكاديمية، مع دعوة طلبة الماستر والدكتوراه إلى الانخراط في هذه الدينامية البحثية.