في أكتوبر 2018، اتخذ المغرب قرارا جوهريا بتثبيت توقيته القانوني عند غرينتش +1 طيلة العام، منهيا بذلك نظام التغيير الموسمي للساعة، هذا القرار قدم آنذاك باعتباره مكسبا اقتصاديا للمواءمة مع أوروبا وتوفيرا في الطاقة، غير أن ورقة تحليلية جديدة صادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) تحمل عنوان "السيادة الزمنية بالمغرب"، كشفت، بعد أكثر من سبع سنوات على هذا القرار، أن الفاتورة الحقيقية لهذه الساعة الإضافية تتجاوز بكثير ما يروج له من مكاسب.
19 دقيقة نوم.. كل ليلة
يخلص التقرير إلى أن العيش في الجانب الغربي من منطقة زمنية، وهو وضع المغرب تحديدا مع توقيت غرينتش +1، يرتبط علميا بفقدان ما متوسطه 19 دقيقة من النوم كل ليلة، وبزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والسمنة، ويعد المراهقون الفئة الأكثر تضررا، إذ يوثق التقرير فقدانهم ما يصل إلى 32 دقيقة نوم إضافية يوميا بسبب التوقيت الصيفي الدائم، مما ينعكس سلبا على تحصيلهم الدراسي ويقظتهم في الفصول.
ويستند التقرير في هذه الخلاصات إلى دراسات محكمة معتمدة دوليا، أبرزها دراسة Giuntella & Mazzonna (2019) التي اعتمدت تصميم الانحدار المتقطع لإثبات أثر الموقع الجغرافي ضمن المنطقة الزمنية على الصحة، فضلا عن توصية الأكاديمية الأمريكية لطب النوم والجمعية الأوروبية للساعة البيولوجية باعتماد التوقيت القياسي الدائم، أي توقيت غرينتش بالنسبة للمغرب، باعتباره الخيار الأمثل صحيا.
الصباح المظلم وأرواح على الطريق
على صعيد السلامة الطرقية، تشير الدراسة إلى ارتباط قوي بين الصباح المظلم الناجم عن التوقيت الصيفي الدائم وارتفاع وفيات حوادث السير بنسب تصل إلى 21.8 في المائة في مناطق مماثلة، مع التنبيه إلى أن هذه نتيجة ارتباطية وليست دليلا سببيا مباشرا على الواقع المغربي.
وتجسد بيانات حوادث السير الوطنية الاتجاه المقلق، من 3005 وفيات سنة 2020 إلى 4024 وفاة سنة 2024، وهو ارتفاع صارخي وإن كان التقرير يحذر من اختزاله في عامل التوقيت وحده، وبالموازاة مع ذلك، يلفت التقرير إلى بعد اجتماعي لا يتم الانتباه إليه، تضطر فئات هشة كالنساء والفتيات وطلبة القرى إلى التنقل في ظلام الفجر، مما يرفع من الشعور بانعدام الأمن ويكرس العدالة المجالية المختلة.
توفير الطاقة.. وهم أم حقيقة؟
الحجة الأكثر تداولا لصالح القرار، أي توفير الطاقة، تكاد تنهار أمام أدلة الدراسة، فتجربة تركيا، التي ثبتت التوقيت الصيفي منذ 2016 لأسباب مماثلة، لم تسفر عن أي وفورات تذكر، وفق ما خلص إليه Bircan & Wirsching (2023)، بل إن دراسة أمريكية في إنديانا أثبتت أن تطبيق التوقيت الصيفي أدى إلى زيادة استهلاك الكهرباء السكني بنسبة 1 في المائة، لأن الغروب المتأخر يرفع استخدام التكييف مساء في المناخات الحارة.
مكسب اقتصادي.. لكن لمن؟
اعترف التقرير بوجود مكسب اقتصادي حقيقي لتوقيت غرينتش +1، يتمثل في ساعة تداخل إضافية يوميا مع الشركاء الأوروبيين، وهو أمر حيوي لقطاع ترحيل الخدمات (BPO) والصناعات المصدرة المرتبطة بأوروبا القارية، غير أن هذا المكسب يأتي بثمن، حيث يخسر المغرب في المقابل ساعة ثمينة من التداخل مع لندن ونيويورك والصين، مما قد يعيق استراتيجية تنويع الأسواق وجذب الاستثمارات الأنجلوسكسونية والآسيوية.
ولفت التقرير كذلك إلى فجوة مغفلة: الاقتصاد غير المهيكل والفلاحة وتجارة القرب تعمل بإيقاع شمسي طبيعي، فيفرض توقيت +1 نوعا من "اللاتزامن" يعطل سلاسل التوريد المحلية ويضاعف الضغط على اليد العاملة في هذه القطاعات التي تجد صعوبة في المواءمة مع الإيقاع الإداري والتعليمي للدولة.
ست توصيات عملية: من العاجل إلى البنيوي
قدم المركز خارطة طريق موزعة على ثلاث مراحل زمنية:
على المدى العاجل (0–6 أشهر): تطبيق حزمة تخفيف شتوية تشمل تأخير الدخول المدرسي والإداري إلى الساعة التاسعة صباحا من نونبر إلى فبراير، ونشر الدراسة الحكومية لسنة 2018 التي استند إليها قرار التثبيت لتمكين نقاش عمومي شفاف.
على المدى المتوسط (6–18 شهرا): تكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بإنجاز دراسة كلفة-فائدة شاملة ومحايدة، وإتاحة بيانات الحمل الكهربائي الساعي للمكتب الوطني للماء والكهرباء، وبيانات حوادث السير التفصيلية للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية أمام الباحثين، إضافة إلى إطلاق استشارة عامة وطنية تقيس المؤشرات الاجتماعية والصحية المرتبطة بالصباح المظلم.
على المدى البنيوي (18–36 شهرا): اتخاذ قرار سيادي نهائي بين ثلاثة سيناريوهات: العودة الدائمة إلى توقيت غرينتش، أو الإبقاء على +1 مع تعويضات تنظيمية دائمة، أو اعتماد نظام موسمي متوافق مع دورة الاتحاد الأوروبي.
ثلاثة سيناريوهات أمام صانع القرار
وضع التقرير أمام الحكومة ثلاثة خيارات واضحة: الأول هو العودة الدائمة إلى توقيت غرينتش، وهو يحقق توافقا تاما مع الساعة البيولوجية ويعيد ساعة التداخل مع لندن ونيويورك، لكنه يكلف فقدان ساعة مشتركة مع أوروبا القارية. الثاني هو الإبقاء على الوضع الحالي مع إصلاحات تنظيمية داعمة للصحة، أما الثالث فهو العودة إلى نظام التغيير الموسمي، غير أن الإجماع العلمي يعتبره "أسوأ الخيارين" لما يحدثه من اضطراب مزدوج.