في غرفتها بعد الإفطار، تفتح كنزة، طالبة جامعية في كلية الآداب والفنون واللغات بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، كتاب "مغربي في نيويورك" للكاتب يوسف أمين العلمي، الصادر بالفرنسية، تقول "اخترت هذا الكتاب في رمضان لأن فيه شيئا يشبه الغربة الداخلية التي يشعر بها الإنسان حين يصوم، يوسف العلمي يكتب بالفرنسية لكنك تحس بالمغرب في كل سطر، رائحة الخبز، ذاكرة الطفولة، سؤال الهوية، رمضان يجعل هذا النوع من القراءة أعمق، كأن الصيام يفتح في الروح نافذة إضافية".
من جهتها، تقول مريم، أم وربة بيت، إنها بعد أن ينام الجميع، تجلس في ركن هادئ من البيت وأمامها المصحف الشريف، هذا طقسها الرمضاني منذ سنوات، مشيرة إلى أن قراءة القرآن في رمضان ليس مجرد عبادة بالنسبة لها بل تدبر لمعاني الآيات وتخشع، وقالت إنها حين تقرأ آية عن الصبر أو الرحمة في هذا الشهر، تحسها في قلبها قبل عقلها، وأكدت أن قراءة القران الكريم في الشهر الفضيل ووقت الصيام له طعم آخر حيث يفتح الروح ويجعلها أكثر قبولا للمعنى.
كل عام، قبل بداية رمضان بأيام، يجلس كريم أستاذ جامعي ليعد قائمة كتبه للشهر، هي عادة اكتسبها منذ سنوات حيث يختار أن يقضي الشهر الفضيل في المطالعة وقراءة الكتب، وأشار مازحا أن زوجته تقول له إن قائمة كتبه أطول من قائمة مشترياتها، موضحا أن وضع قائمة الكتب التي سيقرأها في رمضان تمثل بالنسبة له عبادة أيضا، وقائمته لهذا العام تضم في الفكر الإسلامي "إحياء علوم الدين" للغزالي و"المقدمة" لابن خلدون، "اللعبة والنسيان" لمحمد برادة، إضافة إلى كتب في التأمل والتاريخ، واختتم تصريحه لـ"الصحراء المغربية" قائلا إن رمضان يعلمنا أن الانضباط ليس فقط في الأكل والشرب، بل في كيف تغذية عقولنا أيضا.
رشيد بكاج، عالم سوسيولوجيا: القراءة ظاهرة اجتماعية تكشف تباينات المجتمع المغربي
تكتسب القراءة جاذبية خاصة خلال شهر رمضان، بصفتك عالم سوسيولوجيا، كيف تفسر هذه الظاهرة؟
لطالما كانت القراءة جذابة للقراء، لما تقدمه من فوائد جمة، إلا أن ربطها بشهر رمضان يثير تساؤلات حول تحدياتها، ففي المغرب، الذي يتسم بانتشار الهواتف المحمولة والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب واقع اقتصادي صعب ونسب أمية مقلقة، يثير مصير القراءة مخاوف عديدة، والسوسيولوجي يلعب دورا محوريا في فهم مثل هذه الظواهر الاجتماعية التي تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة وسهلة الفهم، لأن فهم الظواهر الاجتماعية يتطلب تقييم العادات، ومراعاة كيفية بناء تفسيراتها اجتماعيا.
من الضروري دراسة دور القراءة في المجتمع المغربي وتطوره، وفي هذا السياق يمكن أن نتساءل عن كيفية جعل القراءة متاحة اليوم للجميع من خلال دمجها في إطار تطور المجتمع المغربي، إن القراءة باعتبارها عملية لفك رموز نص ما، سواء تعلق الأمر بالقدرة على قراءته بصوت عال أم بفهم معناه، لا بد أن يؤخذ سياقها وحقبتها بعين الاعتبار، لأن لكل حقبة مفهوما معينا للقراءة، وربط القراءة بشهر رمضان يمثل فرصة للوقوف على مفهومها الخاص، وأيضا لفهم التباينات الاجتماعية المرتبطة بهذه الممارسة، من هم القراء؟ ما الاختلافات في عاداتهم القرائية تبعا لخلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية؟ وما تأثير العمر والجنس والطبقة الاجتماعية على أسلوب القراءة؟ خلال رمضان، تكتسب هذه الأسئلة بعدا خاصا، إذ تتيح لنا فرصة دراسة تجربة القراءة وتطويرها، وفهم أهميتها ليس للقارئ وحده بل لمن حوله وللمجتمع ككل.
