ما بعد الفيضان: الجرح النفسي المسكوت عنه في القصر الكبير

الصحراء المغربية
الأحد 08 فبراير 2026 - 10:09

لم تكن المياه التي اجتاحت شوارع وبيوت القصر الكبير هي الكارثة الوحيدة التي ضربت المدينة، فوراء المشاهد الدرامية للإجلاء المفاجئ والخسائر المادية، تختبئ كارثة أخرى أشد خطورة وأطول أمدا، الصدمة النفسية الجماعية التي عاشتها الساكنة، والتي ستظل آثارها محفورة في الذاكرة والوجدان، بعيدا عن عدسات الكاميرات وتقارير الأضرار المادية.

في هذا الحوار الذي خص به جريدة "الصحراء المغربية"، يسلط فؤاد اليعقوبي، الأخصائي النفسي الاجتماعي، الضوء على البعد المسكوت عنه في تدبير الكوارث ألا وهو الجرح النفسي العميق الذي تركه الإجلاء المفاجئ في نفوس الأسر والأطفال، وانهيار الشعور بالأمان الذي يعتبر ركيزة أساسية للتوازن الإنساني.
يشرح اليعقوبي بعمق مفهوم انكسار الأمان الوجودي، ويكشف عن الأعراض النفسية الخطيرة التي بدأت تظهر على المتضررين، من قلق حاد واضطرابات نوم إلى خوف مستمر من تكرار المأساة، كما يحذر من خطورة الاعتقاد بأن الأزمة تنتهي بانحسار المياه، مؤكدا أن بعض آثار الصدمة قد لا تظهر إلا بعد أسابيع أو أشهر.
في مقابل هذا الواقع المؤلم، يسجل اليعقوبي غيابا واضحا للمواكبة النفسية المنظمة ضمن التدخلات الميدانية، ويدعو إلى إعادة النظر الجذرية في سياسات الطوارئ بالمغرب، من خلال إدماج الإسعافات النفسية الأولية وتكوين فرق متخصصة في الدعم النفسي-الاجتماعي، مؤكدا أن الأمن الحقيقي يبدأ من الشعور بالأمان.


 كيف يؤثر الإجلاء المفاجئ من المنزل على الصحة النفسية لسكان مدينة القصر الكبير الذين تم إخلاء مدينتهم بالكامل، خاصة فيما يتعلق بفقدان الشعور بالأمان؟
لم تكن الفيضانات التي عرفتها مدينة القصر الكبير مجرد كارثة طبيعية خلّفت خسائر مادية وأضرارا عمرانية، بل شكلت في عمقها صدمة نفسية-اجتماعية جماعية مست أحد أهم أسس التوازن الإنساني، وهو الشعور بالأمان، فالإجلاء المفاجئ لساكنة المدينة من منازلها، في ظروف يسودها الخوف والارتباك وغياب اليقين، لا يمكن اختزاله في إجراء احترازي تقني، بل هو حدث نفسي عنيف يهز الإحساس بالاستقرار والسيطرة على الحياة اليومية.
من منظور علم النفس الاجتماعي، لا ينظر إلى المنزل باعتباره فضاء ماديا فقط، بل كامتداد للذات ومرتكزا للهوية والخصوصية، ورمزا للأمان والاستمرارية، وعندما يجبر الفرد أو الأسرة على مغادرته بشكل قسري ومفاجئ، يتعرض لما يعرف بانكسار الأمان الوجودي، حيث ينهار الإحساس بالتحكم، ويتحول المألوف إلى مصدر تهديد، ويصبح المستقبل القريب غامضا ومقلقا، هذا الإحساس لا يبقى فرديا، بل يتحول في حالات الإجلاء الجماعي إلى شعور مشترك، تتقاسمه الأسر والأحياء والمدينة ككل.
إن ما عاشته القصر الكبير يندرج ضمن مفهوم الصدمة الجماعية، حيث تتفاعل التجربة الفردية مع مناخ اجتماعي مشبع بالخوف، والصور الصادمة، وسلوكيات الهلع، وتداول الإشاعات، في هذا السياق، تظهر لدى عدد كبير من المتضررين أعراض نفسية متعددة، من قبيل القلق الحاد، واضطرابات النوم، وفرط اليقظة، والخوف المستمر من تكرار الكارثة، إضافة إلى مشاعر العجز والغضب وفقدان الثقة، أما الأطفال، فيعبرون عن الصدمة بطرق غير مباشرة، مثل التشبث المفرط، أو الصمت المفاجئ، أو التراجع السلوكي، وهي كلها مؤشرات على اختلال الإحساس بالأمان النفسي.
ما هي التدخلات النفسية العاجلة التي كان يجب تقديمها في الأيام الأولى بعد الكارثة، وكيف يمكن مساعدة الضحايا على تجاوز الصدمة واستعادة حياتهم الطبيعية؟
رغم جسامة هذه الآثار، برز غياب واضح للمواكبة النفسية المنظمة ضمن التدخلات الميدانية، وكأن تدبير الكارثة اقتصر على الجوانب اللوجستية والمادية، في تجاهل لحقيقة أن الصحة النفسية تشكل جزءا أساسيا من الأمن الإنساني، ففي الأيام الأولى التي تلي الكوارث، لا يكون الضحايا في حاجة إلى علاج نفسي تقليدي بقدر حاجتهم إلى الاحتواء، والطمأنة، وتقديم معلومات واضحة تقلل من القلق والغموض، واستعادة الحد الأدنى من الشعور بالأمان، هذا النوع من التدخل، المعروف بالإسعافات النفسية الأولية، يفترض أن يكون مدمجا بشكل تلقائي في خطط الطوارئ.
في المقابل، أبانت ساكنة القصر الكبير عن مستوى لافت من التضامن والتكافل الاجتماعي، سواء عبر المبادرات الميدانية أو من خلال التعبئة الرقمية، وهو ما يؤكد من زاوية علم النفس الاجتماعي الدور العلاجي للجماعة في لحظات الأزمة، فالتضامن يخفف من الشعور بالعزلة، ويعيد بناء الثقة، ويمنح للألم معنى جماعيا يسهل احتماله، غير أن هذا الدور، على أهميته، لا يمكن أن يعوض غياب التدخل النفسي المهني والمؤسساتي.
ويكمن الخطر الحقيقي في الاعتقاد بأن الأزمة تنتهي بانحسار المياه وعودة الحركة إلى طبيعتها، في حين تظهر الدراسات النفسية أن بعض آثار الصدمة لا تظهر إلا بعد مرور أسابيع أو أشهر، وقد تتطور إلى اضطرابات نفسية أكثر تعقيدا إذا لم تتم مواكبتها في الوقت المناسب، لذلك، فإن التعافي الحقيقي يقتضي اعتماد مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار البعد النفسي-الاجتماعي، من خلال تتبع الحالات الهشة، ودعم الأطفال داخل المؤسسات التعليمية، وإدماج الأخصائيين النفسيين ضمن منظومة تدبير الكوارث.
إن ما وقع بالقصر الكبير لا ينبغي أن يقرأ كحدث عابر، بل كرسالة قوية تدعو إلى إعادة التفكير في سياسات الطوارئ، والاعتراف بأن الكارثة الطبيعية قد تكون قدرا، لكن تعميق آثارها النفسية هو مسؤولية بشرية ومؤسساتية، فبناء المدن لا يكتمل دون حماية الإنسان نفسيا، والأمن الحقيقي يبدأ من الشعور بالأمان.




تابعونا على فيسبوك