ما الشروط التي تجعل القراءة ممكنة خلال رمضان؟
هي نفس الشروط دائما، أولا الأسرة، لأن توجيه الآباء لأبنائهم نحو القراءة أمر أساسي، فالأسر التي لا تضم كتبا تفتقر إلى عنصر محوري في النمو الفكري، ثم المدرسة بما تحمله من دور تربوي وبيداغوجي، ووسائل الإعلام لتقريب الكتاب من القارئ، دون أن ننسى سياسة الدولة في هذا المجال، وينبغي أيضا ربط فعل القراءة بأصحاب المكتبات الذين يكرسون عملهم ضمنيا للقارئ، هؤلاء الذين إما لا نعرف عنهم الكثير أو نظن أننا نعرف كل شيء عنهم.
ومع ذلك، ثمة فجوة بين ما يتصور في المخيال الاجتماعي عن القارئ المثالي والقراء الذين يمارسون القراءة فعلا، ويمكن القول إن رمضان يسمح بالقراءة أكثر، لا سيما النصوص الدينية وفي مقدمتها القرآن الكريم، غير أن الحقيقة أن كل ما يقرأ لا يندرج تحت مظلة "القراءة" بمفهومها الثقافي الكامل، ويبقى قراء الكتاب الأدبي والروائي هم من يحتفظون بسلطة تسمية هذه الممارسة وتصنيفها.
هل تمكن القراءة في رمضان من معرفة عميقة؟
العقل البشري يتغذى من خلال القراءة، ولمعرفة كيف يبنى المجتمع لا بد من العودة إلى القراء ونوعية الكتب التي يقرؤونها، لا أعلم إن كانت القراءة خلال رمضان تتميز عن غيرها من حيث التأثير الفكري، والدعوة إلى القراءة كما وردت في القرآن جاءت عامة، وإن كان الانطباع الأول يعطي الأولوية للاستماع خلال رمضان كالاستماع إلى الدروس الدينية والقصص التي تروى، فإن من المؤكد أن تجربة الإنسان مع القراءة تمكنه من المعرفة العميقة، لأن القراءة تتيح بانتظام فرصة مقارنة الأفكار وتطوير الرؤية الثاقبة واستكشاف مصادر المعرفة الغنية، ولولا القراءة لما بلغت الإنسانية ما بلغته.
في تقديري الشخصي، تأثير القراءة مرتبط بمعرفة كيف تقرأ، فمعرفة القراءة تعني إتقان القدرة على فك رموز الكلمات وفهم معانيها وتفسير النصوص في سياقها المحدد، واكتساب مهارات التفاعل مع النص واستيعاب دلالته، وهذا لا يأتي لأي كان، بل يأتي نتيجة المواظبة على القراءة، ولذلك كثيرا ما تعرف القراءة على أنها مسيرة ومسار لا نهاية له.
كيف نختار ما نقرأ؟
القراء متنوعون، منهم من يقرأ ليتعلم، ومنهم من يقرأ ليطور التفكير النقدي، أو ليحفز خياله، أو ليسترخي، أو ليوسع آفاقه، أو ليكون آراءه الخاصة، كل هؤلاء يؤثثون مشهد القراءة، وثمة وسائل عديدة لاختيار ما تقرأ، منها الاحتكاك بمن يقرؤون، وإعادة النظر في الكتب والمجلات التي لديك، واستشارة أصحاب المكتبات، والبحث في دور النشر، خلاصة القول إن القراءة استثمار مربح دائما.